القامشلي ومزاد بحري الدلال, والتوت الأحمر, وأشياء لا يمكن أن تقال

 كاسي يوسف
 
 العام الذي بدأنا فيه ننشغل بالرحيل , كان الغبار فيه يقض مضاجع الأنفاس , بمزيد من الأتربة الحمراء ,على هيئة أمواج صحراوية غير عاقلة.
العام الذي عقد العزم على نقلنا عبر مفازات المجهول , كان عاما منافيا لقيم الزمان وعادات الأبعاد, يتربص بنا,هل سنكون في مستوى الابتلاء أم دونه.

عام النفائر (جمع نفير) المتعاقبة, وعام التخيل الكاذب والتصور المريض, عام الظنون المنساقة وراء السراب.
عام بطيء في تجاوبه مع مضغ ما تطبخه القدرية.
عام القتل الشديد والدم الغزير, منشغل عامي هذا بضوضاء الشوارع , وبكذبة الأول من نيسان , تلك الكذبة التي أقصمت ظهر الكانتون؟
والقامشلوكيون منشغلون بترديد أناشيدهم المبهمة, التي لا يفهمها أحد سوى أبناء عمومتهم من الجن!!! فلغة بكائهم لا رديف لها بين أكوام الأتربة الفضائية, أو مغناطيس الشوق للتوت الأحمر في جرنك, ولا في سحر قصص ألف ليلة وليلة.
قامشلو والوعد فينا مزروع كالتوت الأحمر, وبقايا الذكريات الحمراء, الأزقة التي حاورتنا في أيام الانتفاضة الاولى , وأقسمت جهد أيمانها وغلظها , أنها ستحمي ارثنا ان غبنا أو متنا أو نقر الطير على رؤوسنا , آن الأوان كي نحلق عاليا في سماء الريف المحيط بزفراتنا , أزفت الساعة, وانشق الجبل العريض المنكبين, هي الريح التي تحمل بين زفراتها الكمائن الشبيهة بالقشعريرات, سنابل القمح اليافعة تدغدغ خاصرة الأمنيات, وتفوح من جنبات الوادي روائح العندكو , بلى انها الضراوة التي أجبرتنا على الهرولة نحو المجهول الأرجواني, الألوان تشمخ على قمة التلال , ذاك البؤبؤ المائل نحو الشمال, انها طلقات في صوان اذنك أيها المالك المتدبر, ويستهتر الأبناء بعويل آبائهم, انهم لا يعرفون كم هي قاسية زمجرات الآباء في خلوات الظنون, آه وأعرف أنها من الكبائر الني لا مفر من عواقبها, آه والزمن لا يتقهقر, وأظافر الأمنيات تحفر عميقا في التلة المكونة من الفضلات النتنة.
تُرتكبُ الكبائر على مقربة من القيامة, والستائر الخضراء تُسدل على الفواحش, لطمأنة الغريزة الجريحة, والناس سكارى من هول المصيبة, والطرق تتوارى مختبأة من عيون العابرين, هي الساعة قد أزفت, وجمهرة من رؤساء أحزابنا تلوح بين القطيع الهارب من أول فرقعة في المحيط, لكم تمنيت أن أبقى مكتوما الى الأبد وألا أشاهد هذا الغبار الذي يلون عيون القادة الهاربين. ريح الشمال (بايى كُر) أو ما كنا نبحث عنه في الصيف بين أكوام القش من صغار العصافير ذوات المناقير الصفراء, والأحجية (نفشت) التي كان الملا يخبؤها تحت التراب , لربما كي تتخمر الطلاسم التي كتبت بها تلك الأحجية, أو لربما لغايات أخرى لم نعرفها, الهواء الساخن يضرب التراب فتفوح رائحة الكي منه, الحشائش التي تكون صالحة للاستهلاك البشري (بفرمانات عرفية) كالقيفار والستري زرك, والطولك, وال بنيروك, وال قنيبر, انما هي الأخرى تحثني على الرعي والبحث عن الخضرة على غرار البهائم, التي ما كانت الا جزءا منا في كل تاريخنا القامشلي, الحاجة الدائمة لكل مستلزمات العيش الأساسية تخيم على أحاديثنا أيها السادة العبيد, وللجوع جبروته وتأثيراته الجانبية الهدامة كما للخوف.
القامشلوكيون أولئك المسافرون دائما إلى آلامهم, يثيرون تساؤلات مراسلي العلي القدير حول الكمية المتكيفة مع الفراغ الناتج عن سوء التقدير من قبل القيمين على أنفاسهم.

الغرباء يحومون حول مقر مزاد بحري الدلال , وعيونهم تبحث عن شيئ ما ثمين , وسيباع بأبخس الأثمان , تواطؤا, خيانة, والمشكلة في البائع الذي يتضور جوعا على لقمة من لحم أخ ظل مطاردا في سبيل الحرية. والقادة مطمئنون على مصيركم يا أفراد سربي ممن أضعنا دربنا!!!.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ممدوح عبد الستار (روائي وقاص)

تتمحور الفكرة الرئيسية لرواية “تذكرة عودة” – الصادرة حديثاً- للروائي “جوان سلو” حول استكشاف أثر الحرب والصراع على الهوية والذاكرة والإنسان، من خلال التركيز على مدينة كوباني (عين العرب) الكردية في شمال سوريا، والتي عانت ويلات الحرب ضد تنظيم “داعش”. الرواية رحلة في نفوس شخصياتها، وكيف أثرت الحرب على حياتهم، وعلى…

خالد بهلوي

تبرز أهمية مهرجانات الشعر بوصفها فضاءات ثقافية تجمع الشعراء والمثقفين والجمهور، وتمنح الشعر الكردي فرصةً للاستمرار والتطور والانتشار. خاصةً أن الشعر يُعدّ من أكثر الوسائل تأثيرًا في نقل اللغة بين الأجيال. فعندما يجتمع الشعراء لإلقاء قصائدهم سواء كانت باللغة الام ام باللغة العربية، فإنهم يساهمون في إحياء المفردات والتعابير الكردية وإبراز جمال اللغة وقدرتها على…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من السهل أن يسأل الكاتبُ: إلى أين أنتمي؟. السؤالُ في الظاهر بسيطٌ، لكنَّه حين يخرج من فم كاتب أفريقي عاشَ الاستعمارَ، وورث لغته، وغادرَ بلدَه، ثم وجد نفسه يكتب من فضاء آخَر، يتحوَّل إلى سؤال ثقيل، يكاد يكون سؤالًا عن الحق في أن يكون الإنسانُ نَفْسَه.

الكاتبُ…

جوان سلو

“أخطط لمواصلة الاستفادة من استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة رواياتي، مع السماح لإبداعي بالتعبير عن نفسه على أكمل وجه”
(سي إن إن بالعربية 20 يناير 2024).
هذا ما قالته الكاتبة “ري كودان” الفائزة بجائزة الرواية اليابانية لعام 2024، والبالغة من العمر 33 عاماً، حيث أنها اعترفت بأنها حصلت على مساعدة من مصدر “غير مألوف” أي…