من هانوفر إلى عامودا.

عبداللطيف الحسينيّ.

بعدَ غيابِ عشرٍ من السنين زرتُ المدينة ….ما عرفتُ أحداً فيها ولا
تعرّفَ عليّ أحدٌ، قلتُ سأزور مشارفَ أبي وأعمامي، عُلِمتُ بأنّهم قد
…أَمسَوا، وجدتُهم يفيضون شباباً وبهجةً، كأنّي أُكبُرُهم بمئةِ عام.
سأزورُ بيوت المدينة، فلي فيها عشبٌ وتمرٌ وأنفاسٌ، فما تعرّفتْ على
زائرها الغريب.مدينة من الأسمنت والحديد، كأنّها أنقاضُ أسمنت
وحديد، وكائناتُها حجرٌ مطحونٌ أو نُثارُ حديد.
أبني داراً ههنا وأقفُ على بابِها أصيح: أَمَا من تلويحةٍ عجلى على ليلِ
هذه الدار، وقد تركْنا في ساحتِها لمّتَنا، ..وحين غادرناها …دمعتَنا ؟.
قلتُ فلأغادرْ هذه الديارَ خلسةً في ليلها البهيم لئلا أرى دمعةَ
أهلِها، لئلا أرى طفولتي في مناكبها …تظلُّ تلاحقُني.
لئلا أرى جاري العجوز متكئِاً على عصاه أمامَ الباب يبتلعُ دمعتَه، لئلا
أرى جارتي تسألُ : إلى أين؟
أبني داراً ههنا ،لكنَّ مرابعَ الطفولة لما تزل مخضرّةً….فيابسةً
…متقصّفةً حين غادرتُها.
قلتُ سأخبّيءُ آهةً في زوايا الدار لأعودَ إليها بعدَ عشرين عاماً، إنّها
كنزي الخفيّ…أزحفُ إليها حين تبردُ عظامي.
أَمَا زالتْ دافئةً تلك الدار؟
كيفَ أرسلُ طيراً؟ أتتبّعُه خفقةً….خفقةً حتّى يحطَّ على غصنٍ مَدَّ
أوراقَه كذراعٍ على حائط الدار.
أَمَا زال البابُ مفتوحاً للضيوف ؟ كما عهدتُه..كما تركتُه …مُضيّعاً
مفتاحَه في طريقِ التغريبةِ الطويل؟.
…..
مرّةً رأى أوربيٌّ صورةً لمدينتي فسألني:أ هذه مقابرُكم؟.
 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

يسرّ جمعية آسو (ASO) في مدينة هيرنة دعوتكم لحضور أمسية أدبية مميزة مع الكاتب والروائي حليم يوسف، تتضمن قراءات قصصية وحديثًا حول روايته الجديدة «سيرة عابر ألغام».

ويتخلل الأمسية:

قراءات شعرية للشاعر نصر محمد
فقرة موسيقية للفنان سمير سفوك
حفل توقيع الرواية

وذلك يوم الجمعة 11 سبتمبر 2026، في تمام الساعة الخامسة والنصف مساءً.

المكان: مركز جمعية آسو…

ماهين شيخاني

في الرابع من أيلول عام 2026، وقفت جماهير غفيرة في الحديقة الرئيسية العامة بمدينة الحب “قامشلو”، لتشهد لحظة تاريخية: إزاحة الستار الأبيض عن ثلاثة أعمال نحتية ضخمة ومهيبة للفنان والنحات الكوردي الكبير منير شيخي. لم تكن مجرد تماثيل تُزين حديقة، بل كانت ملحمة كاملة من الصبر والإبداع والإصرار، حملت في طياتها أكثر من خمس…

أمين عبدو*

​من طقوس الموت الجماعي إلى التبعية المطلقة: تقديس القادة وتدبير العجز
​شهدت الحضارات القديمة، ولا سيما في بلاد الرافدين، طقوساً تضحوية يُقدم فيها أتباع الملك أو الحاكم على الموت الجماعي فور وفاته، انطلاقاً من عقيدة جازمة بأنه “لا حياة بعد رحيل الحاكم”.
​والملفت أن هذه الفكرة لم تندثر تماماً؛ إذ نجد حتى اليوم شعارات وممارسات تغازل…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

يبدأ الألمُ في اللحظة التي يتعلَّم فيها الإنسانُ أن يعيش وهو يَعرف أنَّ صوته لن يُغَيِّر شيئًا. القهرُ في جَوهره ليس فِعلًا خارجيًّا يقع على الجسد فقط، وإنما عملية طويلة تتسلَّل إلى الداخل، وطريقةِ التفكير، واللغةِ، والعلاقاتِ بين الناس.

مِن هذه المنطقة المظلمة يمكن أن نقرأ عالَمَ الروائي…