بوميّات الليل الهادي

إبراهيم محمود 
بومة تغنّي الليلَ
يا لطرب الليل
القمر ينفخ في مزماره السماوي
النهر يخزن الصور
الأرض تقول: اللحظةَ ولدتُ
***
بومة تخوض غمار أعالي الليل
أعالي الهواء
تعتمر فضة القمر المذابة
بجناحيها المجذافين
الهواء ينتشي بدغدغات منقارها الشبقة
عيناها تتدفقان بمددهما التليد
شعلة صباحية تردد: وماذا أبقيَ لي ؟
***
بومة تحلّق ملاصقةَ الأرض
تسبر صمتَ الحقول الغافية
عيناها الكوكبيتان 
تبثّان قاع الليل
إشعاعات إكسيرية 
الجهات مأهولة بحمّاها 
***
بومة على شجرة
تتنفس الشجرةُ نظرات البومة
نجمة تتسقط الأخبار
عينا البومة كاميرا بعدستين لا تجاران في التقاط اللامرئي
العتمة تردد زهواً: سأنصب للبومة مائدة عامرة بما تشتهي
كائنات النسب النهارية يوخزها حسد ملحوظ
***
بومة تنادم خرابة
تطرب فأرة في مقتبل عمرها في ضوء القمر
تطرب البومة لمرآها
تتماوج أمواج القمر المتهادية
الخرابة تعلِم موتاها بأن الحياة قائمة
***
بومة ترتدي ضوء القمر
تدخل الغابةُ في ليلها العميق
روحها ذات الرؤيا تهديها
ممرات الغابة الشعيراتية تنفح أمامها
الغابة تتشرب صوتها الرهوان
***
تغازل البومةُ بومها
تهديه فأرة لحيمة شحيمة غربونَ عشقها البومي
يغشاها البوم بكامل جناحيه
ينتشي الظلام المحيط
يا للزواج المبارك الواعد بسلالة مركَّزة
***
يطلق البوم العنان لخياله الوهاج
يترنم البوم بأغنية أسلافه التليدة
أي شاهنشاهية تتوجها دون إعلان عنها
تتنبه كائنات الجوار 
لقد أذيع الخبر سريعاً
إلى حوافي الصباح
***
تسرد البومة حكاية جنسها لفرخها شبه العاري
تتسرب الحكاية إلى ماوراء زغبها المتناثر
عيناها تصدحان بترددات الحكاية ذات الخصوصية
كائنات العش شبتْ عن الطوق 
مسكونة بمآثر الأسلاف الدقيقة
***
بومة في عشها تشتعل بصور التقطتها في طيرانها الحر
فراخها ترفع إليها مناقيرها بزهو مؤكَّد
هالة من الإدهاش تومض خارج عشها
لا منافس للبومة فيما تنشغل به
الفضاء مكان محلَّق مؤمَّم باسمها
***
يا بومة منيرفا الأسطورية العظيمة*
يا بومة غادة السمان المدهشة
بومتي أنا
قبلة لي 
من عينيك الجهنميتين الفاضلتين باقتدار
بهما أبصرتُ ما وراء البرزخ
تأهلتْ روحي بسكنى الجنة الباذخة ؟
ملاحظة : معروف ماذا تعني بومة منيرفا اليونانية بوصفها الدالة على الحكمة، وبالنسبة إلى غادة السمان، فقد جعلت من البوم شعاراً لمنشوراتها، ووضعت كتاباً شعريّ المقام عنه تحت عنوان: الرقص مع البوم ” ومن منشوراتها ” بيروت، شباط، 2003 “، مع لوحات داخلية للصديق الفنان حسن ادلبي، وبدوري نشرت مقالات عن البوم، من وجهة نظر مغايرة للسائد عن البوم هذا، إلى جانب كتاب يدور حول كتاب غادة السمان، الآنف الذكر، تحت عنوان: حدَّثتني البومة، قالت,,” مقاربة جمالية نصّية لكتاب غادة السمان” الرقص مع البوم “، دار الطليعة، بيروت،ط1، 2009 .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…