الارض الجريحة.. الحلقة «1»

 

زاگروس عثمان 

حضرات السيدات والسادة رواد موقع ولاتي مه المحترمين، اضع بين ايديكم روايتي (الارض الجريحة) والتي سوف انشرها على حلقات عبر الموقع، الرواية من خلال تقديم مشاهد اجتماعية سياسية ودينية من زاوية مختلفة تتناول اثار الحرب السورية على المجتمع الكوردي.     
   
الحلقة الاولى
بعد دهور من الشكوى والنحيب وتراتيل حزينة، هطل القدر وأمطر القرية صدفة ذهبية، قرية لا يتحمل آلامها سوى مجنون او ميت، خرج الجميع لإرواء مصير استبد به العطش، وما كاد من رقصوا أمام الموت وقدموا قرابين كثيرة لأجل الهطول يمشون خطوتين حتى اختلفوا على توزيع حبات المطر، وعادت القطط إلى قلب سپاسکو تعبث بالخيط حتى أضاعت رأسه لتخرب نسيج أحلامه، مكتوب على جبين القرية أن تبقى عارية بلا كساء، ان تنسج من لحم أبنائها ما يستر عورتها، صعد سپاسکو برج مداركه وفي زحمة الأعالي التقى عرافة مزدكية توسل إليها ان تقرأ سجل ركاب سفينة نوح للتأكد من أسماء المتخلفين عن الرحلة، وحين راجع السجل وجد أن المكان وحده من تخلف عن ركوب السفينة، سأل العرافة اليس عجيبا أن طوفان عظيم لم يغلب قرية هي الآن توشك على الغرق في عتمة ليلة تافهة.
غطت طحالب الخوف مشاعر آسيا وأخذت هواجسها تشدوا قلقا على قوس قزح مُشيد من مفاتنها ومن قصائد سپاسکو، سألت أيعقل أن يخطفوا خيوط الشمس والمطر، نظرت إلى المرآة قرأت الجواب شحوبا على وجهها، اطلق الخرنوب  زفرة، وانطفأ الموقد وساد الرماد عينيها، سرت قشعريرة في بدن مقبرة القرية انتصب لها شَعرُ الأموات الذين انتفضوا لمواجهة الخطر لكن رؤوسهم دُقت بحجارة الندم، فيما جل الأحياء نيام يتخاصمون حتى في نومهم على من يكون الديك ومن يكون الدجاجة مع أن لا ديك فصيح يوجد بينهم.
سَمِعت عندكو أميرة الزهور حديثا دار بين الطريق والحمار، خافت والتصقت بخاصرة عامودا، تحايلت على غربتها مخافة أن يفسد اليوم عشاقها الحمقى نبراتهم  الشجية التي غنت لها بالأمس، معجبون على أبواب المدينة ذابوا في عشقها ساروا  خلسة وراء ظلها.
سپاسکو المجنون ايضا لم ينجو من رذاذ عينيها إذ كلما أمطرت نظرة رقصت النجوم أمام عينيه وفاض الهطل أنغام في مسامعه، لم يحبذ الخروج مع بقية  المجانين للفوز بالعبق، إذ فضل التغني بالعندكو ورونقه في سره، حيث يَكنُ لها مشاعر طفل ابتسمت له السماء لأول مرة، ليشاهد على وجنتيها قوس قزح ويصاب بدهشة امتدت في خاطره، أراد أن يغرد لها ولكنه سمع انقطاع وتر في طنبورة محمد شيخو، كتم مشاعره في صدر بلبل ريشه قوس قزح.
القرية تخاف الرحيل، قالت العرافة: يأتي يوم تهاجر فيه الزهور تليه أيام تنمو فيها  ورود ولا تجد متيم احمق يقطفها، لماذا يغرد سپاسکو عشقا محكوم بالرحيل، لم  تكذب العرافة، البيوت على حالها وحقول القمح تعلن خضرتها لكن القرية تنكمش  تفقد وزنها يصيبها الهزال، قال لنفسه: يبدو أن عبوة البنزين التي اشعلت جسدا لم تكن دواء بل طاعونا اسود وصل إلينا سريعا، نحن اخطأنا التقدير، الوباء يزحف نحونا وما زلنا نيام، من كان يقظا فضل السلامة و شد الرحال، رد على نفسه: لا لا  أنت تبالغ انه اشتعال جميل وليس طاعون، رحلت اميرة العندكو باكرا وتبعثر عشاقها في غابات ندم وغرقوا في بحار اليأس ثم احترقوا في عقب سيگارة حشيش. 
بيوت القرية عامرة لكنها خالية من سكانها، انقطع ذاك الضجيج الصباحي المزعج اللذيذ لأطفال القرية الذين كانوا يفسدون نوم سپاسکو، ما عاد يسمع همسات الصبايا الذاهبات إلى بئر خدركو البئر الوحيد في القرية الذي تكون مياهه عذبة تصلح لإعداد الشاي، نظر سپاسکو إلى امه وهي لأول مرة توقد التنور وحيدة بدون صويحباتها وخليلاتها، جلست الام وضعت يدها على خدها تحاصرها السآمة بعدما فقدت رفيقاتها اللواتي كن يلتقين عند التنور ويتناقلن فيما بينهن اخبار عائلات القرية، ما كانت ام سپاسکو مستعدة لتُفَوِتَ على نفسها سماع نشرة الأخبار الصباحية من إذاعة التنور حتى لو تعرضت للطلاق، لكن المسكينة تجلس الآن بمفردها حيث رحلن مراسلات التنور وتركن خلفهن ام سپاسکو تستمع لثغاء الاغنام وصفير الرياح، انتاب سپاسکو احساس سيء. 
مثل كل مساء تربع سپاسکو عرش السكون، دخان موقد امه يتصاعد من المدخنة  ورائحة الخرنوب المحترق تفوح منها، تملئ أنفاسه وتضفي على المنزل اجواء  طقوس صباح يوم الأحد في كنيسة شرقية متخمة برائحة بخور يغمر قلوب المصلين بالسلام، والذين لا يخامرهم شك بأنهم أقرب ما يكونون إلى الرب، استولت الطمأنينة على حواس سپاسکو وسرى خدر لذيذ في جوارحه، استرخت مداركه، وعيناه تتابعان بتكاسل حركات امه قرب الموقد وهي تعد العشاء، لم   يحتاج إلى تخيل عشاء شهي، هو يعلم ان ليس هناك اشهى والذ من عشاء تعده قديسة على موقد حطبه خرنوب، فيما هو ينتظر امه حتى تنهي عملها، مدت أحلامه اقدامها في جوف يقظة دافئة تدغدغ جنبات أفكاره، ابتسم سپاسکو في وجه ليلة مغمسة بالنعناع البري حيث اعتادت قنافذ البصيرة أن تلوذ بالعبق النافر كلما حاولت افاعي الخيبة ان تمد رؤوسها من جحور واقع مشكوك في أمره، لتنفث سم  السآمة في صفاء خلوة يعيشها سپاسکو، الذي يعد العدة لسوق خرافه إلى مراع  مسكونة بأرواح شريدة حيث تنتظره هناك مليكة الجن آسيا، دون ان يعلم أن ليلته ليست ودودة كالليالي الماضية، حاولت فراشة عابرة إلى مصيرها أن تحذره لكنها احترقت قبل ان تصل إلى السراج، لم يتسنى لها أن تخبره ماذا يخبأ الليل له في جوفه من ضغائن.
يتبع 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فواز عبدي

هاتفني صباح هذا اليوم ليخبرني أن كلبه قد هرب. وحين سألته عن السبب، قال:

إنك تعلم كم كنا نعتني به، وندللـه.. لقد صار كأحد أفراد عائلتنا ولا نستطيع مفارقته.. إننا..

قاطعته:

لا أعلم إن كان لديك كلب. وعلى حد علمي فإنك كنت تكره الكلاب..

قال: صحيح. ولكن بعد عودتي من الخليج، وبعد أن أتممت هذا البناء، طلب الأولاد…

صبحي دقوري

تتقدّم البشرية اليوم نحو منعطف لا يشبه ما سبقه إلا في الظاهر. فمنذ الثورة الصناعية الأولى، والإنسان يخاف من الآلة، ويظن في كل مرة أنها جاءت لتسلبه عمله ويده ولقمة عيشه. غير أن ما يحدث اليوم مع الذكاء الاصطناعي أعمق من مجرّد دخول آلة جديدة إلى المصنع أو المكتب. نحن لا نواجه آلة تحمل…

ماهين شيخاني

ليس خلافاً أن تُدعى قامشلو، أو قامشلي، أو قامشلية، أو حتى زالين.

فالمدينة، كالجوهرة، تتراقص على ألسنة أبنائها بأشكال مختلفة، وكل لفظةٍ منها تحمل عبقاً خاصاً، ونغمةً تليق بمن ينطقها. وكما أن اسم “حسن” يتحول بين الناس إلى “حسنو” و”حسني” و”حسو”، دون أن يفقد جوهره، فكذلك مدينتنا تبقى هي هي، مهما تنوعت حروفها على الشفاه.

المشكلة…

صدر حديثاً عن منشورات رامينا في لندن كتاب «حياة مليئة بالأحلام» للكاتب هِنير سليم، بترجمة عربية أنجزها سعيد حكيم. وفي هذا العمل الروائي يواصل هِنير سليم استكشاف أسئلة المنفى والهوية والذاكرة واللغة، عبر سرد تتعانق فيه السخرية السوداء مع التأمل الإنساني العميق، وتتقاطع فيه التجربة الفردية مع قضايا الانتماء والاقتلاع والبحث الدائم عن المعنى.

تبدأ الرواية…