لقمان محمود في «يوميات السليمانية»

علي صلاح بلداوي
يقدّم الشاعر والكاتب السوري الكردي لقمان محمود (1966) في كتابه “يوميّات السليمانية..  عن شيركو بيكس” الصادر حديثًا عن دار “أبجد” العراقية قراءةً نقدية لـ”النَّص الشيروكي” كما يسميِّه، متتبِّعًا مراحل حياة الشاعر الكردي وهو يخطو على أرض خصبة بالقضايا والأزمات والقصص والحبّ، منوِّعًا في أساليبه الكتابية ومُحدِّثًا لها ومواكبًا لحركة الكتابة في العالم. ولأن حياة بيكس لم تكن راكدة ولا جامدة، ظلَّ شعره يمشي على أرض قلقة ويواكب حياته المتحرّكة باستمرار.
يُعرف بيكس بأنَّه رائد الشّعر الكردي الحداثي، وأشهر شعرائه الذين تنوَّعت إصداراتُهم بين المسرحية الشعرية مثل “كاوا الحداد” (1971) و”الغزالة” (1976) والقصيدتين؛ القصيرة مثل: “الفجر” (1978) والطويلة مثل: “مضيق الفراشات” (1997) و”سِفر الروائح” (2001) والنص السردي الشعري مثل: “الكرسي” (2007) إذ يُحاكي بيكس في كتابته التراث الكردي الشعبي والأسطوري متأثّرًا بالسياسية والتاريخ والذاكرة متنقِّلًا بين أكثر من أسلوبٍ في قالبٍ شعريٍ يضع عليه بصمته.
وزَّع لقمان محمود كتابه على أربعة فصولٍ شملت صفحات من حياة بيكس وتنقّلاته وتتبّعَ أثره الشعري الذي تجاوز 35 مجموعة شعرية على مدار ثلاثة وسبعين عامًا.
في الفصل الأول من الكتاب والذي عنونه بـ”أُفق شعري جديد” نتعرّف على بيكس الشاعر الحداثي الذي واكبَ حركة الشعر العربية والعالمية مُحدثًا ثورة في الشعر الكردي، وأصدر مع نخبة من المثقفين الكرد أوّل بيان أدبي تجديدي كردي والمعروف باسم بيان “روانكه” حيث دعوا فيه إلى حداثة شعرية وأدبية بلغة جديدة ومبدعة.
ولد بيكس في السليمانيّة، كردستان العراق عام 1940، وعاش فيها شاهدًا على الحركات الاحتجاجية ومشاركًا فيها ومتحمِّلًا تبعات فشلها، إذ طاردته السلطات عقب إخفاق الثورة الكرديّة (1974) وأبعدته لأربع سنوات إلى جنوبي العراق، حيث أصدر تلك الفترة مجموعته الشعريّة “الشفق”، وعاد بيكس إلى مدينته السليمانية في (1979)، ليسجّل بعد ذلك بمجموعته الشعرية الجديدة “ملحمة العقاب الأحمر” (1984) منعطفًا جديدًا في مسيرته الشعرية.
يقول لقمان محمود إنَّ “قصيدة بيكس عُرفت بالتزامها الوطني والإنساني، مدركةً أن الشاعر ليس ابن اللغة فحسب، بل ابن التاريخ والواقع أيضًا. إنَّ انتماء بيكس إلى شعراء الحرية والكفاح والثورة على القهر والظلم والطغيان والديكتاتوريات صنع من قصيدتهِ جزءًا غير يسير من الأدب الملتزم والمقاوم، فحملت هذه القصيدة اختلاجات الثوار في الجبال والسهول والوديان، بحيث أصبح هذا الشاعر ظاهرة شعرية وإنسانية شديدة الخصوصية”.
لم ينفصل بيكس عن المكان الذي ظلَّ يلازمه ويستحضره في قصائده، فعلاقتُه بالمكان هي علاقة وجود وذاكرة وتاريخ:
“انشطرت جرّة الزيتون إلى أربع قطعٍ في السماء
وحملتها أربع أجنحة للريح 
قطعة طارت إلى مهاباد 
وحين هبطت أصبحت مهدًا للطفل 
قطعة طارت إلى عامودا 
وحين هبطت أصبحت جسراً لحدوثه 
قطعة طارت إلى ديرسم 
وحين هبطت أصبحت مقعدًا لقصيدة 
قطعة طارت إلى كركوك 
وحين هبطت أصبحت سلّةً للأرغفة”.
إنَّ تبدُّل مواقف الشّعر بحسب المتغيّرات والحياة التي يُواجهها، غيَّرت باستمرار من أساليبه في الكتابة ونظرته نحو العالم. فالشاعر بوصفه كائنًا متأثِّرًا بالبيئة والمحيط ومستقبِلًا للصدمات بسبب احتكاكه القريب بالواقع يعكس من تجربته ورؤيته وقدرته في النص الذي يكتبه، مُسقِطًا عليه كلّ العوامل التي تُحدِّث وتغيِّر وتُطوّر، وهذا ما تناوله لقمان محمود في الفصل الثاني والثالث من الكتاب، مُشخِّصًا حالات خاصّة بالشاعر ومُشيرًا لها بدائرةٍ حمراء تخصّه وحده.
أخرج بيكس بفعل عدم استقراره في مكانٍ واحدٍ القصيدة الكردية من سياج المحلّي وأوصلها إلى العالمية بالترجمة، حيث تُرجمت قصائده إلى السويدية والإنكليزية والفرنسية والألمانية والرومانية والبولونية والإيطالية والتركية والعربية وغيرها، وجعلها مواكبة الحركة العالمية للشعر.
يكتب لقمان محمود: “بيكس هو بحق مؤرّخ الواقع الإنساني – الكردي شعريًا، لأنه بإيجاز استطاع رسم خارطة شعريَّة ممتدّة لرصد حالات إنسانية متباينة من خلال تسليط أضوائه الشعرية على الإنسان بوصفه شخصيات هامشية أو مسحوقة، فهناك مسّاح الأحذية حمدوك في قصيدته “أغنية”، والسمّاك في قصيدة “السمّاك الوحيد”، والشهيد كما في قصيدة “المرآة المسجونة” والمعلم الكردي المضطهد كما في قصيدة “أحبهم” والمخرج الكردي يلماز غوناي كما في قصيدة “الطريق”.
وبما أن الشاعر صوتٌ إنساني وأن الشِّعر شعرُ الوجود بالمطلق لا شعر قومية أو رقعة جغرافية، يقول بيكس في الفصل الرابع من الكِتاب وهو فصل الحوار الذي أجراه المؤلف معه: “أنا شاعر كردي ولكنَّني إنساني بنفس الوقت، أعتبر نفسي مسؤولًا عن كلّ شيء يجري في هذا العالم، ولكنَّني أنظر للأحداث بمنظور شاعر كردي، ولذلك حينما أرى طفلًا في الصومال أتجاوز الحدود وأعتبره طفلي وهو يموت جوعًا، أو شابًا منتفضًا في ساحة التحرير بالقاهرة، أرى هؤلاء جميعًا على طاولتي عند الكتابة، وهم متشخِّصون أمام ناظري وقلبي وفي كتاباتي، لذلك لا أستطيع أن أنأى بنفسي عن إنسانية الشّعر فهذا غير ممكن”.
لقمان محمود المولود في مدينة عامودا السورية له العديد من الإصدارات الشعرية والنقدية، آخرها الكتاب الذي بين أيدينا، إذ إنَّ عنوان الكتاب وتصنيفه يُوحي بأنَّ محتوى الكتاب عن ذكريات شخصية جمعت الكاتب بالشاعر في مدينة السليمانية حيث كان يُقيم.
في مثل هذا اليوم، الرابع من آب/ أغسطس 2013، توقّف قلب الشاعر شيركو بيكس في إحدى مستشفيات العاصمة السويدية ستوكهولم، ودُفن بحسب وصيّته في حديقة آزادي الواقعة في قلب مدينة السليمانية. وكما كتب ذات يوم، ظلَّ ذكره وإرثه الإنسانيّ والشعريّ شاخصاً:
“سوف أبقى في النَّهارات المشمسةِ الصّافية 
شاخصًا حتّى زمنٍ بعيد 
تمثالًا على شارعِ المستقبل 
أتأبّط حقيبتي 
وأوجِّه بسمتي إلى الجبل”.
*جريدة العربي الجديد
4 أغسطس 2022

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف الحسينيّ

أنا أحمدُ الأعمى أرى الجميعَ و لا أُرَى.
أُطفيءُ الأنوارَ لأقرأَ في كتابٍ صغيرٍ وأدوّنَ في هوامشِه أسماءَ مَنْ أَمسوا قبلي ، أسيرُ ليلاً وألتقطُ الحَبَّ للعصافير، وأبناءُ السبيل يهتدون بي.
أنا أحمدُ الأعمى …أسافرُ وحدي في العواصم وأدلُّ المسافرين إلى طريقِهم حينَ يضلّونه.
يا أحمد الأعمى: هكذا يناديني الصّبيةُ في أزقةِ حاراتِنا…أعرفُهم واحداً..واحداً، وكانَ بينَهم صبيٌّ اسمُه…

خورشيد عليوي

لم أصدق
أن البحر أصبح أبعد،
وأن الطريق إلى قريتك،
أطول من قدري على العودة.
أتذكر قريتك على البحر،
رائحة الملح في المساء،
والضحك الذي كان يملأ البيت.
كنا نظن،
أن القصائد تؤجل الحزن،
وأن الكأس صديق عابر،
لا باباً إلى الغياب.
الآن أفهم،
أن الشعراء يعيشون أسرع من الآخرين،
كأنهم يخشون أن تضيع القصيدة إذا أبطؤوا.
كم مرة جلسنا هناك،
حيث يضع المساء رأسه على كتف البحر.
وكنا نظن،
أن…

تقدّم مجموعة “ناشرون فلسطينيون” مراجعات نقدية لمنجز الكاتب الفلسطيني فراس حج محمد، نظرا لما يشكله هذا المنجز من خروج عن سياق المعتاد في الثقافة الفلسطينية، مما يجعله صوتا متفردا، ومنفرداً، في تناوله لموضوعات البحث أو طريقة التناول، ومن هذه المراجعات ما كتبه مؤخرا حول علاقة محمود درويش بالفتاة اليهودية ريتا التي عاشت إلى ما بعد…

شيرين خليل خطيب

أردتُ كتابةَ مقالٍ مطول عن هذا المشهد، لكنني ارتأيتُ أن يتحدث المشهد عن نفسه لما فيه من استيفاءٍ واكتفاءٍ للشرح لمعاناة حيواتٍ بأكملها… حيواتٍ لا تستطيعُ البوح وليس بإمكانها الشرحُ….

عندما قال الممثل العالمي دينزل واشنطن بعصبية وألم لزوجته فيولا ديفيس…