الشعر الكردي في القرن التاسع عشر في كردستان الجنوبية (العراق) ظهوره وتطوره

برزو محمود
berzomehmud@myway.com


الحلقة الاولى
– لمحة عن الوضع الأقتصادي والأجتماعي والسياسي لكردستان الجنوبية في بداية القرن التاسع عشر

يعتبر الشعب الكردي واحداً من اقدم شعوب الشرق الأوسط. والأمة الكردية، شأنها شأن أية أمة أو شعب، لها وطنها ولغتها وتاريخها وآدابها. لقد كانت كردستان- وطن الكرد – محطة أنظار الفاتحين والغزاة منذ القديم والدول الأستعمارية من بعدهم، نظراً لأهمية موقعها الجغرافي وغنى ثرواتها الطبيعية.

ونتيجة للسياسة الاستعمارية تم تقسيم كردستان بين الأمبراطوريتين العثمانية والصفوية للمرة الأولى في بداية القرن السادس عشر، وبين الدول الأستعمارية للمرة الثانية في أتفاقية سايكس – بيكو، هذه التجزئة فرضت على الشعب الكردي ظروفاً قاسية إذ ظل يعاني من شتى أنواع الظلم والأطهاد القومي والأجتماعي، كما تعرض تاريخه ولغته وثقافته إلى التشويه.
على الرغم من تعرض الشعب الكردي للعبودية و حرمانه من الحرية، فقد أستطاع الحفاظ على لغته وتراثه وعاداته، وإذا ألقينا نظرة سريعة على الوضع السياسي في كردستان في ظل الحكم العثماني نرى كما يشير ب . ي . إيرانوف أن (( الأكراد أستطاعوا مع مرور الزمن أن يتحرروا إلى درجة كبيرة من سلطة والأتراك، ففي بداية القرن التاسع عشر كان القسم الأساسي من كردستان يتمتع تقريباً بالأستقلال التام ¹ )) وهذا الاستقلال الاداري والحكم الذاتي كان يتمثل آنذاك في شكل الامارات الاقطاعية الكردية التي عدد (كامبانيل) أهمها في بداية القرن التاسع، وهي:
أردلان، كرمنشاه ولورستان تحت نفوذ السلطة الفارسية،
بابان، بتليس، سوران، هكارى، باديان ( بهدينان )، وبوتان ضمن السلطة العثمانية ².
أما فيما يتعلق بموضوع البحث فهو الإمارة الكوردية البابانية. ففي بداية القرن التاسع عشر شهدت كردستان تغييراً في نظامها الاجتماعي، إذ يؤكد كل من فيلجفسكي وأكوبوف والدكتور شمزيني حقيقة أن نمو وتطور انتاج السلع التجارية في كردستان أسرع في نخر النظام الأقطاعي وهيأ لأنهياره، وفي ظهور المضمون البرجوازي – الجنين الرأسمالي – داخل العلاقات الاقطاعية، وذلك بسبب انجرار الشرق بما فيه كردستان إلى فلك الاقتصاد الرأسمالي العالمي وازدياد التجارة، و مرور القوافل التجارية من كردستان التي تحتل مركزاً وسطاً في الشرق الأوسط، خاصة بعد ازدياد نفوذ الدول الاوروبية في الشرق، وظهور العمليات التجارية الكردية من بيع وشراء وتصدير وإستيراد، ونشوء المانفوكتورات لصنع الصابون والزوالي والاحذية والدباغة والأسماغ والألبسة وغيرها، ونمو الانتاج البضائعي وانتشار النقود و تجمع المال لدى تجار الكرد وأصحاب المواشي والملاكين الكبار، ومن ثم تحول الملاكين الأكراد ورؤساء العشائر – خاصة أصحاب المواشي –  إلى ملاكين وتجار في آن واحد، وانتقال بعض العشائر الرحل إلى السكنى في القرى والأرياف والإشتغال بالزراعة من اغتصاب الرؤساء للأراضي أي أنه رئيس العشيرة الكردي الرحالة رغم كونه قد ولد في المجتمع الاقطاعي إلا أنه يمثل طبقة جديدة غير طبقة الاقطاع على حد تعبير فيلجيفسكي ³ .
إن الحقائق المتقدمة حول ظهور التغييرات الجارية في المجتمع الكردستاني بشكل عام أنعكست في الإمارة البابانية بشكل واضح وذلك في كردستان الجنوبية ( أي كردستان العراق حالياً ). ففي بداية القرن التاسع عشر أصبحت مدينة السليمانية عاصمة الامارة الكوردية البابانية بسبب موقعها التجاري الهام حيث كانت خطوط تبادلاتها التجارية كثيرة وحيوية سواء مع الداخل أو مع الخارج، فأصبحت مدينة السليمانية مركزاً إدارياً للمنطقة بنيت فيها المؤسسات الاجتماعية والادارية والحمامات والمشافي والمساجد. إن هذه الحركة التجارية المزدهرة جعلت من المدينة مركز استقطاب سكاني هائل ينزحون إليها من القرى المجاورة والبعيدة، كما أدت إلى تطور الصناعات اليدوية المرتبطة بمواد البناء والاسلحة والتجهيزات العسكرية بالاضافة إلى مصانع أخرى. وهذه الظروف الاقتصادية الجديدة أدت بدورها إلى تبلور شرائح إجتماعية جديدة مثل التجار والحرفيين و العاملين في الخانات والبناء والقوافل.
أما فيما يتعلق بمصير الإمارة البابانية، فكان الأكراد في كردستان الجنوبية منذ منتصف القرن السابع عشر يخوضون معارك طاحنة مستمرة مع كل من التراك العثمانيين من جانب، و الايرانيين من جانب آخر. فتاريخ البابانيين حافل بالصراع المرير الذي كتب الطموح أغلب صفحاته وامتلأ بالكفاح الدامي ضد كل القوى المحيطة، وذلك بغية الإحتفاظ بالمملكة الصغيرة التي لم يقض عليها إلا الخلاف والصراع على الحكم بين الأشقاء والأقارب، وتخربت الامارة عندما أتم القرن التاسع عشر منتصفه، كما بدأ الاضطراب واضحا في كل معالم الحياة فيها وانتقلت للعيش تحت الاحتلال التركي.

هوامش البحث
1ـ من تاريخ الامارات في الامبراطورية العثمانية في النصف الاول من القرن التاسع عشر ـ جليلي جليل ـ ترجمة عبدو النجاري .
2ـ مجلة دراسات كردية ـ عدد 1 ـ باريس ـ المعهد الكردي .
3 ـ كردستان والحركة القومية الكردية ـ جلال الطالباني ـ دار الطليعة ـ بيروت .

——————-

[1] هذه الدراسة نشرت في العدد الخاص من مجلة ((دراسات اشتراكية)) في عام 1990 .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…