يحيى المؤلف ويسقط «بارت»

خالص مسور:

جاء وقت بدا فيه النقاد الأوربيون الحداثيون ومنهم رولان بارت، وجاك دريدا، والشكلانيون الروس، ومن ثم النقاد الأمريكيوت التفكيكيون أصحاب مدرسة (ييل للتفكيك) كـ(جفري هارتمان) و(بول ديمان) و(هيليس ميللر) وغيرهم، متألمون لعدم وصول النقد الأدبي إلى مرتبة القوانين العلمية وبقي مراوحاً في مكانه كظاهرة فنية فقط ولم يرق إلى مرتبة العلوم الطبيعية وقد عجز عن إنشاء قوانينه الخاصة به، بل بقي أسير النزعات الفردية يعتمد على ذوق الناقد وموهبته ودقة ملاحظته، وهو أمر يثير خلافات متعددة في دراسة النص الواحد لأن النقاد مختلفو المشارب ذوقياً وموهبة وإبداعاً ودقة ملاحظة.
ومن هنا فإن الناقد الحداثي الشكلاني والبنيوي أو التفكيكي على سبيل المثال، يعتمد في دراساته النقدية للنص الأدبي على اللغة الإشارية والمجاز، ويبحث عن المعاني الدلالية والإشارية دون المعنى المباشر أو دون اللغة النحوية المعجمية المباشرة في دراساته للنصوص الأدبية، تطبيقاً لمقولة ليس ما يقول النص بل كيف يقول، أي أن أصحاب النقودات الحداثية تلك يركزون على الجانب الشكلي الخارجي للنص ولكن دون أوزان وقواف، على حساب الجانب الداخلي أو موضوع النص وما يخبئه بين طياته من معنى مباشر، بل جل ما يهم الناقد الحداثي هو الغموض والإيقاع والصور الشاعرية والتركيب الجملي والإشارة والتكثيف ولانهائية الدلالة. أو أنها تركز على شكل المضمون وعناصره وبناه التي تشكل نسقية النص في اختلافاته وتآلفاته كما يقول جميل حمداوي. وفي هذا المعنى أيضاً يقول بول فاليري (ليس من معنى حقيقي لنص ما)، وياكوبسون يقول: موضوع علم الأدب ليس هو الأدب بل هو الأدبية أي ما يجعل العمل الأدبي أدبياً.
ومن مجمل القول نرى بأننا  هنا أمام تناقض صارخ بين ظاهرة فنية أدبية لاعلمية تطبق عليها قوانين علمية، وذلك حينما أراد هؤلاء النقاد البنيويون والتفكيكيون والشكلانيون…الخ. أن يكون للدراسات النقدية متكأ ونظرية علمية يبنون عليها دراساتهم، وقالوا إن إدخال المؤلف في النص المدروس يؤدي إلى الإستناد إلى أفكار مسبقة الصنع والتصميم وإلى لا علمية الدراسة النقدية. أي مايريد هؤلاء قوله هو، أن الناقد في حال إدخاله المؤلف في الموضوع فسيخدع أو سيخون نفسه وسيعتمد في دراساته ونتائجه على أفكار مسبقة عن المبدع وعن إسلوبه وجمله وعباراته، وسيخرج من النص المدروس بنتائج نقدية مهزوزة تفتقر إلى العلمية والموضوعية، ومن هنا ظهرت النقودات البنيوية، والشكلانية، والتفكيكية، والمستقبلية، وجمالية التلقي…الخ. وجاءت معها مقولات المراوغة، ولاشيء خارج النص و(موت المؤلف) أو موت مبدع النص الأدبي التي أطلقها الفيلسوف والناقد الفرنسي “رولان بارت” لينحسر بعدها أو يتلاشى العلاقة بين النص ومبدعه تماماً وسوف لن يعود النص هنا ملكاً لصاحبه، وقد اعتمد أصحاب تلك النقودات الحداثية في دراساتهم على نظريات سوسير  اللغوي الشهير وما يتبعها من تحليل النص لغوياً عن طريق تفكيك رموزه وعلائقه.
ونعتقد أن هذا تطرف منهجي واضح ومن باب التضحية بالكثير للوصول إلى القليل، وما نراه هو أن على الناقد في دراساته للنصوص الأدبية التعرف على ما أسميه بـ(المؤلف الإيكولوجي) أي معرفة المؤلف ومعرفة بيئتيه الإجتماعية والطبيعية معاً من قبل القاريء أوالناقد، حتى يسهل عليهما فهم ليس موضوعه فقط بل المعاني الدلالية للغته الإشارية الأثيرة لدى النقاد الحداثيون، فالناقد الحداثي بلجوئه إلى مقولة موت المؤلف أومبدع النص الأدبي يدخل لحظة مكابرة – وكما قلنا – يخدع نفسه، بل هو في أحسن الحالات يتجنى على المؤلف مرة وعلى نصه المدروس مرة أخرى:
وقد يؤدي تكفين المؤلف إلى تقلص ثقافة الناقد الأدبية وسيزيد من أميته عن حياة الأدباء والشعراء بشكل عام، لأن الناقد الحداثي لايهمه من هو مبدع النص أو شاعره، بل همه – كما يرى – هو الدراسة النقدية العلمية الجادة لكن بطريقة منقوصة وغير مجدية كثيراً، وهو في جانب منه افتئات على شهرة المبدع وهضم لحقوقه الإبداعية مرة أخرى، كما ستفلت الكثير من المعاني الدلالية للنص من أيدي الناقد إن هو أفرط بالبيئة الإجتماعية للمبدع الإيكولوجي، وسوف يجد نفسه في كثير من المرات أمام نص مطلسم يعجز عن الإشارة إلى كنه دلالاته اللغوية، وسينسحب من الحلبة أمام النص خاسراً مهزوماً. وسنستشهد بما ذهبنا إليه في هذا البيت الشعري البسيط. يقول الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني:
ويسهَد من ليل التمام سليمها     لحلْي النساء في يديه قعاقع
لاحظوا هنا ما يمكننا استخلاصه من هذا البيت ومغزاه الإجتماعي فنقول: بأن البيت يشير بوضوح إلى عادة عربية قديمة، تتمثل في معالجة الملدوغ الذي كان العرب يسمونه (سليماً) تفاؤلاً وتمنياً بإبعاد شبح الموت عن الملدوغ، وكان العرب يضعون في يدي الملدوغ ورجليه الأساور والحلي والأجراس لئلا ينام. لأنهم أدركوا أن السم أسرع انتشاراً في الجسم في حال النوم منه في حال اليقظة، وهذا ما أثبته العلم الحديث اليوم. وكما تلاحظون- فقد استطعنا أن نستخلص هنا – ومن خلال معرفتنا بالتاريخ والتراث العربيين- معنى كلمة (سليمها)، أي استدللنا من الشاعر والبيئة المعاني الدلالية والمجازية للكلمة. فلو وضعنا هذا البيت أمام ناقد تفكيكي او بنيوي يدرس النص بطريقة موت المؤلف الإيكولوجي والذي يجهل تراث المنطقة لاحتار في دراسته ومعانيه الدلالية، ولسوف لن يتوصل في هذه الحالة إلى نتيجة مرضية، مهما طبق عليه من مناهج شكلانية أوبنيوية أوتأويلية (هيرمنيوطيقية) أوتفكيكية حديثة بل سيضطر إلى الإكتفاء منه بالعموميات والتركيز على رصد الجانب الخارجي منه مفرطاً بموضوع النص ولذة الكشف والمتابعة، هذا إذا لم يكن ملماً بتراث المنطقة والبيئة التي نشأ فيها هذا البيت الشعري وشاعره، بالإضافة إلى أنه سيفرط باللذة التي ينشدها القارئ بنتيجة حرمانه مما ترمز إليه كلمة /سليمها/ من معنى ومغزى. ولهذا يقول الناقد المغربي سعيد يقطين- في انفتاح النص الروائي-32- (النص بنية دلالية تنتجها ذات فردية أو جماعية ضمن بنية نصية منتجة، وفي إطار بنيات ثقافية واجتماعية محددة).
ولهذا نرى أن على الناقد أن يكون أميناً على النص المدروس، وألا يخدع ذاته ويعتمد على المبدع الإيكولوجي والبيئة الإجتماعية وحدها في دراسة البيت، بل عليه – بالإضافة إلى ذلك – أن يبحث عن المعانى الدلالية للنص من جميع جوانبه ويضع المؤلف الإيكولوجي على الرف طبعاً بعد أن توصل عن طريقه إلى الكثير من الدلالات الشعرية، ليباشر عمله كباحث تفكيكي ويشرح النص بوسائل إضافية حتى تكتمل لديه الدراسة النقدية المنزهة عن التأثر المسبق بما هو خارجه، ثم يعمد إلى إدماج ما توصل إليه ويخرج بنص نقدي تتوفر على ثراءات دلالية ماتعة بالمغزى والمعنى بالإضافة إلى ما تتضمنه الجوانب الشكلية أيضاً، ومن هنا نقول، أن ما نحبذه في الدراسات النقدية الجادة والشمولية هو منهج النقد التكاملي، فمنهج واحد ومدرسة نقدية واحدة لنص واحد قد لا تفي بالغرض الطلوب منها.
…………………………………………………………..

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

كيفهات أسعد

لا أحبكِ كما لو أنكِ مسبحةٌ من الكهرمان أو الياقوت.
لا أحبكِ كسيارةٍ قديمةٍ تتدرّج بغرورٍ وسط زحام المدينة.
أحبكِ بالطريقة الوحيدة التي أتقنها،
تنبت بين ظلّكِ وروحي،
بلا غرور،
بلا مواربة،
كي أستردَّ الواقع من الحلم،
كي أعصر قصائدي بماء الزهر،
وأنقّي كلماتي الرعوية في مدح حزنكِ الجميل،
في مدح امرأةٍ أطحتُ بقلبها كمطرٍ صيفيٍّ في روحي.
فمها برعمُ حبقٍ في شقوق الرخام.
منتشياً…

د. ياس خضير البياتي

في سنجار، تلك المدينة التي تتكئ على الجبل وتطل على السهل وتتنفس الصحراء، وُلد كفاح محمود كريم عام 1954. هناك، في بيئة تتقاطع فيها الصلابة مع الحلم، بدأ الطفل الصغير يختبر قوة الصوت والكلمة، فكان خطيباً في مدرسته الابتدائية بين عامي 1961 و1967، يعلن مبكراً أن للكلمة وقعاً لا يقل عن وقع…

شيرين خليل خطيب

 

“حرمة الجسد في زمن اللايك.. حين تتحول الهشاشة إلى خيانة ناعمة”. هو موضوع استقيته من خلال مراقبتي لكل ما يدور حولي، ومِن تجارب مَن حولي مع مواقع التواصل الاجتماعي وما ينجم عنها، وما سينجم عنها مستقبلاً. ففي ثقافتنا، اعتدنا أن نربط مفهوم (حرمة الجسد) بالمرأة فحسب، وكأن الجسد الذكوري خارج معادلة القداسة والانتهاك….

خلات عمر

كانت هيلين تمتلك موهبة ربانية، وصاحبة حنجرة ذهبية. أسعدت آلاف الناس بأغانيها الرائعة والممتعة. كان حضورها مميزاً، تزرع الابتسامة في الوجوه وتوقظ الحنين في القلوب. وكان تواضعها وأخلاقها سببًا في حب واحترام كل من عرفها.

قصتها المؤلمة بدأت عندما التقت بفارس أحلامها، وجمع بينهما حب كبير لا يوصف استمر سنوات طويلة. رسم كلاهما مستقبلاً جميلًا…