تذكَّروا جيندا : كُرد آيدِل، جيداً جداً

ابراهيم محمود
ربما هي من المصادفات الكبرى أن يتطابق الاسم مع المسمى، وفي اسم جيندا الكردية الكوبانية كان حضور المسمى، أي ” مانحة حياة ” والصوت العذب، الطروب هِبَة غيب لحضور وقد تجسَّد في كيان بشري، ليكون هبته لجموع غفيرة، لأناس  قادرين على التقاط الصوت الموهوب، وبدءاً من تاريخ ” 14-7-2017 ”  كان هذا الحدث الكردي الواعد، أعني بذلك هذه النفرتيتية الوجه، الشلالية الهيئة، والينبوعية الصوت: الكردية النسَب.
ويقيناً، ما كنت لأكتب بهذا اليسر، إلا لأن هذه التي خرجت من أنقاض كوباني، وأرسلت صوتاً يسيراً نميراً، يمثل كوباني إلى لجنة ” كرد آيدل “، لتفاجأ وقد أصبحت في مقام ” آيدل Aydil ” لكل من رأى وأصغى، من أصغى وتأكد، أن ما تحت الأنقاض ليس أنقاضاً، أن القلب المغزول بالحزن والحداد، قد ينبثق حيوات، انتفاضة روح تراهن على الحياة لا الموت، سيعلم بالسر !
جيندا الفتاة الكردية الكوبانية أفصحت بلغة رشيقة دقيقة أنيقة واثقة الطبقات الصوتية، وبحياء ملهِم أن ممتلِك الإرادة موعود مع المرغوب فيه، وهي ظهرت وكأنها طاوعت نداء روحها، وروحها عانقت ما هو مجهول، ليصبح معلوماً بجدارة: النجمة الكردية الأولى.
عاينت فيها بأذني وعيني وبصيرتي وذائقتي المتواضعة هذا النسج الحميم بين مستويات الصوت لديها: سوبرانو” حدته “، ميتزو سوبرانو: متوسطه، وآلتو: منخضه، وهي شهود عيان روحها، طاقتها في بث روح مغناة، ذلكم هو الثالوث المعزّز لحياة استثنائية.
ربما كان المرئي يحرّك مشاعر معينة في البداية، وما كان جميلاً كان يفتن ويثمِل النظر، ولكنه سرعان ما يحيل على الداخل، رسولاً دون استئذان، عابراً حدود الجسد دون رفع ستار، فالستار مرفوع أصلاً، معرّفاً بجميل من نوع آخر، أبديّ العلامة.
وفي وجه جيندا، في قيافتها، وفي صوتها، لم يكن هناك من خارق، إنما كان هناك امتزاج الشعبي باسمه أكثر من المدني الغارق في بذخ ديكور القامة : البهرجة في المكيجة، كأني بها ترجمت روح كوباني، امتدادها السهلي، نقاء الهواء المحلق في الجوار حيث يثب ماء الفرات.
ما شدني إلى جيندا، وللاسم ما يشد بمعناه أحياناً، هو رصيد الجمال، والتواضع السامي فيها، كما لو أنها خجلة من صوتها، وهي تغني، كأنها خجلة من أي حركة تقوم بها، وهي تتحرك حسب المطلوب والصائب طبعاً، كأنها خجلة من إطلاق ضحكة للجنة التحكيم الموقرة ومن في المكان المتوثب، وللموقرين من متابعيها خلف شاشة في الجهات الأربع: أهلها البعيدين عنها، سوى أن الخجل هذا، لم يكن إلا التعبير القويم لصوت سليم في الجسد السليم، تجنباً لأي نبوة أو فقدان توازن، خجل يتيح لصاحبه أن يوقع بالآخر، ولا يدري ما المخفي أبعد من المرئي، خجل هو قابلة صوت على وعد مع اسمه الفني، ولقد كان له/ لها ما كان. هنيئاً لهذه المفاجأة إذاً .
خرجت جيندا من محلية الصوت، وهي رحابته أصلاً، إلى رحابة الصوت وهي امتحانه العسير، ليكون في الانتظار من يمكنهم أن يكونوا في مستوى المسمى فيها، في مستوى نبعها الذي يواعد سواقيه العذاب، عن مجار تشع نقاء، تبلسم أرواحاً، والغناء العذب عقار روحي نادر، ومن يمكنهم أن يمتلكوا القدرة الموازية لصوتها الماوراء محلي: كلمات، وألحاناً، وأحضاناً  غير مفخخة بأكثر التعابير مخافة وحسبان سوء.
تذكروا جيندا التي خرجت بكوبانها، ولتحمل كوبانها داخلها، لتكون إكسير روحها عند اللزوم،  خميرة صوتها كلما استشعرت حنيناً واحتياجاً إلى المكان الذي أرضعها أهلية التحول فنانة نجمة ” كرد آيدل “. مرحى لك جيندا، مرحى للبطن الذي حملك جيندا، ولنطفتك جيندا، ولاسم جيندا!
وإذا كان من درس قويم، في الصوت المعطَّر بأصالة الصوت المختلف، والموعود مع مستقبل يعِدُ بالكثير، فهو أن أي امرىء يمتلك تلك الإرادة التي تأتيه وهو في أحلك الحالات/ المواقف، في بؤس وضع، لكأنما هي القوة غير المقدَّرة والقابلة لأن تستحيل واقعاً لمن يأبى الاستسلام، ولو في لحظة الشعور بالإحباط التام، سيتحق اللامحقَّق. ليس المهم في الحالة هذه أن يؤمن الإنسان بموضوع ما، إنما أن يعرف نوع إيمانه وهو خزّينه الأبدي، وإيمان جيندا الكردية الكوبانية كان هذا الطريق المتعرج، الصعب، السالك بصعوبة بين كوباني المدماة، المنكوبة إجمالاً، وإقليم كردستان، وقد أصبح سالكاً، ولا بد أن لحظة الإعلان عن أن جيندا هي ” كرد آيدل ” كانت إحدى عيني كوباني تفيض دمعاً، والبكاء فرح غير متوقع، والأخرى تشعشع طرباً، فرحاً، والفرح توأم الحزن، وبهما يكون وجها الحياة، ولا بد أن كوباني الآن في انتظار جينداها لتشهق بروح أعلى، في انتظار جينداها ” آيدلها “، وتتعلم منها هي هذه المرة، أن صوتاً واحداً قد يعلّم ويلهم، إذا أبقيَ الطريق الكردي الكوباني سالكاً.
دهوك، في 15-7/ 2017 


شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

في حوار أجراه الكاتب إبراهيم يوسف مع الشاعر محمد شيخ عثمان وردت معلومتان خاطئتان ربما لتقادم الزمن مما يستوجب تصحيحهما للأمانة التاريخية. المعلومة الأولى تتعلق بتأسيس “جائزة أوسمان صبري للصداقة بين الشعوب”، إذ قال الشاعر محمد شيخ عثمان إنها “تأسست في أورپا”، لكن الصحيح أنها تأسست عام 1998 في بيت المرحوم أوسمان صبري في دمشق…

ا. د. قاسم المندلاوي

نقدم في هذا القسم نبذة مختصرة عن فنانين عاشا في ظروف اقتصادية وامنية صعبة ابان حكم القوميين والبعثيين في العراق، والتحقا بصفوف ثوار كوردستان (البيشمركة الابطال) دفاعا عن شعبهم الكوردي ضد الظلم والاستبداد، اللذين لم يرحما حتى الطبيعة الجميلة من اشجار مثمرة وطيور وحيوانات في جبال…

شفان الأومري

 

تَنْبَثقُ هذه المجموعة القصصيَّة من قلب البيئة الشَّعبيَّة حيث تتجلَّى بساطةُ العيش لا بوصفها سذاجة، بل كحكمةٍ يوميَّة تختفي في تفاصيل الحياة الصَّغيرة.

وقد سعى الكاتب عبر جهدٍ واعٍ ومثابرة إبداعيَّة إلى أنْ يمنحَ هذه العوالم صوتاً يُخرجُها من هامش الصَّمتِ إلى فضاء القراءة والتَّلقي.

فالحكاياتُ هنا لا تُروى لمجرد التَّوثيق، بل لتعيد تشكيل هذا العالم…

شعر: فقي تيران
ترجمها شعرًا: منير خلف

أنت المحبوبةُ
لا تنسَي أنّكِ أنتِ المحبوبَهْ

لا تنسَي أنك حين جرَحْتِ القلبَ
أضعْتُ الحلَّ المعقودَ بوصلكِ
يا من دونك لا أملكُ شيئاً
أشيائي دونَكِ يا ذاتي مسلوبَهْ.

قلبي مبتهجٌ بحضورِكِ،
لكني المصفودُ بقيد غيابِكْ

عطِشٌ لزُلالكِ،
مشتاقٌ لكتابِكْ

أجنحتي من ضوءٍ
تسعى تحليقاً
كي يقطفَ نجواهُ العليا من أعتابِكْ.

قدري يا ذاتَ الحسنِ
زجاجةَ أقداحي الرّوحيّةَ،
ريحان البيتِ
رشيقةَ قدٍّ ..
ساحرة اللحظِ
رقيقةَ إحساسي الأعلى،
أتلوّى…