كنيسة السيدة نجاة* .. تداعيات عقل ومشاعر

  محمد قاسم ” ابن الجزيرة “
m.qibnjezire@hotmail.com

يبدو لي أن الحياة  تتجلى في اتجاهين رئيسيين، عادة:
–  الاتجاه الأول هو: الاتجاه نحو  البناء والعمارة -كما هو مفترض- وتفرضه طبيعة المنطق- المعقولية – في التطور التصاعدي..للبشرية..

–  الاتجاه الثاني هو: الاتجاه نحو الهدم والتخريب..وهو ما يخالف طبيعة المنطق التطوري المفترض للسلوك البشري في الكون( يسميه البعض التغير التقدمي الحتمي) أو التطور باتجاه الأفضل.
 ولا بد من التذكير بأن مقتضيات البناء والتجديد تقتضي –كضرورة- بعض هدم تفرضه الحاجة إلى التطوير..كأن نضطر إلى هدم منزل لبناء منزل أفضل مكانه، أو تفكيك أفكار وقيم وعادات وتقاليد..  لبناء ما هو أفضل، ويستجيب للظروف أكثر..

وربما كان مذهب الشك والشكاك واحد من العوامل المساهمة في إنعاش فكرة النقد الذي يفترض أن يهدم ليحل محله البناء –بالنسبة للبعض على الأقل.
 لأن طبيعة التطور يفترض- ضمنيا ومنطقيا -الاضطرار إلى الهدم دائما في سياق البناء..
لكن الهدم بدوافع الشر أو تكريس وممارسة القيم السلبية، كالطمع، وشهوة السلطة، والغنى، والجاه، والثروة..الخ أمر مختلف ومذموم..
والمفترض أن الفعل البشري – في تطور فعاليته- يسعى إلى التقليل من مساحة وتأثير هذا التوجه في حياة البشر، جماعات  وأفرادا..
 ونقول: العقل البشري،لأن القوة الفاعلة –وعيا- في الإنسان هي: العقل
وإذا كان البعض يرى في العفوية، والفطرة، ومعان أخرى  مثلهما- وان اختلف التعبير عنها- إذا كان هذا البعض يرى فيها أولوية على العقل، فإن ذلك لا يوافق ما تخبرنا عنه التجربة البشرية..على الرغم من  الجمال الذي يكمن في مثل هذا المعنى..
فالسلوك، إذا كان يحمل قيمته، ومساره، صحيحا؛ وفقا لفطرة فطره الله عليها،أو ما يمكن تسميته بالعفوية والطبيعية وغير ذلك..حينئذ، تكون الحياة سلسة تمشي  في يسر،كما يصف نزار قباني: الحب :
لماذا لا يحب الناس في لين وفي يسر
كما الأسماك في البحر
كما الأقمار في أفلاكها تجري..؟!
إنها عفوية في سياق طبيعي، تجري الأمور فيها  على قاعدة:
“دع المقادير تجري في أعِنّتها = وطب نفسا إذا حكم  القضاء “.
بغض النظر عن احتمالات تفسير قد تختلف بحسب الرؤية الفلسفية أو العقيدة الدينية.
بناء عليه فإن التدخل العقلي بأدواته المنطقية التحليلية والتركيبية والمقارنة ..الخ. يصبح ضرورة؛ باعتبار العقل – كما سبق القول- قوة مشتركة بتكافؤ – بحسب ما نلاحظ  – بين  البشر جميعا، عبّر عن ذلك بعضهم بالقول:
 “على صعيد العقل يلتقي البشر”.
ولا ينبغي أن يوحي هذا الفهم لمعنى العقل ؛ بأنه مستقل عن القوى العفوية –الفطرية..- لأن وجود العقل بذاته وجود فطري..-  إنما يتمازج العقل -كقوة واعية وقابلة للتغيير والتطور باستمرار- مع كل القوى الكامنة في ثنايا تكوين الشخصية الإنسانية.
 إن خلاصة التفاعل بين القوى النفسية جميعا في تكامل ؛هي التي تفرز المساحة التي يحتلها كل من القوة العقلية، أو القوى النفسية الأخرى كالقوة العاطفية الانفعالية ..الخ.
ومن المتعب -والمشكل معا- أن العقل -هو ذاته- الأداة في هذه الفهم والتتبع والتحديد.
لذا كانت دراسة الإنسان من أصعب الدراسات في الكون على الإطلاق –بحسب بعض الفلاسفة-. فهو نفسه الدارس – الباحث- وهو نفسه موضوع الدراسة- البحث – في الوقت ذاته.وهذا يعطي جهده تعقيدا لا يسهل تجاوزه .ولذا فإن الدراسات في العلوم الإنسانية لا تزال متخلفة عن الشوط الذي قطعته العلوم الأخرى التي تبحث في المادة .. كالعلوم الطبيعية عموما.
من هنا نبدأ:
بالعودة إلى خطب وأحاديث ومقالات وكتابات وفلسفات الناس جميعا نلاحظ تأكيدا على فكرة العيش المشترك بين الناس جميعا ..بما فيه جوهر الإسلام كدين:
“لا إكراه في الدين ” الآية
“يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم”.الآية
وهناك العشرات من الآيات والأحاديث تتعلق بمثل هذه المعاني..ولكن (الذهنية-السيكولوجية ” الثقافة “) المتخلفة، و “الظلامية” كما  يشير إليها البعض في التعبير؛ تأبى إلا أن تفهم  المعاني الواضحة فهما مغلوطا ومغالطا، وتبحث في ثنايا ذلك عن ما يمكن تأويله لما يستجيب لسيكولوجيته الجاهلة..!
وإذا سألنا لماذا الشطط في (ذهنية – سلوكية ” ثقافة “) الإنسان، والمنحى المؤذي ؟
بالضرورة سنعود إلى نمط التربية –الأسرية-المدرسية-الاجتماعية –الكسبية- لديه، وخاصة الإيحاءات، والتأثيرات المباشرة لقوى سياسية عبر أجهزة لا تلتزم بقيم أخلاقية متعارف عليها، وخاصة القوى الاستخباراتية التي تجاوزت القيم المنطقية اجتماعيا؛ تحت عناوين سياسية تحت عناوين جذابة ولكنها لا تعني مضمونها في الواقع.
وهذا – للأسف – فَهم يبدو أصبح مقبولا في منطق السياسة إلى درجة مبالغ فيها، على الرغم من اتجاه الفكر العالمي نحو ما بات يعرف بـ”العولمة” أو “العالمية”..!.
وقد يختلف الفهم بين المصطلحين..بحسب بعض التفسيرات والشروح.
لكن ليس هذا الآن موضوعنا..
الموضوع هو أن البشر جميعا في أدبياتهم الدينية، والاجتماعية عموما؛ ومنها الأخلاقية والسياسية.. يتفقون على جوهر الحياة المشتركة، المفترضة،وان المظاهر السلبية في حياة البشر ما هي إلا تجليات لأحوال استثنائية في سياق الحياة..فلماذا إذا هذه المظاهر الاستثنائية تكاد تصبح مظاهر أساسية في العلاقات البشرية بعضهم ببعض..؟
بالطبع التفسير ميسور من ناحية اعتماد “مبدأ  المصالح” والصراع من اجلها ..وهذا يتوافق مع بعض التوجهات التفسيرية لبعض معاني الحياة الفكرية-الفلسفية..لكن النتائج الفظيعة تجعلنا نرى في التوقف عندها مُبَرّرا ومشروعا .
يقول المصريون في أدبيات شعبية: “الحي أبقى من الميت”.
 وكثيرا ما تكون الحكم والأمثال الشعبية ممثلة لضمير الإنسان الفطري-إذا صح التقدير- لأن البعض يرى –فلسفيا – أن الضمير مكتسب بالتربية، وليس فطريا، والبعض يجمع بينهما في محاولة توفيقية، والبعض يصر على فطرية الضمير “صوت سماوي خالد” –روس الفرنسي وغيره.
لكن الجميع يتفقون على أن الحضارة غاية أساسية وجوهرية في الحياة البشرية وهي منهج سلوك”حضاري” ونتيجة لهذا السلوك في حيوية موجودة، ومطلوب تفعيلها باستمرار.ومن أهم الجواهر –بل الجوهر الوحيد- في بناء الحضارة المفترضة هي القيمة الإنسانية متجلية في حقوق عديدة منه حق الحياة وحق الكرامة وحفظها وحق الحرية في التفكير والتعبير والعقيدة و التنقل ..و..و..الخ.
ولعل هذا ما قصدت إليه الآية الكريمة: “ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم“.
لماذا إذا ما نشهده في حياة الناس من سلوكيات تتجاهل المعنى الإنساني في التصرف ؟
وما كنيسة السيدة نجاة إلا غيض من فيض من مثل هذه السلوكية المشينة..!!
بالتأكيد عمل مُستنكَر كل ما يؤدي إلى اختراق حقوق الناس والاعتداء عليهم بأية وسيلة وأفظعها القتل بهمجية تحيّر الفطرة السليمة  والعقل السوي..!!.
………………

·         كل حدث يحتاج إلى تعليق  لكن المشكلة أننا لسنا دائما في ظرف يمكننا متابعة الأحداث والتعليق عليها ..وقد هزتني حادثة كنيسة السيدة نجاة كما غيرها لكنني لم أكتب عنها  إلا الآن –للأسف- ومن الجميل ان أربعينية الحادثة لا تزال قريبة.ولم أشأ ان أعبر عن المشاعر بالرغم من فيوض فيها،لكنني فضّلت محاولة تحليلية منطقية ..نذكّر من خلالها رسالة البشر المفترضة وسلوكهم المتضادة أحيانا كثيرة لهذه الرسالة.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني

كان الصباح ثقيلاً، والحافلة تمضي ببطء كأنها تجرّ نفسها فوق الطريق.
جلسنا متلاصقين، غرباء تجمعنا رائحة الغبار والتعب.
بدأ الحديث عادياً… عن الطريق، عن العمل، عن الغلاء. لكن سرعان ما انزلق إلى مكان آخر.
قال أحدهم بنبرة حادة: “هؤلاء لا يستحقون العيش هنا.”
ساد صمت ثقيل.
شعرت أن الهواء أصبح أضيق.
نظرت إليه، لم يكن غاضباً… بل مقتنعاً.
وهنا كانت المشكلة.
تدخلت…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

حِرْصُ الغرب على ترجمة أعمال الروائية اللبنانية حنان الشيخ ( وُلدت 1945 ) قد يبدو للبعض مؤشِّرًا على الاعتراف بالقيمة الأدبية،أو الثقل الثقافي للرواية العربية المعاصرة.لكنَّ الوقوف عند هذا الحِرص يكشف طبقات أعمق من الدوافع ، تتراوح بين الفضول الغربي نحو ” المرأة العربية المقموعة المُضْطَهَدَة ” ،…

أ. د. قاسم المندلاوي

اهتمّ الكورد منذ قديم الزمان بتربية الخيول وإتقان مهارات ركوبها وألعاب الفروسية، ويُعدّون من أوائل الأقوام الذين استخدموا الخيل في الأنشطة القتالية والرياضية. وقد ساعدتهم طبيعة كوردستان المتنوعة — من جبال شاهقة وسهول ووديان وغابات وأراضٍ زراعية خصبة — إضافة إلى مناخها المتقلب بين البرد القارس والحر المعتدل، على بناء…

صدرت حديثا عن دار الزمان للطباعة والنشر المجموعة المسرحية الجديدة للكاتب المسرحي الكردي أحمد إسماعيل إسماعيل، والتي تحمل عنوان “صرخة الطاووس”، في 139 صفحة، وتضم خمسة نصوص مونودرامية تعكس تجارب إنسانية وفكرية عميقة.

وتتضمن المجموعة النصوص التالية:

“الكابوس”: يتناول حلم كاتب متمرد يتحول إلى كابوس، تختلط فيه الحدود بين الواقع والخيال.
“خَجي”: نص مستوحى…