(خذلتكِ يا أمي)

خالد إبراهيم

وعندما تضع أمك في القبر، و تحثو عليها التراب
اعلم أنكَ دفنت آخر امرأة كانت تحبك، أكثر مِن حبها لنفسها،
اعلم أنك قد دفنت آخر امرأة كانت تعطيك دون مقابل، و تُكرمك دون مِنة، و تنتظرك دون أن تنتظر منك شيئا.
اعلم بأنك دفنت الصوت الحنون والحب البريء، وأنك قد فقدت أطهر وأقدس حبٍ موجودٍ بين البشر .
هذه الحياة اختبرت صبري بطريقة قاسية جدا!!
أمتلك خمسة صور لأمي :
في طفولتها وشبابها ..
وفي يوم زواجها وعجزها وصورة خامسة يوم موتها الأخير!
لم تلتقطها العدسة، التقطتها أنا، ومنذ ذلك الحين، وأنا أعاني من ألم المشهد الثقيل.
 
في المزيج الذي لا يشبه أي شيء، في علو الأشجار أو قصرهاـ في بعد السماء أو قربها، في صلابة الأرض أو قهرها، في عزة النفس أو هشاشتها، في كل ركنٍ يتقمصنا، لم تعد تنفع مغادرة الأشياء أو عودتها!!
أنظر إلى صوركِ الموزعة في هذه الغرفة، الغرفة الخانقة والضيقة كخاتم، أتقمص أدوار: 
المخلوع والمجنون واليتيم، وهل تختفي الصور؟
أمي التي ما زالت هنا تنبش ما تبقى من أرقٍ حول جسدي المُنهك، أمي التي ما زالت هناك تستعد لاستقبالي الأخير، أمي التي حرثت كل ألوان الربيع في جغرافيا هذا العالم، أمي التي كانت تقول لي:
احذر، وانتبه إلى نفسك، وابتعد مسافة ألف قبلة عن كفي السمراء، يا بني !!
أمي التي وكأنها تنتظر مني اتصالاً في هذا المساء
مرهقٌ يا أمي ومن حولي سكاكين من الألسن العفنة، عجيبة هذه البلاد عجيبة، لقد خذلتكِ يا أمي، أين أُخفي وجهي بعد اليوم؟
أيتها المسافرة، أنظرُ إلى صوركِ، وأحترق في الدقيقة ألف مرة، ولكن ما نفع الندم بعد رحيلك يا أمي.
أجرح الجدار بدمعة العين الحسير، أضمد العار الملتف حول الجسد، أضمده  بالناموس الهزيل، وأرش عليه ما تبقى من كرامة زائفة،  وعلى أصوات طبول الفنانين العراة أتبول على كل الذكريات، أشنق أصابعي وألصق روث الدواب على جبيني، الجبين الفاتل باتجاهات تائهة مثل رؤوس الأفاعي التي تنثر تراب الخطايا، الخطايا المتبعثرة بين القبور ومحطات المدن ومقاه تبيع القهوة المعبأة في أكواب مطلية بالشرف والكرامة!!
أنظر إلى صورنا وتنهض معها ذكرياتنا، ذكرياتنا التي ولدت في قرية ( تتو ) التي تحاذي قرية” تل أفندي” والجميلية والخويتلة، والقريبة القريبة جدا من تخوم صفيا وتل بيدر والطريق الدولي الفاصل بين الحسكة وعامودا، أنظر وأنظر وأنظر، لتنهض مع ضوء العين ألف عبرة ودعاء يشق الطريق ليصل إلى سماء تحمل اسمكِ ( جميلة) أمي.
لِمن سأتزين بعد الهزيمة، ولِمن سأقلم أظافر ضحكتي الهشّة وهي تتقاسم ربيع المنفى، لِمن سأنتصر، ولِمن سأرفرفُ بشاهدة قبري الأول والأخير، ومن سيقذف بقدمه وردة حمراء على تخوم جثتي، لِمن سأرفع سِلال العصافير الخائفة وهي تغرد بين دماء روحي تحت شجيرات اليقطين اليابسة، لِمن سأكتب في آخر دفتر حزنٍ في هذا المسخ الأعظم.
لقد رحلتِ، متِّ، ولن تعودي، هكذا يقول الرفاق:
لن أصدق  أحداً، نعم يا أمي
كل هذه الصور مزيفة، السواد مزيفة التربة المنتفخة والتي تسمى ( قبراً) هي الأخرى مزيفة، مجلس العزاء، والدمع، كانا حفلاً جديدا يُفضي لتعاستي تعاسةً جديدة يا أمي.
نعم متأكدٌ من كل شيء
صوتكِ ما زال في هاتفي المحمول، ضحكتكِ، بكاؤكِ، خوفكِ عليَّ، قلقكِ الذي ابتلع كل شيء ما بين السماء والأرض لا زال يحزٌّ آخر الأوتاد في قلبي
نعم رحلتِ باكراً وأنا كما أنا،  كما منذ أول يوم ولادتي، كتلة لحمٍ طريٍّ ومنذ أربعين عاما، أحبو كطفلٍ وها أنا رجل مكلل بالعار.
 
 
لا أصدق أحداً
هذه الأرض الواسعة جداً يا أمي واسعة جداً، كيف لا يستوعبكِ موطىء قدم؟
كيف لي العودة إلى منزلنا وأنتِ لا شيء سوى بقايا آثاركِ العالقة ما بين الحسكة وعامودا؟
كيف يمكنني مسك قبضة باب غرفتكِ كيف ولِمن سأزج الوقت بالسلام والكلام؟
يا تلكَ الأواني والملاعق والسكاكين وجرة الغاز الفارغة أين هي أمي الآن؟
لِمن أشكو همي وضعفي وقصر حيلتي بعد الأن؟
للمساء بحّة حزنٍ رهيب ليتسلق الجدران الرهبة بساقٍ مبتورةٍ وحذاءٍ بربطة عنقٍ لرجلٍ أنيق، وعلى نافذة العمر تأتي خيوط العتمة المجدولة كجرسٍ فاضح يتدلى من عنق مسمارٍ مدقوقٍ بوجهِ نعشيَّ الهزيل.
سمعت أن الموت سيأتي غدا ، وبدأتُ في حز عنق نهاية الأسبوع، على صفيح من التنك الساخن، وفي مقلاة تُعري الساعات والأيام والأشهر والسنين ، وتُشنق الجهات بعامود الإنارة في هذا الشارع الطويل. ليبق أصدقائي:
أصدقاء التيه والأرصفة والحانات والمقاعد الخشبية في المحطات ، على بعد ألف ميل و مليون خيبة !!
اتفتتُ جوف الكأس الفارغ، أتفحصُ رؤى العابرين خلف ظلي. العابرين العابرين يا ظلي. يتراقصُ الكأسُ حزنًا، ألتفُ بين رنين الجهات، أقعُ ضائعاً بين أنياب الثمالة، أشربُ الخمر الرطب، و ألتوي ما بين فخذي الغضب، سكراناً أرسم وجهي على المرآة مصادفةً، وعلى مسمارٍ أعلقُ ما تبقى مِن ضحكة يابسة!!
اتبددُ مِثل عاصفة ترابية، معانقاً نفسي بين عجلات تدنو من بقايا ظلي لتنقسم زجاجة الويسكي إلى قسمين، واحدة لي في اليقظة والأخرى لجثةٍ تنمو في العراء هي أنا
أنا ثقيل و متوحش بما يكفي لقتل نملة ، تنتثر على ذراعي حقول من الحنطة السمراء
وعلى صدري تتسابق خدع الملاعين ، بما يكفي نزيز الدم من أسفل قدمي ، قوي لألف عام أخرى
ما زال بإمكاني رفع غيمة ليسقط المطر, المطر المسموم بطعم الشتاء، شتاءات مدن الإسمنت تسلق الدم، تنخر العظام
يا شتاء أوروبا وجهاته الثلجية، أمسك ما تبقى مني، و أنحر هذا العنق
يا أيها الظل، الثقيل العدم، أيها الدم، أيها الإحساس:
نطفو كورق يابس على ماء الدبس المر، مطاط السنوات العجاف هو الثمن، الثمن الثقيل التابوت المحمل، كطير نورس منخور الجناحان، معطوب الرؤيا، وفنجان صباحاته المكسور على عتبة الشيخوخة!!
يا أيها المتخفي في برج الأزلية، جدني من نفسي الممددة فوق جثتي، وبعثر الشبهة المعلقة ببقايا ملامحي، المثبتة مثل جذور اليقطين، هكذا دون حذف أو خدش ليبارك الله جل خساراتي يا أيها الظل.
بعين جهيرة أعلن نفسي جلادا ، دكتاتورا ، وبين حطب الأشياء أشعل ما تبقى من وجهي الأسمر الذابل
على المقاعد المثبتة في هذه الشوارع ، أتحسس ملمس أبواب المقاهي والحانات المغلقة ، أجد نفسي برهة ثم أختفي،  أدنو من نهايتي برهة ثم أنجو ، أمد عنقي لقساوة هذه الأرض وأفشل ، أفرد ذراعي بعمق الريح والمطر ، أصرخ بملء حنجرتي ، فيعود الصدى محملا بجدائل أمي وجداتي الضائعات !!
بأصابعي كقطع الطين اليابس ، أتلمس وجه العشب الأصفر وسطح الماء الماجن ، وعلى مقعد خشبي بارد، أتنفس ما تبقى من عمر خائب.
لقد خذلتكِ يا أمي لأجل سرابٍ ووهم.
عندما ترحل الأمهات، تصدأ الإبر التي كانت تخيط الجراح!!
قولوا للرياح:
أن تأتي متى تشاء لِتعصف وتكّسر وتحطم ما تستطيعه
لم يعد يهمني.
لقد بعت السُفن
من مات له غال لن يؤثر به فراق الأحياء!!

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

كيفهات أسعد

لا أحبكِ كما لو أنكِ مسبحةٌ من الكهرمان أو الياقوت.
لا أحبكِ كسيارةٍ قديمةٍ تتدرّج بغرورٍ وسط زحام المدينة.
أحبكِ بالطريقة الوحيدة التي أتقنها،
تنبت بين ظلّكِ وروحي،
بلا غرور،
بلا مواربة،
كي أستردَّ الواقع من الحلم،
كي أعصر قصائدي بماء الزهر،
وأنقّي كلماتي الرعوية في مدح حزنكِ الجميل،
في مدح امرأةٍ أطحتُ بقلبها كمطرٍ صيفيٍّ في روحي.
فمها برعمُ حبقٍ في شقوق الرخام.
منتشياً…

د. ياس خضير البياتي

في سنجار، تلك المدينة التي تتكئ على الجبل وتطل على السهل وتتنفس الصحراء، وُلد كفاح محمود كريم عام 1954. هناك، في بيئة تتقاطع فيها الصلابة مع الحلم، بدأ الطفل الصغير يختبر قوة الصوت والكلمة، فكان خطيباً في مدرسته الابتدائية بين عامي 1961 و1967، يعلن مبكراً أن للكلمة وقعاً لا يقل عن وقع…

شيرين خليل خطيب

 

“حرمة الجسد في زمن اللايك.. حين تتحول الهشاشة إلى خيانة ناعمة”. هو موضوع استقيته من خلال مراقبتي لكل ما يدور حولي، ومِن تجارب مَن حولي مع مواقع التواصل الاجتماعي وما ينجم عنها، وما سينجم عنها مستقبلاً. ففي ثقافتنا، اعتدنا أن نربط مفهوم (حرمة الجسد) بالمرأة فحسب، وكأن الجسد الذكوري خارج معادلة القداسة والانتهاك….

خلات عمر

كانت هيلين تمتلك موهبة ربانية، وصاحبة حنجرة ذهبية. أسعدت آلاف الناس بأغانيها الرائعة والممتعة. كان حضورها مميزاً، تزرع الابتسامة في الوجوه وتوقظ الحنين في القلوب. وكان تواضعها وأخلاقها سببًا في حب واحترام كل من عرفها.

قصتها المؤلمة بدأت عندما التقت بفارس أحلامها، وجمع بينهما حب كبير لا يوصف استمر سنوات طويلة. رسم كلاهما مستقبلاً جميلًا…