في الإفطار الجماعي وفتوى الإمام الأب..!

  إبراهيم اليوسف
فصل الصحون الطائرة:
اعتدنا منذ أن اغتربنا عن الوطن، وكنا فيه أنا وأبنائي وبناتي، من قبل، أسرة واحدة، تحت سقف واحد، قبل أن نفترق في جهات الأرض، ويجتمع أكثرنا، أخيراً، في  محطة المهجر الألماني، لتكون لنا اجتماعاتنا آخر الأسبوع، تعدُّ أم العيال منذ أن لحقت بي ما تيسر من وجبات طعام للأسرة التي توزعت على بيوت عدة، لأن جميعهم تزوج بعد هجرتنا خارج الوطن. نمضي جميعاً ساعات جميلة، في كل لقاء، ليس لأنني أستعيد دكتاتوريتي، طوال ساعات اللقاء، بل لتبادل جرعات الحنان، وحل ما استجد من إشكالات الحياة اليومية، والتخطيط للغد، لاسيما إن هجرة الأهل جاءت بعد اشتداد وطيس الحرب!
كان لرمضان موقعه الخاص ضمن هذه الاجتماعات البيتية، إذ إننا كنا نلتقي فيه على نحو يومي، حول مائدة الإفطار، إلا من كان له مسوغه وارتباطه بموعد آخر في البيت، أو بيت قريب أو صديق، ليواصل اجتماعات الإفطار في اليوم التالي.
 نلتقي الأحفاد. الأبناء والبنات، وأسرهم،  وبعض الأقرباء. تستعيد أمهم بعضاً من رائحة الماضي، يمارس الأبناء بعض نقدهم بحقي حول بعض ما يخصني:
عدم تعلم اللغة الألمانية- عدم ممارسة الرياضة-  التخلف عن بعض المواعيد لاسيما مواعيد الأطباء التي أنساها- الجلوس ساعات طويلة وراء الكمبيوتر
وأصغي إليهم، باهتمام جم، أعدهم أنني سأحاول أن أجد حلولاً لكل ذلك، بينما ساعة الزمن تسير عقاربها، وها نحن في السنة السادسة بعيداً عن وطننا، بل في السنة الثالثة عشرة منذ أول محاولة للسفر إلى الخارج، وإن كنت سأعود ذات مرة إلى الوطن في إجازة، فيمنعني زبانية النظام من السفر أشهر عدة!
مع بداية رمضان هذا العام، وجدنا أنا وأم العيال، وابنتنا هلز، وابننا الصغير أيان آخر العنقود أننا نفتقد الإفطار الجماعي
أمهم قالت:
لا أعرف أن أفطر السنة كيف أبنائي وبناتي لايأكلون معي؟
وفيما قبل، كانت مع كل لقاء أو إفطار تقول: ليت ابنتنا نوشين المتزوجة في أربيل/ هولير، بيننا!
مضى أسبوع كامل على هذا الحال. حاولت أن أكسر الحجر الصحي، وأقنع سفارات البيت:
أن تعالوا نتناول الإفطار معاً! إلا أنهم ونتيجة حرصهم علينا: أنا وأمهم ككبيرين في السن- هل نحن كبيران في السن حقاً؟- ونعاني بعض المشاكل الصحية، أقنعونا بأنهم لا يأتون لأجلنا
قلت لهم: إذاً، التقوا، أنتم، في ما بينكم….!!!؟
كان قد مضى حينها حوالي خمسين يوماً  في إذعاننا الطوعي والإلزامي للحجر الصحي
قال فائق:
أهي فتوى منك ياأبي؟ قلت نعم
وتناهى إلى مسمعي أن بعض حالات كسر الحجر الصحي تمت بين الأخوة والأخوات، ولكن على نطاق محدود، ففرحت بذلك، واعتبرته بداية فأل خير
قلت لأم العيال:
لندعهم غداً إلى وجبة طعام عامة!
بعد أن علمت بأن أكثرهم  كسر الحجر الصحي، إثر فتواي الشهيرة
فائق وأسرته جاءا  إلينا ذات ليلة، في وقت الإفطار، وتناولنا الطعام على نحو سريع، مطبقين  قاعدة التباعد الأسري
كرم وزوجته
أيهم وزوجته
آراس وزوجته كانوا حريصين علينا واعتذروا من المجيء
سنعوضها بابا…!
سنعوضها عمي…!
سنعوضها خالي…!
فكرت بمؤامرة أخرى، لاسيما بعد أن تذكرت- الصحون الطائرة- التي كانت تنتقل في قريتنا تل أفندي بين البيوت، إذ إنه يكاد كل سكان القرية الصغيرة يتناولون على مائدة واحدة، بالرغم من أن كلاً منهم لايغادر بيته، إذ تكلفنا الأمهات بإيصال صحون الطعام إلى بيوت الجيران، وكان هؤلاء يفعلون ذلك معنا..
العادة نفسها، كانت موجودة في- قامشلي- التي انتقلنا إليها في منتصف السبعينيات، وإن على نحو أضيق قليلاً، وكنا نتبعها مع بعض الجيران والأهل. نرسل لهم صحوناً من الطعام، ويفعلون كذلك معنا.
كتبت في غرفة الدردشة العائلية:
من غد، أمكم ستستعيد عادة” الصحون الطائرة”، وأضفت: الطعام الساخن في منجى من أية- فيروسات- لاسيما عندما يعد بشكل جيد…..
واختتمت رسالتي قائلاً: ألا تلاحظون أنه لا الألمان، ولا أحد في العالم منع المطاعم من إيصال الأطعمة إلى الناس؟
أعجبت الفكرة الأولاد والبنات، على عكس ماتوقعت، وأعدت لهم أمهم بعض الأطعمة- التراثية- التي يحبونها، وتجيد إعدادها، في الليلة التالية، بعد موافقة برلمان الأسرة بشكل كامل، وباتوا في كل ليلة يذكرونها:
ماما أعدي لنا كذا…!
وتبتهج أمهم بطلباتهم تلك، ونوزع الصحون على بيوتهم واحداً واحداً، وصاروا يفعلونها، وباتت طاولتنا تحمل رائحة الأبناء والبنات
جار ألماني عجوز قال لإحدى بناتي:
يعجبنا جداً تماسك أسرتكم، ولما كانت ابنتي تدرس- علم الاجتماع-  فقد قالت له:
هل تشعر بأن ذلك مهم حقاً؟
فرد: آه، لو أن بناتي وأبنائي كانوا مثلكم!
  يقول آراس:
أبي، هل من فتوى أخرى؟
يقول أيهم: فتواك كانت مهمة…..!
يقول كرم: فتواك حررتنا من بعض مخاوفنا…!
فتواك عمو. فتواك خالو كانت ضرورية…!
الآن، لانزال في منتصف شهر رمضان، أحاول البحث عن فتوى أخرى، لنستضيف أسرة أو أسرتين، من الأهل والأقرباء، في كل مرة.
 
*ملاحظة بعد يومين صدر قرار بالسماح بالزيارات بين عائلتين في ألمانيا!
قلت لهم مازحاً: لنجتمع كلنا-في الأصل- أسرة واحدة…..

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…