الوقت في زمن العولمة

د. آلان كيكاني

الوقت هو البعد الرئيسي للحياة، وهو المضمار الأساسي للتنافس بين الأمم والأقوام والأفراد، فمن استغله صعد إلى الأنجاد ومن أهمله بقي في الأوهاد. وهو الفرصة الثمينة التي منحها الله لبني البشر إن عرفوا كيف ينتهزونها أفلحوا وإن تقاعسوا عن انتهازها والاستفادة منها كانوا من الخاسرين. 
وفرت التكنولوجيا الحديثة الكثير من الجهد المضني الذي كان يقوم به الإنسان في حياته في سبيل تأمين مستلزماته الضرورية وخلصته من العديد من الأعمال العضلية الشاقة التي كانت تنهكه وتستهلك عمره إلا أنها في المقابل أتت بالكثير مما يشغل الإنسان حتى بدا له الوقت ضيقاً يكاد لا يكفيه ليقوم بكل ما هو مطلوب منه.
بالأمس ورغم المصاعب كانت حياة أجدادنا بسيطة سلسة. واليوم ورغم التسهيلات فإن حياتنا تبدو صعبة معقدة. لأن أسلافنا لم يكن لديهم الكثير مما يشغلهم: فلاحة وزراعة في الخريف ومن ثم حصاد ورعي في الربيع، وباقي أيام السنة عكوف في البيوت وسمر في الليالي، حتى أن مناسبات العزاء والافراح كانت تمتد إلى شهر كامل أو أكثر. أما نحن فإننا مبتلون بالكثير من حيث أننا نعايش ثورة حقيقية في مجال التكنولوجيا والمعلوماتية وهذه الثورة تفرض علينا استهلاك الكثير من وقتنا اليومي في الاطلاع على ما يجري من أحداث وتطورات في عالمنا هذا الذي بات بحق قرية صغيرة، ما يحدث في أقاصيه يشغل بالنا ويؤثر في حياتنا. وحتى نواكب العصر يحتاج كل منا إلى وقتٍ كثيرٍ في اليوم الواحد، والوقت ثابت لا يمكن مطه وتمديده فاليوم مكون من أربع وعشرين ساعة منذ أن وجد الإنسان على سطح الارض حتى يومنا هذا، لهذا وجب على المرء إعادة تنظيم وترتيب وقته بما يتلاءم وطبيعة أعماله ومشاغله اليومية كي يتمكن من السير مع عجلة التطور، وإلا تخلف عنها وبدا كأنه ينتمي إلى عصور سابقة. فما رأيكم بامرئ في مقتبل العمر ولا يستخدم الانترنت مثلاً، أو لا يعرف كيف يستعمل الكومبيوتر؟
شئت زيارة مريض في قرية كردية صغيرة قبل بضع سنوات، كان الصيف، والقرية جرداء لا شجرة فيها ولا بستان، عندما انتهيت من فحص المريض وخرجت من داره رأيت مجموعة من الشبان مدوا بساطاً تحت سقيفة من القش وجلسوا عليها يلعبون الورق، وفي اليوم الثاني قمت بزيارتي الثانية للمريض نفسه الذي استدعت حالته ذلك، فرأيت الشبان عينهم في المكان ذاته يلعبون اللعبة ذاتها، شدني فضول غبي، وربما تطفلٌ فظٌ، للتحدث إليهم، فجلست معهم وقلت لهم ناصحاً: لو أنكم زرعتم أمام كل بيت بضع شجرات تتفيؤون بظلها وتأكلون من ثمرها أليس ذلك بأفضل من ضياعكم لوقتكم في هذه اللعبة؟ لاحظت أحدهم يومئ خلسةً لأقرانه بإيماءة يريد منها أن هذا الطبيب ناقص العقل، وهو يظن أنني لا أراه. والحق أن الشعور بقيمة الوقت هو من شيم الأمم المتمدنة التي تدرك ما للوقت من أهمية وأن استغلاله فيما هو مفيد هو بناء للحياة وإهماله هو هدم لها، وأن العقلاء والمبدعين من الناس هم من عرفوا كيف يستغلون وقتهم ويشغلون أنفسهم فيما ينفعهم.
يحدث أن أتلقى مكالمات من أصدقاء أو أقرباء وأنا في العمل يسألونني متى أنصرف من الدوام ليزوروني، فأضطر إلى الترحاب بهم ظاهراً، أما باطناً، فقلبي يميل إلى الراحة بعد تسع ساعات من العمل الدؤوب ويهوى بعد الراحة القراءة والكتابة وتصفح الأنترنت. وترغب نفسي تأجيل اللقاء بالأصدقاء إلى أيام العطل واختصاره قدر المستطاع كسباً للوقت وطمعاً في صرفه فيما يفيدني، ولكني أجد صعوبة في البوح بذلك خشية أتهام البعض لي بالأنانية والتكبر، وما معاناتي هذه إلا جزء من المعاناة اليومية لكل إنسان يحاول أن يعايش العصر بكل تجلياته.
تنظيم الوقت ليس بالأمر السهل عند مجتمعات تتحكم فيها العادة والتقليد والقيمة البالية الموروثة عن البداوة البعيدة عن المدنية والتحضر حيث الناس يعيشون على فطرتهم ويتمسكون بفوضاهم وتحبذونها. فهو، أي تنظيم الوقت، يصطدم بالكثير من العقبات لعل أهمها هو عدم احترام الكثير من الناس للمواعيد وعدم اكتراثهم بقيمة الوقت، فترى البعض على استعداد لزيارتك من دون موعد والجلوس معك ساعات والنقاش في مواضيع تافهة لا تخلو من النميمة والاغتياب والغمز واللمز حتى ساعات متأخرة دون الإحساس بك، وبأهمية الوقت عندك.
ما من أمرئ جاد وطموح في حياته إلا ويدخل في أزمة يومية مع الوقت في العصر الراهن، فيبدأ بالتخطيط ويأتي بالتزاماته وواجباته وأعماله اليومية ليقيسها على ساعات اليوم، فهذه الساعات للعمل وهذه للنوم وهذه لتناول وجبات الطعام وهذه للقراءة وهذه لتصفح الانترنت، وهذه الدقائق للزينة وهذه لتنظيف الاسنان وهذه للاستماع إلى الاخبار، وبعد أن يتم توزيعه يرى أن هناك الكثير من الواجبات اليومية بقيت من غير نصيب من الوقت: فمتى يزور صديقاً أو يستقبله، ومتى يعزي في وفاةٍ، ومتى يمارس هوايةً، ومتى يقوم برياضة، وفي النهاية يرى أن الوقت لا يسعفه للقيام بواجباته والتزاماته التي خطط للقيام بها فيؤجل بعضها إلى اليوم الثاني ليراه قصيراً هو الآخر، فيبدأ بالترقيع، يأخذ من هنا ويضيف إلى هناك ويأخذ من هناك ويضيف إلى هنا ويؤجل هذا العمل ويلغي هذا الموعد … 
تحت هذا الضغط يضطر المرء إلى التضحية ببعض العلاقات الاجتماعية والتوجه نحو الانفرادية Individualism)) وهي الظاهرة التي تنتشر في المجتمعات المتطورة منذ عقود طويلة والتي بدأت الآن بغزو مجتمعاتنا في خضم عصر العولمة.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…

ماهين شيخاني

ماذا أفعلُ بالحياة
إذا لم تكوني موجودةً معي؟
أيُّ معنىً
يبقى للأيام
إن غابَ وجهُكِ عنها؟
بماذا أملأُ الصباح
إذا لم ينهض صوتُكِ
في نافذتي؟
وكيف أقنعُ الشمس
أن تشرق
وأنتِ لستِ هنا؟
ما جدوى الطرقات
إن لم تؤدِّ إليكِ؟
وما فائدة الوقت
إن كان لا يحملُ اسمكِ
بين دقائقه؟
أأعيشُ لأعدَّ
ساعاتٍ باردة؟
أأمشي
وفي القلبِ مقعدٌ
فارغٌ بحجمكِ؟
الحياةُ من دونكِ
ليست موتًا…
بل شيءٌ أكثرُ قسوة:
أن أتنفّس
ولا أتنفّسُكِ.
فإن لم تكوني معي،
فكلُّ هذا العالم
مجردُ غرفةٍ…

جان دوست
كاتب وروائي

تحظى دمشق الشام كحاضرة مركزية ورمز حضاري وملاذ آمن وأيضاً مكان جميل بمكانة سامية في الوجدان الكردي. وتأتي تلك الأهمية حسب اعتقادي، من أنه كانت أحد حصول صلاح الدين الأيوبي توطيد حكمه وترسيخ بنيانه فيها، فأولاها اهتماماً بالغاً وبنى فيها المدارس والمساجد، وأهتم بأمور الحجاج الذين تمر قوافلهم منها وخاصة قافلة الحج الشامي…