
ثم رفع كلتا يديه إلى السماء قائلا: اللهم لا حسدا على النعمة التي تقاطرت على هؤلاء، وأني أعلم أن (السماء لا تمطر ذهبا) ولكن على القليل تخف زوجتي من غلواء ثرثرتها فوق رأسي ، فقاطعته: وما شأن زوجتك بكل هذا ؟ فقال: على العكس الزوجة هي بيت القصيد… كلانا معلم مدرسة كنا مستورين نقبع في شقة سكنية لجمعية المعلمين ، صمدنا ثمنها من راتبنا كان ذلك في مطلع السبعينيات ، ومرت الأيام ودارت الأيام كما تقول “أم كلثوم” فعم البيت شجار وخصام ، تآكلت أجورنا مثلما تآكلت أبواب شقتنا، وتلف أثاثها ، ولا حول لنا على التجديد والتبديل والترميم ، وراحت (تخفق الأرواح فيه) فقترنا على أنفسنا وعلى عيالنا متبعين سياسة التقشف ، لا نكترث لا لعتق القميص ولا لاهتراء البنطال ، ولا لتلف الحذاء ، أو تندر أحد زملاء الكارالظرفاء بقوله: حذاؤك أشبه بحذاء (أبي القاسم الطنبوري) وبهذا الهندام نقف أمام الطلاب والتلاميذ كمربين وقدوة ، ويا لنا من قدوة وأسوة حسنة ! دخلنا خانة الفقر حتى أن “الملالي” أجازوا لنا صدقات عيدي الأضحى والفطر. المهم أن المعلمين افتقروا واستدانوا فمنهم من ترك الكار بحثا عن وسيلة أخرى للعيش المضطرب ، وجلهم اضطر لبيع شـقته لسداد الديون التي تراكمت عليه بمرور الأيام ؛ فغادرونا واستأثر بشققهم “الحرامية” وأصحاب الشأن المتخمون ، فغير النزلاء الجدد ديكور منازلهم ، وسدوا بسياراتهم الشوارع ، وألبسوا بناتهم أساور ذهب ، ومن هنا كان تذمر زوجتي على عجزي ، وقلة حيلتي بمجاراة هؤلاء في بذخهم وترفهم وبطرهم ، وفتحت علي بابا من التنكيد لا يغلق ؛ وعندما تطول لمحاسبة هؤلاء وتتم تنحية المفسدين ومحاسبتهم وسوقهم إلى أقبية العدالة نتنفس نحن الزوجين ونتبادل النظرات فتنبسط مقابض أو أسارير وجه زوجتي ، وترتسم على محياها علائم الرضا مشوبة بشيء من الأمل، وكثير من الشك ، فتمط شفتيها وتنبس هامسة: ليتها تدوم دون كوابح ، فأبادرها بالقول: لا تيئسي يا أم العيال ! بلادنا غنية بالثروات ، ولا بد للحق أن يشق طريقه في يوم من الأيام ، فلولا هؤلاء المفسدون النهابون ، ولو توزعت الثروات بشكل صحيح وعادل ، ولو ساد الحق وزهق الباطل ، ولو استمر العزم الحزم على ما لاحظناه ، وعذرا لاستخدامي (لو) غير مرة ، ولو تم ذلك في البدء بنسبة ضئيلة ، لاكتفى بعد حين كل واحد منا بقسمته ثمرة ما أعطى من جهد وعمل دون استياء أو تذمر ؛ لكن سوء التوزيع هو الذي يثير حفيظة الناس ، ويهيج زوجتي علي ؛ ألم تسمعي أيتها الحرة عما قاله “برنارد شو” لمن عابه في شعر رأسه حيث كثافة الشعر على جانبي رأسه وانتفاؤه ، وانحساره في مواضع أخرى من رأسه قال: (غزارة في الإنتاج وسوء في التوزيع)..
أجل سيدتي شكوانا للمعنيين وللمسؤولين هي من “صلعة الوطن” أي من سوء التوزيع ؛ رغم غناه بالموارد والثروات والطاقات. فلا تيئسي يا أم العيال وتفاءلي بما هو آت ، والآتي لناظره قريب…..!
أجل سيدتي شكوانا للمعنيين وللمسؤولين هي من “صلعة الوطن” أي من سوء التوزيع ؛ رغم غناه بالموارد والثروات والطاقات. فلا تيئسي يا أم العيال وتفاءلي بما هو آت ، والآتي لناظره قريب…..!