آرشف أوسكان: في حقيقة موت الشاعر

حسين جلبي

توفي الشاعر و الكاتب الكُردي آرشف أوسكان في ليلة 25.11.2012، و قد أُقيمت له في ألمانيا عدة مراسم في مدينتي هامبورغ و بريمن، حضرها الكثير من أقاربهُ و معارفه و أصدقائه. لكن غياب الراحل آرشف الذي كان يكتب باللغة الكُردية و لهُ عدة مؤلفات بها، قوبل بشبه تجاهل من زملاءه الكُتاب و الشعراء، و لعل الكاتب الكُردي قادو شيرين كان الوحيد من بين هؤلاء الذي حضر المناسبة، و قد جاء من هولاندا أول الأمر على عجل فور سماعه بالنبأ و بقي عدة أيام في هامبورغ يواسي الجميع، ثم جاء مرة أُخرى لحضور مراسم العزاء في بريمن لمدة يومين، في حين لم يحضر آخرون يقطنون على مرمى حجر، بعضهم تجاهل المناسبة و قليلون جداً إتصلوا يعتذرون عن الحضور.
قبل عدة أيام كتب الصديق قادو شيرين تحت عنوان (اللوم) مقالاً باللغة الكُردية عن موت الإنسان مرتين، الأولى عن موته الفيزيائي و الثانية فيما بعد عندما يتم تجاهله و تجاهل نتاجه و جهوده و تضحياته، و خلُص في النهاية إلى أن آرشف أوسكان مات مرتين.
تعرفتُ إلى آرشف أوسكان في مرحلة مٌتأخرة من حياته، قيل لي أن هناك كاتبٌ كُردي يعاني من مرضٍ عُضال، فلم أجدها مناسبةً للذهاب إليه و طرق بابه كيلا يُفسِر الأمر، و هو الإنسان الرقيق، نوعاً من الشفقة و زيارةً وداعية، لكن الرجل حضر إلى بيتي المتواضع فيما بعد ثم حدثت بيننا لقاءاتٍ في مناسباتٍ وطنية و إجتماعية، و حصل بيننا تواصل و تعاون في أمور اللغة و الترجمة من الكُردية إلى العربية و بالعكس.
في أيامه الأخيرة وضعت مع أحد اصدقاء مئة موعدٍ و موعد للذهاب إليه، لكنها كلها كانت تبوء بالفشل بترتيبٍ من القدر أو من قبل أحد الأصدقاء المُشتركين الذي أشفق علينا معاً من مواجهة ذلك الموقف الصعب، فبقيتُ مُحتفظاً بصورة آرشف النابض بالحياة، لكنني كسبتُ أيضاً الكثير من الألم و الشعور بالخسارة.
أعتقد بخلاف العزيز قادو شيرين أن الموت واحد و الحياة واحدة، و أن آرشف أوسكان باقٍ معنا لم يمُت، لكن الأموات الحقيقيون هم هؤلاء الذين يظنون أنفسهم على قيد الحياة و لا يفعلون شيئاً يبرهن على ذلك.
الخلود لآرشف أوسكان، و تحيةً كبيرة للوفي قادو شيرين.
* الصور مأخوذة من صفحة الصديق حسين قاسم من مراسيم العزاء التي أُقيمت في مدينة بريمن، و قد إنتقيت منها تلك التي تجمعني مع آخرين.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فواز عبدي

هاتفني صباح هذا اليوم ليخبرني أن كلبه قد هرب. وحين سألته عن السبب، قال:

إنك تعلم كم كنا نعتني به، وندللـه.. لقد صار كأحد أفراد عائلتنا ولا نستطيع مفارقته.. إننا..

قاطعته:

لا أعلم إن كان لديك كلب. وعلى حد علمي فإنك كنت تكره الكلاب..

قال: صحيح. ولكن بعد عودتي من الخليج، وبعد أن أتممت هذا البناء، طلب الأولاد…

صبحي دقوري

تتقدّم البشرية اليوم نحو منعطف لا يشبه ما سبقه إلا في الظاهر. فمنذ الثورة الصناعية الأولى، والإنسان يخاف من الآلة، ويظن في كل مرة أنها جاءت لتسلبه عمله ويده ولقمة عيشه. غير أن ما يحدث اليوم مع الذكاء الاصطناعي أعمق من مجرّد دخول آلة جديدة إلى المصنع أو المكتب. نحن لا نواجه آلة تحمل…

ماهين شيخاني

ليس خلافاً أن تُدعى قامشلو، أو قامشلي، أو قامشلية، أو حتى زالين.

فالمدينة، كالجوهرة، تتراقص على ألسنة أبنائها بأشكال مختلفة، وكل لفظةٍ منها تحمل عبقاً خاصاً، ونغمةً تليق بمن ينطقها. وكما أن اسم “حسن” يتحول بين الناس إلى “حسنو” و”حسني” و”حسو”، دون أن يفقد جوهره، فكذلك مدينتنا تبقى هي هي، مهما تنوعت حروفها على الشفاه.

المشكلة…

صدر حديثاً عن منشورات رامينا في لندن كتاب «حياة مليئة بالأحلام» للكاتب هِنير سليم، بترجمة عربية أنجزها سعيد حكيم. وفي هذا العمل الروائي يواصل هِنير سليم استكشاف أسئلة المنفى والهوية والذاكرة واللغة، عبر سرد تتعانق فيه السخرية السوداء مع التأمل الإنساني العميق، وتتقاطع فيه التجربة الفردية مع قضايا الانتماء والاقتلاع والبحث الدائم عن المعنى.

تبدأ الرواية…