أللحب عيدٌ ،أم للعيد حبٌّ…؟!

گـُـلدَم ميدي

كثيرة هي العبارات التي نرغب في صياغتها لنعبّر بها عن مكامن أنفسنا ولكننا حين نسير في دروبها ونحذو حذوها نجد أنّ عمرها المديد لا يتجاوز تعرج خطوط ٍ هلامية على ضمائر نوافذٍ زجاجية ضريرة.!! لذلك كلما حاولنا أن ندير ظهرنا إليها نحرص على عدم نسيانها متروكة ًعلى أسطح تلك النوافذ لأنها ورغم إصابتها بالعمى فهي لا تتقن لغة الإطباق والإغماض فلا يؤتمن عليها لتكون أمينة سرٍ لأقوالنا..!!!
هكذا هي الحياة ..في كل خطوة ..وفي كل فكرة ..وفي كل إبداع ..وفي كل قرار بطوليّ نأخذه.. وفي كل مشروع خيال نشرع له..وفي كل بحة.. وفي كل نغمة مترنمة.. حتى في كل صرخة مدوية لولادة انتصار في الحروب التي نخوضها بين أدغالها لحظةً بلحظة.. بل لكل الحروب التي نرتّب فيها للإيقاع بمنازلينا ( الدهر كله ).
لقد اعتدنا أن نسنّ لكل تصرفٍ من تصرفاتنا قانوناً.. كما نسنّ لأتراحنا وأفراحنا يوماً مخصصاً في السنة ونمهر ذلك ببنودٍ ينصّ عليها هذا القانون أو ذاك ونضطر ـ مرغمين ـ للرضوخ لتلك الشرائع والتقيّد بتلك القوانين التي كنّا نحن واضعيها..!!
…  أي كالذي يشحذ السكين فيكون هو الذابح والمذبوح في آن واحد..!!

اعتدنا مثلاً.. أن نطوّق الحب ونحصره في يوم واحد في السنة ..فنفرح ونهزج له ونبلي كل البلاء من أجله.. ونهدي ونُهدَى فيه أجمل الهدايا،  وهذا ما غاب عن بال كل المحبين في العصور السابقة..
فأن نكبّل الحب بأصفاد يوم ونأسره به .. ونسميه عيداً كما يكون للفطر يوم بعد صيام شهر وللأضحى يوم بعد طوافٍ دام عشرة أيام ..ونتلوّن في الأيام التي تسبق يوم الحب باللون الأحمر ابتهاجاً به ولا نتذكر أن نهدي محبينا إلا في هذا اليوم بالذات.. ولا نقبل أن نُهدى إلا في هذا اليوم  وبقية أيام العام أيام حبٍ ثانوية غير ذي أهمية مقارنة بهذا اليوم المكرّس له..
تُرى كم صام المحبون حتى فطروا حباً في هذا اليوم ..أو كم طافوا حول الأماني حتى نالوا أضحية هذا اليوم المرتقب منذ أشهر وليال طويلة…!!!

نحتفل ونغنّي ونصبح ” رومانسيين ” ” ثكالى الحب”  ” عـَبـَدَة القلوب الحمراء” ” شمّامي الورود الحمراء”  رغماً عنّا، نصبح ثيران دون أن نشعر..
 فتحردُ هذه الزوجة من نسيان زوجها بأن يهديها في هذا اليوم.  وتيأس تلك الفتاة من انتظارها للوردة الحمراء التي لسوف يبعثها لها حبيبها بمناسبة هذا اليوم ، فتضطر إلى أن تهدي زميلتها في المدرسة هديةً حمراء أو قلباً أحمر تعويضاً عن خسارة الانتظار، ويصبح الحبيب مسجوناً خلف قضبان زمنية مرهوناً لذلك القلب المهدد بالانشطار..!!

نحتفل في اليوم ذاته في المنتجعات وصالات الاحتفال والنوادي احتفاءً بعيد الحب..
فاليوم عيد ..عيد الحب! فننسى أو نتناسى ذقوننا ولحانا المندّاة بلعنات الزمن..وننسى أو نتناسى ما تقطر من جباهنا من بصقات!!! نقنع أنفسنا بأنها قطرات من عرق الحب، فنغنّي ونشرب ونسكر حتى الثمالة ..ثم يعربد أحدنا فيقول ما لم يتجرأ على النطق به وهو صاحٍ .. يلعنُ هذا ويسبُّ ذاك..ويعارض هذا القرار الرئاسي أو يتمرّد على ذاك القانون الحكومي المُسَـنّ بشأننا .. ويضحك السامعون كثيراً مبررين له ذلك بقولهم : ” لقد سكر هذا لأنه شرب كثيراً” !!!
فنحن لا نستطيع أن نفضّ كناناتنا إلا ونحن سكارى .. سكارى يوم الحب .. فاليوم عيد فلن نستطيع أن نضيع على أنفسنا فرصة قول الحقيقة.. فالصراخ مباح .. واللعن مباح .. والشتم مباح..حتى نصحو وحينها تختلّ كل الموازين ونعود إلى حقيقتنا الحنظلية لندرك كم كنا صاحين حين شربنا ..وها نحن نعود سكارى حقيقيون من جديد وإن لم نشرب..!!
فالذي حرّم الشرب والخمر كان يعي جيداً بأنّ من يثمل ويسكر لابدّ وأنه سيكشف الحقائق ويُسمع مَن لم يسمع ما لا يجوز سماعه..فحرّم ذلك .. وقد راق لمن يسنّ القوانين هذه الشريعة..لا لأنّه يحرّم الحرام ويحلل الحلال كما كان متبعاً في أول نزوله كشريعة سماويّة إنما لأنّه يخشى أن تـُنشر أرديته الوسخة أمام الناظرين..فيكون ذلك شرارة التمرّد لكل من يرى تلك البقع الوسخة على رداء حياة كل واحد فينا ..فيضحك الناظرون لهذا الثمل والسكران ظاهرياً والصاحي الواعي من وراء الكواليس وكلما ضحك السكران نضحك معه ..نضحك حتى البكاء ونختتم خيبتنا بدموع لازوردية بل نستغفر لأنفسنا خشية أن ينقلب هذا الضحك إلى مأتم..!!!
فهل هذه الحياة إلا مأتماً ..ونحن لا نشعر ولا نسمع ولا نحب إلا يوماً واحداً فقط في العام أما باقي الأيام فكله حقد وعداوة ونفاق ..

هانحن ذا في زمن نؤطّر فيه أيام مشاعرنا ..الله يرحم أيام كذبة نيسان ..فقد حلّ محلّه يوم الحب وإنْ لم يكن لهما التوقيت ذاته .. فسوف نرى غداً للرقص يوم :فيكون عيد الرقص ، وللرحمة يوم : يوم عيد الرحمة، وللحمد يوم ..وللأكل يوم ..وللنوم يوم !!!؟؟؟
ألن يكون من بين أيام السنة هذه يوم للحرية فيكون (عيد الحرية ) فنتحرر من حماقاتنا وعاداتنا الببغاوية وتقليدنا الأعمى ..ونتحرر من عبوديتنا وخنوعنا ..!!
فإن أصبح للحرية يوم ..فسوف ندرك فيه مدى عمق الألم وحجم العاهة وكمية النزف التي تصيب عقولنا  كل دقيقة ..فإن قيست الحضارة والمدنية بمدى تمثلنا بهذا اليوم .. فلا يعنى أننا متخلفون من دونه. فالحضارة تنجب أفذاذاً لا يحتاجون للشرب والسكر والثمالة حتى يكشفوا الحقائق ويطالبوا بالحقوق المشروعة لهم ..
 ولكن يبدو أن هذا ما تعلمناه فقط من دروس الحضارة والمدنية المزيفين: كن محبّاً في هذا اليوم               تكن مدنياً..!!!
ولا يسأل المرء نفسه:
 ” متى أكون حضارياً حقـاً حتى أكون محبّــاً ..  فأثمل وأسكر ما بدا لي …!!!؟؟؟  “
  

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أ. د. قاسم المندلاوي

أولاً: مستوى التحكيم

من خلال متابعتنا لعدد كبير من مباريات كأس العالم 2026، يمكن تسجيل جملة من الملاحظات حول المستوى التحكيمي، إذ بدا في بعض المباريات أن هناك تباينًا في تطبيق القوانين، الأمر الذي أثار نقاشًا واسعًا بين الجماهير والإعلام الرياضي ،

وقد برزت شكاوى عديدة تتعلق بعدم الثبات في القرارات التحكيمية ، ولا…

متابعة: عبد اللطيف الحسينيّ

قَبلَ حوالي عَقدين كنّا ثلاثةً: ياسين حسين وغسان جانكير وأنا، وبينَنا الأدبُ والسياسةُ، وصخبُ الحياة وتكاليفُها على رجلٍ تَرَكَ حلبَ ليقيمَ في مدينته التي أحبَّ “عامودا” حيث لا عمل والقبضةُ البعثية الأسديّة ومخابراتُها تحصي أنفاسَ مخالفيها بخلاف ما روّجه البعثيّون بانكفائها، لكن بقي البعثُ” قائداً للدولة والمجتمع” أو شيء من هذا الوضيع…

صبري رسول

 

تضعك شمس عنتر في قلب الحدث، فيشعر القارئ أن القصّة تجري معه، أو حدثت قريبا منه وفي محيطه، إلى أن يصل به الأمر أن يشعر أنّ الكاتبة تروي الحكاية له، القصة التي حدثت للتوّ.

النّصوص هي سيرة أهل الجزيرة، سيرة مدنها وأزقتها وقراها. هي سيرة النّاس في أزمنة الحرب، سيرة النّساء والشّهداء.

وبخلاف قصصها السّابقة، التي…

فرهاد دريعي / ألمانيا

عزيزتي:

المسافة لم تصنع لي وطنا بديلاً، ​فقط كانت هي الأقدار حينما كتبتْ فصولاً لم أخترها، وألقت بي في فيافي غربةٍ أجرّ خلفي حقائب ممتلئة بالذكريات، وتاركاً قلبي حيثما أنتِ، يهيم في طرقات قامشلو نهاراً وفي الليل يندس تحت وسادتكِ.
​هذه ليست قصة إقصاء أو سفر، إنما سيرة روح شُرخَت، فنصفٌ يعيش مرغماً في…