ما إن نزلت نسخ من فيلم ( كوندر –و-تختور) إلى السوق ووصلت إلى يد مجموعة من الأطباء حتى بادر الكثيرون منهم إلى الاتصال معي وإبداء تذمرهم من كيفية إظهار صورة الطبيب في هذا الفيلم ، ثم إن بعضهم عاتبني كيف أكون طبيبا وأكتب فيلما عن الأطباء وجشعهم المادي وعدم اكتراثهم بحالة الفقراء في مجتمعنا ، ولكل زملائي الأعزاء ، أقول إن الفيلم لم يتطرق إلى أية شخصية بعينها فهو يعالج ظاهرة ارتفاع أجور المعاينات ، والحالة المادية الضعيفة للمواطنين الذين يعملون صبح مساء من أجل تأمين لقمة عيشهم ، وفي ظل عدم توافر مظلة للضمان الصحي في البلد فان معظم هؤلاء الناس يضطرون إلى الاستدانة والسلف من أجل أن يجروا عملية أو يشتروا أدوية باهظة الثمن لإنقاذ أولادهم وأقاربهم من شبح المرض والموت .
هذه بالمختصر كانت قصة الفيلم الذي قمت بكتابته بالاشتراك مع الصديق جواني كوردي الذي قام أيضا بإخراج الفيلم بطريقة حرفية وجميلة ، ومع كل الصعوبات التي وجدناها في تصوير الفيلم ،وتامين الموارد المادية، إلا إن الفيلم وبرغم كل سلبياته قد مهد لانطلاقة جديدة في السينما الكردية في سوريا ، فهو يبتعد عن الخوض في الأمور السياسية وهو يبتعد أيضا في التبعية للأحزاب الكردية الموجودة ، وهو يطرح أفكاره ببساطة شديدة وبمسحة كوميدية سوداء بعيدة عن الاستهتار والاستهزاء بعقول وعواطف المشاهد ،فالكثيرون بكوا على حال هذه العائلة الفقيرة والكثيرون بكوا على حال الطبيبين، فالأول أبكى الناس وأضحكهم في الوقت نفسه في مفارقة عجيبة ، تظهر إن المال يجب أن يكون لخدمة صاحبه لا أن يكون الصاحب عبدا لماله ، والطبيب الأخر أبكى الناس بسبب عطفه الزائد وفقره الزائد .
لقطات ومشاهد سوداء تتالى لحالة مأساوية يعيشها الكثيرون من أبناء هذا البلد ، إحدى المُشاهِدات سألت عن البيت الذي تم التصوير فيه ، وتساءلت هل مازال هناك بيوت وعائلات على هذه الدرجة من الكآبة والفقر ، فأجبتها إننا عكسنا الواقع ولم نأخذ من الخيال إلا الجزء اليسير، وان الذين يستغربون وجود مثل هذه الأماكن الفقيرة ، عليهم أن ينظروا حولهم قليلا ، فكم من أسرة عزيزة النفس ، تنام مع جوعها وفقرها ولا تُظهر أية معالم وملامح لبؤسها للآخرين بسبب عزة النفس هذه، وكم من مريض توفي لأنه لا يملك حق الدواء ، كم من الناس الذين تعذبوا وهم يحملون مرضاهم إلى مشافي حلب والشام ، وكم هي المبالغ التي استدانوها من الآخرين من أجل إنقاذ أحبائهم من ألامهم ومعاناتهم .
إننا في هذا الفيلم المتواضع لا نهاجم أحدا بل نظهر جانبا من سلبيات مجتمعنا في خطوة أولى على طريق التصحيح والبناء الوطني ،
وإننا إذ نشكر كل الذين ساعدونا في إتمام هذا العمل ،نرسل بطاقة عتب لكل الذين تهربوا من المساعدة ، كما إننا نأمل أن يأتي اليوم الذي يجد فيه المواطن الفقير ما يسد رمق عياله وما يؤمن له معيشة أكثر بحبوحة، سواء أكان ذلك عبر تامين فرص العمل المختلفة ،أو عبر إنشاء مؤسسات الضمان الاجتماعي والصحي، الذي يمكن أن يقي هذا المواطن من أخطار الحياة الكبيرة والكثيرة .
فيلم (كوندر وتختور)
سيناريو وحوار : الدكتور شمدين شمدين و جواني كوردي
اخراج :جواني كوردي







التعليقات (0)