منهج الإدارة في المجتمع المتخلف «آلية التآكل من الداخل»

محمد قاسم

في ثقافة المجتمعات المتخلفة  منهج حياتي تديره قوى متنفذة –مهما كان الأسلوب- قوامه التلميع من الظاهر على حساب التآكل من الداخل.. فذلك يخدم أمرين بالنسبة إليهم، على الأقل:
الأول: النزوع النفسي الى التظاهر بما ليس فيهم اقتداء أو تقليدا لمن يفوقهم تطورا ومظاهرا..كنوع من الحاجة النفسية (تحقيق التوازن النفسي) و يعبر عنها في علم النفس بـ”آليات دفاعية نفسية لتحقيق التوازن .
الثاني: إلهاء الناس بالمظاهر التي تنسحب-تنعكس- على الأفكار، وآلية التفكير بنسبة ما، و تسمى  تجلياتها الواضحة او تعبيراتها الظاهرة بـ ” شعارات”و تنعكس إيحاءاتها على الإعلام- الكاذب في معظم ممارساته- وهذا يختلف عن الإعلان التجاري أو السياسي في المجتمعات المتقدمة..
ففي هذه المجتمعات المتقدمة، تمرر أشياء غير صحيحة عبر الإعلان والإعلام، ولكنها  تكون مغلفة –غالبا- بشيء صحيح، ضمانا لمصداقية ما يعلنون،لحساب نظرة إستراتيجية..-وهي نظرة تفتقدها النظم في المجتمع المتخلف عموما.
الشعوب في المجتمع المتقدم، لديها ثقافة التمييز، وتتمتع بحق حرية الاختيار في ظروف وجود تنافس شديد بين المختلفين في الإعلان والإعلام؛ سواء أكانوا تجارا، أم صناعا، أم سياسيين..الخ. ولا يمكن لإعلانهم أن ينطلي على الناس ما لم يتضمن جزءا موافقا لواقعهم وتطلعاتهم -أيا كانت..-.
وهكذا… فلا يعود الإعلان فقط إعلانا، وإنما –أيضا- تربية للذوق والتفكير على ما فيه، ومع مرور الوقت.و يكون التأثير اخطر في هذا المنهج؛ عندما يتولى تطبيقه متنفذون-سياسيون خاصة- بشكل ما.. عندما يتولون السلطة، ويشكلون نظاما متخلفا –بغض النظر عن تسميته: اشتراكيا أم ديمقراطيا، ليبراليا أم دينيا أوتوقراطيا…الخ. فالعبرة ليست بالتسمية وإنما بمدى تطبيق الشعارات ومضمون التسمية..
 وإن ممارساتهم هذه تحيل المجتمع إلى مزرعة رخيصة لتجارب أذهانهم المبتلاة بمرض السلطة والمظهر..فيهدرون أموال الشعب على مشتهياتهم،ويبتكرون وسائل مغرقة في المبالغة في تعظيمهم،حتى يكاد بعضهم أن يكون “فرعونا” يردد لسان حاله القول: “أنا ربكم الأعلى”.ويبني كل منهج حياته الإدارية لمجتمعه على هذه الحالة المشوَّهة والمشوِّهة في نفس الوقت.
وبما أن استمرار هذا النمط من النظم مرهون برضا القوة المهيمنة عالميا –سياسيا واقتصاديا وعسكريا- بشكل مباشر، كالاحتلال،أو الاحتلال غير المباشر؛ ولذلك مسارات كثيرة ، منها الخافية ، ومنها الظاهرة.فلا يمكن لهؤلاء الساسة أن يكونوا مرتاحين في ممارساتهم هذه؛ ما لم يؤمّنوا رضا القوى المهيمنة المذكورة.وكأمثلة:
 حرب صدام مع إيران وكالةً عن أمريكا، ودفع القذافي مليارات الدولارات تعويضا عن سلوك خطط له النظام بوعي، عن طائرة لوكريي ، نتيجة قرار غير محسوب، وهي من أموال الشعب وأرواحه ودمائه..
وكانوا يدرسوننا-بل ودرستاه أيضا- أن حكومة السويد سقطت في مرحلة ما؛ لأنها لم تؤمّن مادة الزبدة في الأسواق لأيام أو أسابيع..-ولم يهدروا من أموال الشعب شيئا، وإنما لم يحسنوا تامين بعض جوانب الرفاهية البسيطة للشعب خلال فترة قصيرة فحسب.
ومن الأسف أن نلاحظ  أن هذه الثقافة الارتجالية والمبعثرة ضمن المجتمع المتخلف،، تسري في الوسط السياسي الكردي-الحزبي بشكل خاص. أيضا..
نعم. في الوسط الاجتماعي عادة هذه الظاهرة موجودة بشكل ما، ولكنه يقتصر-عادة- على الذين يتبعونه، ولا يملكون السبل الى فرضه إلا قليلا..
لكن المتنفذين- السياسيين خاصة-  يستطيعون فرضه أكثر-بفعل خلط الظاهرة النفسية المريضة هذه؛ مع مفاهيم قيمية- وطنية- وقومية نضالية؛ يجعل الناس أكثر استجابة لهم، فضلا عن خبرتهم الخاصة في نشر مفاهيمهم عبر آليات هيئوها لذلك بمهارة.
إذا، النزوع النفسي إلى التظاهر  بما لا يتحلون به،وإتباع سياسة الهاء الناس فيما لا يعنيهم.. وكل ما يتصل بذلك يصبح منهجا حياتيا يكرس باستمرار حتى يبلغ مبلغا يحيل مجمل العلاقات وأنماط التفكير والسلوك الى حال مرتبكة اجتماعيا ونفسيا وفي صميم التفكير.
وهنا المشكلة والمأساة..وربما المرض الذي يصعب جدا ،علاجه.وهذا واقع المجتمعات المتخلفة-للأسف..فقد أفرز هذا المرض آليات ميكانيكية لاستمرارها، وقد تستعصي على المعالجة في الظروف العادية، ولا بد من جهود وذكاء وروح نضالية سامية وشجاعة للتصدي لها.
……………..
* منشور في موقع إيلاف على الرابط:

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني

مقدمة:

الأديب يعشق الكلمات، والكلمات تعشق الوحدة.

والوحدة… لا تتزوج جيداً.

هذه حقيقة قديمة، مؤلمة، لا يجرؤ معظم الأدباء على البوح بها. لكن جروحهم مكتوبة بين سطور نصوصهم. وفي المجتمعات الشرقية، حيث الزواج قدسية والطلاق وصمة، يصمت الأديب أكثر. لكن نصه… لا يصمت أبداً.

الجزء الأول: الغرب – حيث صرخوا بألمهم

فرانز كافكا: العاشق الذي هرب من الحب

لم يتزوج…

بدعوة من الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، نظّمت لجنة الأنشطة في الاتحاد ندوة أدبية وحفل توقيع للمجموعة القصصية الأولى للروائي الكردي عبدالسلام نعمان، بعنوان “زوجتي الأخيرة كانت عاهرة”، وذلك في قاعة الأنشطة التابعة لمنظمة كاريتاس بمدينة إيسن الألمانية، يوم الأحد 5 نيسان/أبريل 2026.

وشهدت الفعالية حضوراً لافتاً من…

صدرت حديثاً عن دار الزّمان بدمشق المجموعة الشّعرية الثّانية «أوراقٌ تقودُها الرّيح» للشاعرة السّورية ندوة يونس، وتقع في نحو 128 صفحة من القطع المتوسّط، بغلافٍ أنيق للوحة للفنانة التشكيلية د. سمر دريعي ومن تصميم الفنان جمال الأبطح. يُذكَر أنّها أصدرت مجموعتها الأولى «النّبض المرهق» سنة 2021م.
كتب مقدمة هذه المجموعة النّاقد صبري رسول بعنوان «مغامرة…

كردستان يوسف

أنا خبز الصباحات الجائعة
تأكلني الحروب كل فجر…
تفتتني أصابع الجوع
ويعجنني الدمع
في صحون الفقراء
قلبي…
كأنه عجين من حنين وملح
يختمر في دفءِ الأمهات
وينضج مثل صلاة
في صدر المساء

يا أيها الغارقون
في قداسة الجمعة…
وفي صلوات التراويح…
أَتخافون الله
وقلوبكم سكاكين؟
تقطعون أوردة النساء
وتحرقون القصائد
النائمة
في حقائب النازحات…

أنا امرأة…
حين خانها الجميع
بقيت
تغسل الليل
من عتمتكم
وتفسح المكان البهي
لراهبة
تسكن محراب ضفائري
تصلي…