دهام حسنأما الثقافة بمفهومها الضيق، فهي تقتصر على الجهد العقلي أو فلنقل تقتصر على النشاط الذهني للإنسان، كمن يكتب رواية أو نصا شعريا، أو يقدم بحثا علميا في ابتكار آلة تكنولوجية ما..
ولابأس هنا من إيراد تعريفين آخرين للثقافة لبعض رواد الفكر لاستيضاح المشهد، فمثلا (فيخته) يعرّف الثقافة من أنها بمثابة (ممارسة كل القوى من أجل هدف الحرية الكاملة) أي أن فيخته بتعريفه هذا يركز على إحدى الغايات الجليلة التي تسعى إليها الثقافة، وهي أن الحرية من أهم الأهداف التي تنشدها الثقافة في جانب من المسعى النضالي للإنسان، أو من أن الثقافة في أحد جوانبها يدلل الإنسان ويرشده للخلاص من هيمنة الفكر التقليدي في حالات الجهل والاستبداد، والانتقال به إلى رحاب الحرية اللاحب..
أما توماس هوبز فيركز على جانب الغاية من الثقافة فيراها :(عملا يبذله الإنسان لغاية تطويرية) فتعريف هوبز غير بعيد في بعض خلاياه عن التعريف السابق لفيخته، فكلاهما كما يبدو يبتغي تجاوز الحالة الراهنة فينشدان حالة تطويرية، فالثقافة هنا بمعالجة هوبز وسيلة لهدف تطويري ينشده الإنسان لتجاوز الحالة الراهنة، أي أن الثقافة تفتح الآفاق رحبة أمام الإنسان، وتمدّه بزاد معرفي بغاية التطوير نحو الأفضل والأرقى..
إن إنتاج ثقافة قوية لكي تكون زادا معرفيا تواكب التطور المضطرد للجيل، فلا بد من أخذ الظروف بالحسبان، وما يقتضي ذلك من إغناء الفكر بالتلاقح مع الثقافات الأخرى دون تغافل المحلي المعيش، بحيث تغدو الثقافة المحلية إطارا مستوعبا لسائر القدرات الثقافية لأبناء أية أمة تنشد ثقافة قوية، فالثقافة تقوى بقدر قوة المحيط أوالبيئة التي تحتضنها كواقع وكمنطلق، فلا ثقافة مغلقة على ذاتها، أو تنسب إلى أمة محددة، فهي لا تلبث أن تمزق إطارها المحلي الضيق، لتنطلق إلى الفضاء الأرحب، ثم تغدو عالمية وإن انطلقت بداية من ديار معينة..
إن أي ثقافة في أي مجتمع في أي نظام هي البنية الفوقية لكل مكوّن من مكوّناته، وبالتالي فهي تعكس مجمل العلاقات الاجتماعية والأسس الاقتصادية السائدة في ذلك المكوّن، ولهذا فبالضرورة أن تأخذ الثقافة طابعا طبقيا، وتتمظهر برداء سياسي. تلتزم بهذه الجهة أو تلك، يقول ماوتسي تونغ: (إن كل ثقافة، وكل أدب، وكل فن، ينتمي إلى طبقة معينة، ويتبع خطا سياسيا محددا)
هذا ما نلمسه واضحا في التراث الماركسي، وما تربّت عليه أجيال عديدة..
وهنا في سياق المقال يقتضي منا أن نستجلي الوجه الثاني من الميدالية وأعني به (المثقفون).. فالثقافة تستحضر بالضرورة المثقف، وقد لاحظت من عنوان المقال، أني اعتبرت المثقفين يشكلون شريحة اجتماعية، فهم لا يشكلون طبقة، لأن الطبقات تعرف عادة بما تشغلها من مواقع في النظام الاقتصادي الاجتماعي، من حيث علاقاته بالإنتاج، وكيفية حصولها على نصيبها من الدخل، كقوى إنتاجية، وهذا هو جوهر العلاقات الإنتاجية، فالمثقفون كشريحة اجتماعية تتوزع على سائر الطبقات، لهذا فالمشارب الفكرية تتنوع لديهم..
لكن يبقى المثقف هو المحلل الناقد، وهو صاحب رؤية نقدية، ويتميز بقراءاته الفكرية، وقدراته على مواكبة متغيرات الحياة، وسبر مغاور الواقع المعيش، بل المساهمة حتى في تشكله..
ومن هنا فالمثقفون يتوزعون في مواقع عديدة، فهناك المثقف العضوي، بتعبير غرامشي، مثل هذا المثقف ينخرط في وسطه الاجتماعي، ويتصدى لقضاياه، ولا يرى مكانه إلا خارج أبنية السلطة إن لم يزجّ به في المعتقلات.. وهناك المثقف النرجسي الذي عرفه علي حرب فرأى أن نرجسيته تتجلى (في تعامله مع ذاته عن إحساسه بمركزيته ومحوريته برسوليته ونخبويته بتفوقه واصطفائه) وهذا يبقى في برجه العاجي مسوّرا بأوهامه وعزلته، لا يرى سوى أن غيره ملوم إزاءه، وهو دوما على حق وصواب ..
وهناك المثقفون المحافظون الذين يتشبثون بالتراث أوالدين أو السلطة، فمنهم من يتميز بالثقافة الامتثالية تجاه السلطة سواء أكانت السلطة نظاما سياسيا، أو تنظيما حزبيا، فيقوم بقلب الحقائق، ورصد كل فكر جميل لتشويهه، ومنهم من يغرق في التراث فيعيش الماضي في فكره دون أن يبارحه، ومن هؤلاء المحافظين من يكرس أو يؤسس لثقافة التطرف فيستبعد الاختلاف والتنوع، وبالتالي لا يسمح بأي ثقافة متسائلة مستفسرة، فيقع كثيرون أسرى هذه الثقافة الأحادية، ويغدو بعضهم نهب الهوس، فيتصرف وفق ما يوحى إليه من قبل بعض الملقنين له دون فهم أو مساءلة، وهذا ما نلحظه في بعض المتطرفين الإسلامويين الذين يقدمون على العمليات الانتحارية وكأنهم مسلوبو الإرادة..

التعليقات (0)