كوميديا سوداء ( عن فيلم كوندر و تختور )

الدكتور شمدين شمدين

ما إن نزلت نسخ من فيلم ( كوندر –و-تختور) إلى السوق ووصلت إلى يد مجموعة من الأطباء حتى بادر الكثيرون منهم إلى الاتصال معي وإبداء تذمرهم من كيفية إظهار صورة الطبيب في هذا الفيلم ، ثم إن بعضهم عاتبني كيف أكون طبيبا وأكتب فيلما عن الأطباء وجشعهم المادي وعدم اكتراثهم بحالة الفقراء في مجتمعنا  ، ولكل زملائي الأعزاء ، أقول إن الفيلم لم يتطرق إلى أية شخصية بعينها فهو يعالج ظاهرة ارتفاع أجور المعاينات ، والحالة المادية الضعيفة للمواطنين الذين يعملون صبح مساء من أجل تأمين لقمة عيشهم ، وفي ظل عدم توافر مظلة للضمان الصحي في البلد فان معظم هؤلاء الناس يضطرون إلى الاستدانة والسلف من أجل أن يجروا عملية أو يشتروا أدوية باهظة الثمن لإنقاذ أولادهم وأقاربهم من شبح المرض والموت .
إننا في هذا الفيلم الذي يحكي قصة عائلة فقيرة تهاجر من القرية الجميلة الوادعة لتستقر في المدينة على أمل تحسين أوضاعهم المعاشية ، والالتحاق بركب المدنية والحضارة، يضطر رب الأسرة إلى العمل في بيع الخضروات وهو حال الكثيرين من أبناء هذه المناطق بغية تامين متطلبات العيش الكريم ، وفي أثناء إحدى جلساته مع أصدقائه يشعر بألم شديد في خاصرته ومن شدة الألم الذي يسرق النوم من عينيه ، يراجع احد الأطباء الذي يتميز بعصبية مفرطة يضفي شيئا من النكتة على تصرفاته وحركاته ، كما يمتاز بماديته الكبيرة ، فنجده يبازر على ألف وألفي ليرة ولا يتنازل عن قرش واحد كمراعاة للوضع المادي السيئ لهذه العائلة الفقيرة ، يظهر في الفحص وجود حصوات ثلاثة في كلية المريض اليسرى ، فيخبره الطبيب بضرورة اجراء العملية سريعا وضرورة جلب المال اللازم للعملية ، يحتار كوندو وزوجته كولي في كيفية تأمين المبلغ المطلوب ، وتقترح كولي بيع البيت لإجراء العملية لان الحياة أغلى من أموال الدنيا بأكملها كما تقول، إلا إن كوندرو رب الأسرة يستبعد هذه الفكرة لان البيت هو حصن وحماية للأولاد بعد وفاته ، يبكي الاثنان على حالهما ويستذكران أيام العز في قريتهما الجميلة حيث كانوا يأكلون ويشربون مما يزرعون  ومما يعملون ،بعيداً عن أجواء المدينة المبنية على المال وحده دون أي اعتبار للمشاعر الإنسانية ، وفي هذه اللحظة بالذات يدخل عليهم جيرانهم يحملون رزمة من النقود جمعوها لهم لإجراء العملية لكوندرو ، وهنا تكمن إحدى مقولات الفيلم من أن الدنيا مازالت بخير وان الناس لبعضها ، وفي المختصر يجري الدكتور المادي والذي أسميناه نكسو العملية للرجل، وفي أثناء إجراء العملية يكتشف وجود حصاة أخرى أي رابعة فيخرج من العملية ليبازر مرافقي المريض على سعر الحجر الرابع ،وإلا فسوف يترك الحصاة الرابعة في كليته ، تبكي كولي وتطلب منه إخراج الحصاة كصدقة لأولاده ولكن د. نكسو يرفض بشدة ويعتبر إن هذا عمل وليس محل لتوزيع الهبات والصدقات، وهكذا تضطر الأسرة بمساعدة الجوار إلى تامين المبلغ المتبقي ويخرج رب الأسرة من العميلة، وتحلم الأسرة بأيام جميلة آتية، إلا إن الآلام تعاود رب الأسرة من جديد فيرجع إلى طبيبه الذي لا يستقبله ، فتسير كولي وكوندرو  الذي يئن من الألم في الطريق الطويلة الخالية من أية وجوه والتي ترمز إلى هذه الحياة ، وفي نهاية إحدى الأزقة يتفاجآن بعيادة طبيب آخر هو نور هات الذي يظهر عليه ملامح الفقر وضيق الحال ،ولكنه مع ذلك يساعد مريضه ويجري له الفحوصات اللازمة دون أي مقابل مادي وحين يرى كوندر وكولي طيبة هذا الطبيب وتعامله بحنية مع مرضاه، يتذكران ذلك الطبيب الجشع نكسو ويخبران الدكتور نور هات بذلك فيرد عليهما بالقول : إن أصابع يديكما ليست متساوية كلها ،وهكذا هم الأطباء،فهناك الطبيب الجشع وهناك الطبيب القنوع والمساعد للفقراء ، وفي نهاية الفحص يتضح أن الدكتور نكسو قد ترك قطعة شاش في بطن كوندرو وهو ما سبب له هذه الآلام المعاودة والشديدة .
هذه بالمختصر كانت قصة الفيلم  الذي قمت بكتابته بالاشتراك مع الصديق جواني كوردي الذي قام أيضا بإخراج الفيلم بطريقة حرفية وجميلة ، ومع كل الصعوبات التي وجدناها في تصوير الفيلم ،وتامين الموارد المادية، إلا إن الفيلم وبرغم كل سلبياته قد مهد لانطلاقة جديدة في السينما الكردية في سوريا ، فهو يبتعد عن الخوض في الأمور السياسية وهو يبتعد أيضا في التبعية للأحزاب الكردية الموجودة ، وهو يطرح أفكاره ببساطة شديدة وبمسحة كوميدية سوداء بعيدة عن الاستهتار والاستهزاء بعقول وعواطف المشاهد ،فالكثيرون بكوا على حال هذه العائلة الفقيرة والكثيرون بكوا على حال الطبيبين، فالأول أبكى الناس وأضحكهم في الوقت نفسه في مفارقة عجيبة ، تظهر إن المال يجب أن يكون لخدمة صاحبه لا أن يكون الصاحب عبدا لماله ، والطبيب الأخر أبكى الناس بسبب عطفه الزائد وفقره الزائد  .
لقطات ومشاهد سوداء تتالى لحالة مأساوية يعيشها الكثيرون من أبناء هذا البلد ، إحدى المُشاهِدات سألت عن البيت الذي تم التصوير فيه ، وتساءلت هل مازال هناك بيوت وعائلات على هذه الدرجة من الكآبة والفقر ، فأجبتها إننا عكسنا الواقع ولم نأخذ من الخيال إلا الجزء اليسير، وان الذين يستغربون وجود مثل هذه الأماكن الفقيرة ، عليهم أن ينظروا حولهم قليلا ، فكم من أسرة عزيزة النفس ، تنام مع جوعها وفقرها ولا تُظهر أية معالم وملامح لبؤسها للآخرين بسبب عزة النفس هذه، وكم من مريض توفي لأنه لا يملك حق الدواء ، كم  من الناس الذين تعذبوا وهم يحملون مرضاهم إلى مشافي حلب والشام ، وكم هي المبالغ التي استدانوها من الآخرين من أجل إنقاذ أحبائهم من ألامهم ومعاناتهم  .
إننا في هذا الفيلم المتواضع لا نهاجم أحدا بل نظهر جانبا من سلبيات مجتمعنا في خطوة أولى على طريق التصحيح والبناء الوطني ،
وإننا إذ نشكر كل الذين ساعدونا في إتمام هذا العمل ،نرسل بطاقة عتب لكل الذين تهربوا من المساعدة ، كما إننا نأمل أن يأتي اليوم الذي يجد فيه المواطن الفقير ما يسد رمق عياله وما يؤمن له معيشة أكثر بحبوحة، سواء أكان ذلك عبر تامين فرص العمل المختلفة ،أو عبر إنشاء مؤسسات الضمان الاجتماعي والصحي، الذي يمكن أن يقي هذا المواطن من أخطار الحياة الكبيرة والكثيرة .
فيلم (كوندر وتختور)
سيناريو وحوار : الدكتور شمدين شمدين و جواني كوردي
اخراج :جواني كوردي

تمثيل :بافي لالش ، كولى كوردي ،أبو عبدو المكحل ،صارم أحمد وأخرون

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

عبدالعزيز قاسم

يتكون التركيب الاسمي في اللغة الكردية (الجملة الاسمية)، باختصار من المبتدأ والخبر، ويعبَّر عن الفعل الناقص (فعل الكينونة) بصيغ زمنية مختلفة:

الماضي: bû

الحاضر (صيغة الحاضر للفعل الناقص): e

المستقبل:

في لهجات البادينية: dê bît أو dibît

في السورانية: dê bêt أو debêt

أما فيما يتعلق بقواعد الأبجدية الكردية اللاتينية، فهي لا تعكس الصورة الكاملة للنظام اللغوي، كما لا تتلاءم…

إدريس سالم

لم أفهم أبي يوماً؛

ذلك الثقب الأسود في مجرّة العائلة، الكائن الذي لم يفكَّ شيفرته أحد، يسكن في فجوة سحيقة بين الصرخة والسكوت. كان يزرع العِناد المسموم في أوردتنا، يبذر ألغاماً موقوتة، ويحقن قراراتنا المصيرية بمصل التردّد، حتى غدونا نمشي على أطراف أصابعنا في حقل من الخوف.

لم أفهم أبي يوماً؛

إنه طاووس جريح، إذا مسّه المرض،…

قصة: م.علي كوت

ترجمة عن الكردية: فواز عبدي

الازدحام شديد في سوق مدينة (م)، وكذلك مهنة العتالة.. يمتلئ السوق منذ الفجر وحتى وقت متأخر من المساء. يصعب التنقل من طرف السوق إلى طرفه الآخر على من لم يعتده.

لأن المدينة مبنية في الجبل فإن شوارعها ضيقة وكذلك أسواقها. ولكي يذهب المرء إلى دكان لشراء علبة سجائر، أو إلى…

فراس حج محمد| فلسطين

منذ مدة طويلة لم أقرأ كتاباً بهذه الكيفية التي قرأت بها كتاب “الهامسون بالكتب: إحياء القارئ الكامن داخل كل طفل” لمؤلفته المعلمة دونالين ميلر، إن السيدة ميلر معلمة قراءة للصف السادس في إحدى مدارس ولاية تكساس في الولايات المتحدة، تحدثت عن تجربتها مع طلابها في هذا الصف وكيف قادتهم لأن يصبحوا قراء…