قراءة نقدية في رواية سليم بركات «ماذا عن السيدة اليهودية راحيل؟»

صبحي دقوري

تقوم الرواية على سؤال يبدو في ظاهره بسيطًا، لكنه في العمق سؤال

عن مدينة كاملة، وعن ذاكرة كاملة، وعن جماعات عاشت معًا ثم فرّقتها الدولة والخوف والحرب

الرواية صدرت سنة 2019 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، في نحو 566 صفحة، وتعود إلى القامشلي بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967، حيث تختلط حكاية حب مراهق بين كيهات الكردي ولينا اليهودية بمناخ سياسي مشحون بالريبة والمخابرات وتهريب اليهود من المدينة. 

ليست راحيل في الرواية شخصية ثانوية، على الرغم من أن كيهات ولينا يبدوان في مركز الحركة العاطفية. إنّ راحيل هي العنوان، أي المفتاح. هي المرأة التي يقف عندها النص كما يقف المرء أمام باب مغلق: من تكون؟ ماذا جرى لها؟ ولماذا يسأل عنها السارد بعد كل هذه السنوات؟ هي أرملة يهودية، صاحبة حانوت لبيع اللحم في الحي اليهودي بالقامشلي، وأمّ لينا التي تسكن معها، وابنة أخرى غائبة أحبت شابًا مسيحيًا وهربت معه، وبذلك تصبح راحيل ملتقى الجسد اليومي، والدين، والحانوت، والأمومة، والفقد، والرحيل. 

العنوان نفسه ينطوي على خدعة فنية بارعة

 راحيل اسم امرأة، لكنه قريب صوتيًا من الرحيل

. وكأن سليم بركات لا يسأل: ماذا عن هذه المرأة فقط؟ بل يسأل: ماذا عن الذين رحلوا؟ ماذا عن اليهود الذين اختفوا من القامشلي؟ ماذا عن الكرد الذين ظلوا في وطن لا يعترف بهم اعترافًا كاملًا؟ ماذا عن الأرمن والسريان والبدو، وعن أولئك الذين كانت المدينة تجمعهم قبل أن تتحول إلى خريطة خوف؟

في هذه الرواية لا تبدو القامشلي مدينة جغرافية فحسب، بل ذاكرة متعددة الطوائف والأعراق. فيها الكردي واليهودي والأرمني والعربي والبدوي، وفيها الحانوت والمدرسة والحلاق والجزار ورجل المخابرات والراباي القادم كل أسبوعين. هذه المدينة ليست حيّزًا محايدًا، بل مسرحًا تتصارع فيه ثلاث قوى: براءة المراهقة، قسوة الدولة، وخوف الجماعات الصغيرة من المصير الغامض. وقد لاحظت قراءات نقدية أن بركات يجعل من القامشلي نموذجًا لهوية سورية مهمّشة ومجتزأة، عجزت الدولة البعثية عن تحويلها إلى هوية وطنية جامعة. 

أما كيهات أوسي فهو عين الرواية الطفولية ـ المراهقة. يرى العالم بعين عاشق صغير، لكنه يكتشف بسرعة أن الحب ليس شأنًا بريئًا في بلد تصنع فيه السياسة حتى معنى النظر. حبّه للينا لا يبقى حبًا بين فتى وفتاة، بل يتحول إلى عبور خطير بين لغتين وديانتين وجماعتين ومصيرين. لينا تعلّمه معنى العبرية، وهو يواجه عجزه عن امتلاك الكردية كتابةً وقراءةً في المدرسة. هنا تصبح اللغة نفسها جرحًا: اليهودية ممنوعة بالخوف، والكردية ممنوعة بالإلغاء، والعربية لغة الدولة والمدرسة والسلطة. في واحد من مقاطع الرواية المنشورة، يقول كيهات إنهم لا يكتبون ولا يقرأون بالكردية، في مقابل حديث لينا عن العبرية، فتتحول المحاورة بينهما إلى مأساة لغوية صغيرة تكشف مأساة شعبين. 

قوة الرواية أن الحب فيها لا يُقدَّم بوصفه خلاصًا رومانسيًا، بل بوصفه اختبارًا للحدود. كيهات يحب لينا، ومن خلالها يحب الحي اليهودي، ويحب تفاصيله، وروائحه، وحوانيته، وطقوسه، كما يحب المراهق أول مدينة يفتحها القلب. لكن الحب هنا لا يستطيع أن ينتصر على التاريخ؛ لأن التاريخ أثقل من قلب فتى في الرابعة عشرة. وحين يقترب كيهات من لينا، يقترب في الحقيقة من جرح كبير: جرح اليهود الذين يتهيأون للرحيل، وجرح الكرد الذين لا يملكون حتى حق الطمأنينة إلى هويتهم.

شخصية راحيل نيسان تكتسب قيمتها من كونها امرأة واقفة على حافة الاختفاء. هي لا ترفع الشعارات، ولا تؤسس خطابًا سياسيًا، لكنها تمثّل كل ما تخشاه الدولة البوليسية: الذاكرة الخاصة، الجيرة القديمة، الحميمية العابرة للطوائف، والحق في أن يكون الإنسان نفسه من دون أن يبرر وجوده. ولهذا فإن سؤال الرواية عنها ليس سؤالًا عاطفيًا فقط، بل سؤال أخلاقي: ماذا فعلنا بالمرأة التي كانت جارتنا؟ ماذا فعلنا بالحانوت؟ ماذا فعلنا باللغة؟ ماذا فعلنا بالمدينة؟

من جهة البناء، تبدو الرواية أقرب إلى بانوراما اجتماعية منها إلى حبكة خطية صارمة. الشخصيات التي ذكرتها — هدلا، أوسي، موسى، بوغوس، نعيم، سمير إسحق، بنيامين، عطية الحنوش، حميد الزنابيري، إلي بن النحاس، حسن شكيب، وغيرهم — ليست كلها شخصيات مركزية بالمعنى التقليدي، لكنها تعمل مثل شظايا مرآة. كل شخصية تعكس زاوية من القامشلي: المدرسة، السوق، الحي اليهودي، بيت العائلة، القلق الأمني، الحكايات الجانبية، وممرات الهجرة السرية.

غير أن هذا الاتساع هو أيضًا موضع الضعف في الرواية. فسليم بركات، كعادته، لا يكتب رواية سهلة. لغته كثيفة، متداخلة، غنية إلى حدّ الإرهاق أحيانًا. الجملة عنده لا تسير، بل تتلوى وتلتف وتستدعي المعجم والأسطورة والغرابة. وهذا يمنح النص فخامة شعرية نادرة، لكنه قد يحجب أحيانًا حرارة الشخصيات خلف ستار لغوي كثيف. فالقارئ لا يدخل الرواية كما يدخل شارعًا مضاءً، بل كما يدخل متاهة؛ ومن لا يصبر على المعجم البركاتي سيشعر أن الحكاية تختفي خلف فتنة العبارة.

ومع ذلك، فإن هذا البذخ اللغوي ليس زينة خارجية فقط. إنه جزء من رؤية سليم بركات للعالم: العالم عنده غير بسيط، والهوية غير بسيطة، والمدينة غير بسيطة، والطفولة نفسها ليست بريئة تمامًا. لذلك تأتي اللغة مشحونة، ملتوية، كأنها ترفض أن تسلّم الواقع إلى النثر العادي. القامشلي في هذه الرواية لا تُروى بل تُستخرج من طبقات الذاكرة كما تُستخرج قطعة أثرية من تراب شديد القسوة.

يمكن القول إن الرواية تحاكم ثلاث سلطات: سلطة الدولة، وسلطة الخوف، وسلطة النسيان. الدولة تظهر من خلال المخابرات والشعارات والاشتباه بالآخر. والخوف يظهر في البيوت واللغات والعلاقات. أما النسيان فهو العدو الأكبر، لأن اختفاء اليهود من القامشلي ليس مجرد واقعة تاريخية، بل محوٌ لذاكرة الجيرة. ولهذا فإن راحيل تصبح شاهدة على زمن كان فيه التعايش ممكنًا، قبل أن تصير الهويات تهمًا واللغات أدلة اتهام.

في النهاية، لا تسأل الرواية عن راحيل كي تعرف مصير امرأة واحدة، بل كي تفتح ملف مدينة كاملة. راحيل هي اليهودية، لكنها أيضًا الكردي المحروم، والأرمني القلق، والطفل الذي يخاف لغته، والعاشق الذي لا يستطيع أن يعلن حبه. إنها الاسم الذي يختصر كل الذين سقطوا من سجل الدولة وبقوا في سجل الذاكرة. لذلك فإن أجمل ما في العنوان أنه لا يقدم جوابًا، بل يترك السؤال معلقًا: ماذا عن السيدة اليهودية راحيل؟ أي: ماذا عن كل الذين مرّوا في حياتنا، ثم خرجوا من التاريخ الرسمي وبقوا في وجدان المدينة؟

:

راحيل بوصفها ذاكرةً لا شخصيةً فقط

إنّ راحيل ليست امرأة يهودية في حيّ يهودي فحسب؛ إنها ذاكرة موضوعة على حافة المحو. وبركات لا يجعلها بطلة بالمعنى التقليدي، بل يجعلها مركزًا غائبًا، أو بؤرةً تدور حولها العيون والظنون والرغبات والأسئلة. فهي حاضرة بعنوان الرواية، وحاضرة في حانوت اللحم، وحاضرة عبر ابنتها لينا، وحاضرة بوصفها امرأة تعرف أن الجماعة التي تنتمي إليها لم تعد آمنة في المدينة.

وهنا يبرز ذكاء العنوان:
ماذا عن السيدة اليهودية راحيل؟

السؤال لا يقول: من هي راحيل؟
ولا يقول: أين ذهبت راحيل؟
بل يقول: ماذا عنها؟

أي إنّ الرواية تبدأ من إحساس بأن هناك دينًا أخلاقيًا تجاه هذه المرأة. كأن السارد يقول: لقد تكلمنا عن الحرب، والدولة، والهزيمة، والكرد، واليهود، والقامشلي، والمراهقة، والتهريب، والخوف؛ ولكن ماذا عن راحيل نفسها؟ ماذا عن المرأة التي ابتلعها التاريخ الكبير ولم يمنحها إلا هامشًا صغيرًا في ذاكرة الآخرين؟

القامشلي: مدينة الهويات المتجاورة قبل أن تصبح مدينة الخوف

في هذه الرواية، القامشلي ليست مكانًا محايدًا. إنها مدينة تتكوّن من طبقات: كرد، يهود، أرمن، سريان، عرب، بدو، موظفون، تجار، حلاقون، جزارون، طلاب، رجال دين، ورجال أمن. ولكن هذه التعددية ليست احتفالًا بسيطًا بالتنوع، بل هي تعددية مهددة. المدينة تبدو في ظاهرها مشتركة، لكنها من الداخل تعيش تحت عين السلطة.

قبل الخوف، كانت الجيرة تصنع نوعًا من الحياة المشتركة:
حانوت راحيل، حانوت حميد الزنابيري، الحلاق حسن شكيب، الجزار إلي بن النحاس، المدرسة، الأزقة، السوق، السبت اليهودي، الكلام الكردي في البيوت، العربية في المدرسة، والعبرية في الطقس الديني.

لكن بعد حرب 1967، يتبدل الهواء. لا تعود اليهودية ديانة فقط، بل تتحول في نظر السلطة والناس الخائفين إلى شبهة. ولا تعود الكردية لغة أهلية فقط، بل تصبح علامة على هوية غير معترف بها. هكذا يضع بركات القارئ أمام مدينة لم تسقط بالقصف، بل سقطت بالريبة.

كيهات: الفتى الذي يتعلم السياسة من الحب

كيهات لا يدخل السياسة من باب الحزب أو الشعار أو الخطاب، بل يدخلها من باب الحب. وهذا من أجمل ما في الرواية. إنه فتى مراهق يحب لينا، لكن حبه لها يعرّفه إلى ما لم يكن يعرفه: معنى أن تكون يهوديًا في لحظة عربية مأزومة، ومعنى أن تكون كرديًا في دولة لا تراك كما ترى نفسك.

لينا ليست مجرد فتاة يحبها كيهات؛ إنها نافذته إلى عالم آخر. ومن خلالها يكتشف أن الحب نفسه قد يصبح مسألة سياسية. فالعلاقة بين فتى كردي وفتاة يهودية في القامشلي بعد 1967 ليست قصة غرام بريئة، بل عبور فوق خطوط حمراء: الدين، القومية، الأمن، العائلة، الذاكرة، والخوف.

ولذلك تبدو مراهقة كيهات موجعة. إنه لا يفقد براءة الحب فحسب، بل يفقد براءة المدينة أيضًا. يكتشف أن الأزقة التي كان يراها أماكن لعب ولقاء، هي في الحقيقة ممرات مراقبة، وأن الحوانيت الصغيرة قد تخبئ أسرار تهريب، وأن الجيران قد يرحلون فجأة، وأن الفتاة التي أحبها قد تصبح جزءًا من اختفاء أكبر.

لينا: الحبيبة بوصفها بابًا إلى المستحيل

لينا في الرواية ليست مجرد ابنة راحيل. إنها صورة الممنوع الرقيق. فتاة يهودية، مراهقة، قريبة وبعيدة في الوقت نفسه. قريبة لأنها بنت الحي، وبعيدة لأنها تنتمي إلى جماعة بدأت تتهيأ للخروج من المدينة.

حب كيهات للينا محكوم منذ البداية بنوع من الاستحالة. لا لأنهما لا يريدان الحب، بل لأن العالم المحيط بهما لا يسمح لهذا الحب أن يظل بسيطًا. فالحب في الرواية لا ينهزم بسبب نقص العاطفة، بل بسبب فائض التاريخ. هناك تاريخ أكبر من القلب، وسياسة أثقل من الهمس، وخوف أوسع من رغبة فتى وفتاة.

لينا بهذا المعنى هي الحبيبة الراحلة قبل أن ترحل. وجودها نفسه مشحون بالغياب. حين تظهر، نشعر أن اختفاءها ممكن. وحين يحبها كيهات، نشعر أنه لا يحب شخصًا فقط، بل يحب مدينة تتفكك أمام عينيه.

اليهود في الرواية: لا ضحايا مجردون ولا رموز جامدة

من المهم أن نلاحظ أن سليم بركات لا يقدم اليهود بوصفهم فكرة سياسية جاهزة، ولا بوصفهم كتلة واحدة. إنهم جيران، أصحاب حوانيت، أمهات، بنات، رجال دين، أصدقاء، زملاء مدرسة. هذا التفصيل اليومي هو ما يمنح الرواية قوتها الأخلاقية.

راحيل ليست «القضية اليهودية» في معناها السياسي المباشر، بل امرأة.
لينا ليست «ابنة الأقلية»، بل فتاة تحب وتخاف.
سمير إسحق ليس علامة دينية، بل زميل مدرسة.
بنيامين ليس عنوانًا تاريخيًا، بل صديق عائلة.

بهذه الطريقة يستعيد بركات إنسانية الجماعة قبل أن تبتلعها التصنيفات. إنه يرفض أن تكون الهوية قفصًا نهائيًا. لكنه في الوقت نفسه لا ينكر أن الهوية قد تتحول، في لحظة تاريخية معينة، إلى قدر ثقيل.

الكرد واليهود: قرابة المحو لا قرابة الهوية

الرواية لا تقول إن الكرد واليهود شيء واحد، ولا تقع في تبسيط المقارنات السهلة. لكنها تلمّح إلى نوع من القرابة العميقة بين جماعتين عرفتا معنى الهامش، ومعنى الشبهة، ومعنى أن تكون اللغة بيتًا غير معترف به.

الكرد في الرواية باقون في المكان، لكن بقاءهم ليس انتصارًا كاملًا. واليهود يرحلون، لكن رحيلهم ليس حرية كاملة. كلاهما عالق بين الجغرافيا والسياسة. اليهود يخرجون من المدينة لأنهم لم يعودوا آمنين فيها، والكرد يبقون فيها لكنهم محرومون من اعتراف كامل بلغتهم ووجودهم.

هنا تظهر مأساة بركات الكبرى:
ليس المنفى دائمًا خروجًا من المكان.
أحيانًا يكون المنفى أن تبقى في مكانك، لكن كغريب.

اللغة البركاتية: فتنة وعبء

لا يمكن قراءة هذه الرواية من دون التوقف عند لغة سليم بركات. فهو لا يكتب جملة عادية. لغته ذات طابع نحتي، كثيف، متشابك، كثير الالتفاف. إنها لغة لا تكتفي بأن تقول، بل تريد أن تخترع العالم من جديد.

وهذا يمنح الرواية جمالًا استثنائيًا، لكنه يجعل القراءة شاقة أحيانًا. فبركات لا يسلّم الحكاية للقارئ بسهولة. لا يضعها في طريق مستقيم، بل يفتح أمامه ممرات متداخلة من الذاكرة والوصف والاستطراد والتسمية. كل اسم عنده له رنين، وكل شخصية تحمل خلفها ظلّ حكاية، وكل حانوت يبدو كأنه جزء من أسطورة صغيرة.

وقد يكون هذا هو مأخذ بعض القراء عليه: أن اللغة تكاد أحيانًا تتقدم على الشخصيات. كأن الشخصيات لا تتنفس إلا من خلال بلاغة الكاتب. لكن هذا الضعف نفسه هو جزء من فرادة بركات. فهو لا يريد رواية شفافة؛ يريد رواية تشبه الذاكرة حين تكون مثقلة، مشوشة، لامعة، موجعة.

الشخصيات الثانوية: الحيّ بوصفه مسرحًا كاملًا

الأسماء التي ذكرتها ليست تفصيلًا زائدًا، بل هي جزء من هندسة الرواية. فالرواية لا تقوم على بطل واحد، بل على نسيج اجتماعي. كل شخصية تضيف خيطًا إلى صورة القامشلي:

هدلا سليمان تمثل البيت الكردي، الأمومة، الخوف العائلي.
أوسي يمثل الأب، العمل، الهشاشة المدنية، وربما قلق الكردي أمام الدولة.
موسى يمثل الطفولة الثانية، والبراءة التي لا تفهم تمامًا ما يجري.
بوغوس جانيك يفتح الباب على الحضور الأرمني.
سمير إسحق يعيد اليهود إلى المدرسة لا إلى الحي فقط.
إلي بن النحاس يربط راحيل بمهنة اللحم والجيرة التجارية.
حسن شكيب، الحلاق، يمثل عين الحي ولسانه، فالحلاق في المدن الصغيرة ليس صاحب مهنة فقط، بل أرشيف شفوي.
حميد الزنابيري بحانوته وأكياسه الفارغة يفتح على اقتصاد السوق الشعبي.
عطية الحنوش يدخل الرواية في منطقة الاشتباه والتهريب والسر.
الراباي يربط اليهودية بطقسها، لا بوجودها الاجتماعي فقط.

هكذا تتحول الرواية إلى سجلّ حيّ لمدينة. ليست الشخصيات كلها متساوية في العمق، لكنها متساوية في الوظيفة: كل واحدة منها تشهد على أن القامشلي كانت أكثر تعقيدًا من أي شعار سياسي.

الدولة بوصفها ظلًا ثقيلًا

من أقوى ما في الرواية أن السلطة لا تحتاج دائمًا إلى الظهور المباشر. يكفي أن يكون ظلها حاضرًا. الخوف من المخابرات، الشبهة، الكلام المحسوب، الحذر، تهريب اليهود، مراقبة الحي، كل ذلك يجعل الدولة حاضرة حتى حين لا نرى رجل الأمن أمامنا.

بركات هنا لا يكتب رواية سياسية مباشرة، لكنه يكتب أثر السياسة في الجلد واللغة والحب والجيرة. وهذا أعمق من الخطاب السياسي المباشر. السياسة في الرواية ليست بيانًا، بل هواء مسموم يتنفسه الجميع.

ولهذا تبدو الشخصيات كأنها تعيش في فضاء مكشوف. لا أحد آمن تمامًا. اليهودي خائف لأنه يهودي. الكردي خائف لأنه كردي. الجار خائف لأنه يعرف أكثر مما ينبغي. الحبيب خائف لأنه يحب خارج المسموح. والمدينة كلها خائفة لأنها فقدت حقها في أن تكون بريئة.

البنية العميقة للرواية: سؤال لا جواب

الرواية لا تسير نحو حلّ حاسم. وهذا مناسب جدًا لطبيعتها. فالسؤال الذي يحمله العنوان لا ينتظر جوابًا نهائيًا. ماذا عن السيدة اليهودية راحيل؟ سؤال يبقى مفتوحًا، لأن مصائر المدن والجماعات لا تُغلق بجملة أخيرة.

راحيل قد تكون امرأة رحلت.
وقد تكون ذاكرة بقيت.
وقد تكون حانوتًا أغلق بابه.
وقد تكون ابنة اسمها لينا صارت بعيدة.
وقد تكون سؤالًا في ضمير كيهات.
وقد تكون القامشلي نفسها حين كانت مدينة متعددة قبل أن ينهشها الخوف.

إن قوة الرواية تكمن في هذا التعليق. فبركات لا يمنح القارئ طمأنينة الخاتمة، بل يتركه أمام أثر الغياب. وما يبقى بعد القراءة ليس الحكاية وحدها، بل ذلك الإحساس الثقيل بأن هناك بشرًا كثيرين خرجوا من الرواية كما خرجوا من المدينة: بلا وداع كامل.

خلاصة القول

يمكن القول إن «ماذا عن السيدة اليهودية راحيل؟» رواية عن الحب، لكنها ليست رواية حب. رواية عن اليهود، لكنها ليست رواية عن اليهود وحدهم. رواية عن الكرد، لكنها لا تغلق نفسها في الهوية الكردية. إنها رواية عن المدينة حين تصبح ذاكرة مكسورة، وعن الجماعات الصغيرة حين تسحقها الآلة الكبرى للتاريخ والسياسة.

أجمل ما فيها:
أنها تعيد الإنسان إلى ما قبل التصنيف.
وأصعب ما فيها:
أن لغتها لا تمنح نفسها بسهولة.
وأعمق ما فيها:
أنها تجعل من امرأة اسمها راحيل سؤالًا عن مدينة بأكملها.

راحيل، في النهاية، ليست فقط السيدة اليهودية.
إنها الاسم الذي يضعه سليم بركات على كل ما غاب من القامشلي:
الحب الأول، الجيرة القديمة، الحانوت، السبت، اللغة العبرية، الكردية الممنوعة، المدرسة، الخوف، والمدينة التي كانت قادرة على أن تضمّ الجميع قبل أن تبدأ في فقدانهم واحدًا واحدًا.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ا. د. قاسم المندلاوي

يعد قضاء عفرين مدينة كوردية عريقة تقع في شمال غرب كوردستان، وتتميز بتاريخها الثقافي والاجتماعي الغني، فضلًا عن طبيعتها الجميلة المشهورة بجبالها وبساتين الزيتون التي أصبحت رمزا للمدينة وأهلها. وقد عرفت عفرين عبر عقود طويلة بأنها واحدة من أهم المراكز الثقافية والفنية الكوردية في غرب كوردستان،…

عصمت شاهين الدوسكي

” المَشَاعِرُ هِيَ الْوَقُودُ، وَالْعَقْلُ هُوَ الْمُوَجِّهُ الْمُرْشِدُ.”

” كُلُّ الطُّغْيَانِ يَبْدَأُ مِنْ « أَنَا »، وَيَنْتَهِي بِدَمَارِ الْجَمِيعِ.”

قَبْلَ أَنْ نَسْتَهِلَّ بِجَوْهَرِ الطُّغْيَانِ يَجِبُ أَنْ نَعْرِفَ مَا هُوَ الطُّغْيَانُ بِصُورَةٍ عَامَّةٍ، وَبِسُهُولَةٍ وَمُبَسَّطَةٍ يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَفَ الطُّغْيَانُ إِنَّهُ تَجَاوُزُ…

شهدت الأوساط الثقافية الكوردية والعربية في المهجر صدور كتاب فكري وحواري مميز يحمل عنوان «مطاردة المعنى.. من العود الأبدي إلى اللاوعي الجمعي»، للكاتب والشاعر الكوردي السوري إدريس سالم.

وصدر هذا العمل عن دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب في هولندا، ليكون رافداً جديداً للمكتبة الفلسفية والنقدية الكوردية والعربية، ومحاولة جادة لمقاربة الواقع الثقافي برؤى مغايرة وأدوات…

علي شمدين

مع صدور الترجمة العربية لكتاب «رحلات في كردستان» لمؤلفيه «السير هنري راولنسون وجون جورج تايلور»، والتي ترجمها الأستاذ «رضوان شيخو» مؤخراً من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية، ينتابنا شعور عميق بالفخر والاعتزاز مرتين، مرة لأننا نرى حزبنا الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا وهو يضم كل هذه الأقلام اللامعة التي تطوعت، رغم ظروف القهر والاستبداد،…