اللص الخفي

 بقلم: محمد علي علي

      كان صغيرا يعيش في عالمه الصغير، لم يكن  يدرك ما كان يجول في عالم الكبار من  أسرار في الليل أو في النهار. كل ما يملكه من عالم الكبار هو حضن أمه ، ذلك العش الدافئ، الذي كان يأوي إليه كعصفور صغير لينام فيه قرير العين. وجاء ذلك اليوم الذي شعر فيه بأن ثمة عيونا، ترصده ، وتنافسه في امتلاك ذلك الدفء، وتحاول انتزاعه منه ،كطير جارح ينقض على أعشاش العصافير الصغيرة. في كل صباح ومساء كان والده يوبخه بالقول:
– ” لقد أصبحت كبيرا يا ولدي وما زلت تنام في حضن أمك، هذا معيب !! بل معيب جدا !!”.
كان يهز برأسه، وهو يخاطبه ، ولكن الدموع التي كان يذرفها كانت كفيلة بإقناع والده بأنه ما زال صغيرا، وما زال متمسكا “بحصنه المنيع” وأنه لن يتنازل عنه ولن يستسلم.
  لم يكن بمقدوره معرفة السر الدفين وراء تأنيب والده له. كان يتساءل في نفسه: “أنا لم أفعل  شيئا يزعجه فلماذا هذا الغضب ؟؟”
وشيئا فشيئا بدأت الأيام والليالي التالية تفك رموز الأحجية، وبدأت أسرار اللعبة تنكشف. كان بيتهم الصغير يضم أسرته الكبيرة، فأخوته الكبار ينامون في غرفتهم الصغيرة أما والداه فينامان في غرفة مجاورة، أما هو، فكان الحد الفاصل بينهما..
فلم يكن يطيب له النوم بعيدا عن أمه، فيتسلل إلى غرفتهم ويدس نفسه بين أحضان أمه التي كانت تضمه بين ذراعيها، لتهبه دفئا من خفقات قلبها التي عاش على إيقاعها، قبل قدومه إلى هذا العالم الكبير.
 في الليل كان يغرق في النوم، أما في الصباح وعندما يفتح أجفانه يجد نفسه بين فراشه وفي غرفة أخوته. لم يكن يصدق نفسه.. أهو حلم أم حقيقة ؟؟  يتذكر أنه سألها مرة عن ذلك، فابتسمت له ابتسامة غامضة وأجابته بالقول:
– “لا بد أن هناك لصا خفيا يدخل إلى الغرفة و يأخذك مني”.
 لقد صّدقها ، ولا سيما بعد تكرار هذه الحادثة مرات ومرات، فرسم في مخيلته خطة للإيقاع بذلك اللص الخفي الذي يتسلل خلسة إلى عالمه الصغير، ويسلبه لذة حلمه الطفولي الذي يعيش على دفئه.
السكون يسود الليل، لم ينم في تلك الليلة، فقلبه يخفق بشدة كجناحي حمامة مذعورة تفر من مخالب نسر جارح، و خيوط النوم الهلامية تهاجم أجفانه كعنكبوت ينسج بشبكته حول الفريسة.. تخيل نفسه فراشة وقعت بين خيوط العنكبوت، الخوف أبعد النوم عنه، فصورة اللص الخفي تؤرقه و تذكره بحكايات جدته عن الجن والعفاريت التي لا تظهر إلا في الظلام.
 “لقد تأخر.. لابد أنه اكتشف خطتي للإيقاع به !” قالها في نفسه، فها هي الساعة الجدارية أيضا ما زال الأرق يساور دقاتها، ربما هي أيضا خائفة من شبح الزمن الخفي الذي يلسع بعقاربه الساعات والدقائق والثواني ويسلبها من الأيام.
أنه يسمع دقاتها، خفقات قلبها المرتجفة.. وفجأة صرخت الساعة ثلاثة صرخات متتالية عندها، تجمد الدم في أوصاله، وبدأ العرق يتصبب من جسمه.. لقد شعر برفيف خفيف لطيف، قد بدا يدنو منه كسحابة دخان أو غيمة مطر ، بدأ  يتحرك في جنح الظلمة وينتشر حوله ، أحس بأنفاسه، بشهيقه وزفيره ، وشعر بأن يدا خفية قد بدأت تمتد نحوه.. انه هو.. قلبه يخفق ويخفق.. وها هو ، إنه يحس بحرارة يديه، بنبض شريانه، ثم صرخ فجأة بصوت مذعور: “حرامي، حرامي !”.
انتفضت أمه من نومها مذعورة، وهي تشعل الضوء، كما استفاق أخوته على صراخه، فركضوا خائفين مذعورين وهم يتساءلون “ماذا حدث ؟؟”

 كم كانت المفاجأة كبيرة ومحرجة !! فذلك اللص الخفي لم يكن سوى…!
– عودوا إلى نومكم يا أولاد – قالها الأب بأعصاب هادئة، باردة.
   أما أمه، وبعد أن رمقت زوجها بنظرة مخاتلة أضافت:
– ليس هناك أي حرامي يا أولادي ، كل ما في الأمر أن أخاكم قد رأى كابوسا في منامه !
 وهنا… حاول أن يصيح ويصرخ، بأن الذي رآه لم يكن كابوسا أو حلما بل حقيقة… ولكن اللحظة خذلته وجعلته يشعر بالخجل… وعندها فقط شعر بأنه بدأ يفهم أشياء أخرى من عالم الكبار..
في تلك اللحظة أحس بأنه كبير..!!
 لقد استسلم له… وتخلى له عن حصنه المنيع، ولكنه لم ييئس، فربما ستهبه الحياة من جديد، ذات يوم، حضنا دافئا، في بيت صغير، يصبح هو فيه… اللص الخفي..  ؟!

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

شهدت الأوساط الثقافية الكوردية والعربية في المهجر صدور كتاب فكري وحواري مميز يحمل عنوان «مطاردة المعنى.. من العود الأبدي إلى اللاوعي الجمعي»، للكاتب والشاعر الكوردي السوري إدريس سالم.

وصدر هذا العمل عن دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب في هولندا، ليكون رافداً جديداً للمكتبة الفلسفية والنقدية الكوردية والعربية، ومحاولة جادة لمقاربة الواقع الثقافي برؤى مغايرة وأدوات…

علي شمدين

مع صدور الترجمة العربية لكتاب «رحلات في كردستان» لمؤلفيه «السير هنري راولنسون وجون جورج تايلور»، والتي ترجمها الأستاذ «رضوان شيخو» مؤخراً من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية، ينتابنا شعور عميق بالفخر والاعتزاز مرتين، مرة لأننا نرى حزبنا الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا وهو يضم كل هذه الأقلام اللامعة التي تطوعت، رغم ظروف القهر والاستبداد،…

محمود أوسو

 
يا وطناً كانت خرائطه ألواناً
صارت دماً على أطراف القلم
يا شاماً كانت بيوتها مواويل
صارت صدىً لصرخةٍ لم تُفهم
 
من حلب إلى الحسكة،
من جبل العرب إلى القامشلو
الرصاص يلبس أسماء الله
والحقد يرتدي عباءةً ضيقة
ويقول: هذا ديني، وهذه سنتي
 
يقتلون المسيحي لأنه يحمل صليباً صغيراً
والعلوي لأن اسمه في سجلّ قديم
والدرزي لأن جبلَه لا ينحني
والكردي لأن لغته وجعٌ آخر
وفي دير الزور،…

محي الدين حاجي

ابني العزيز……..

أراقبك وأنت تتحدث لغتهم بطلاقة، فأشعر بالفخر والخوف معاً. فخرٌ لأنك ملكت سلاحاً لم أملكه، وخوفٌ من أن تبتلع هذه اللغة حروفي التي علمتك إياها وأنت صغير. أنا لا أريدك أن تعيش في الماضي كما أفعل، لكنني أخشى أن يأتي يومٌ تسألني فيه عن ‘الوطن’ فلا تجد في قلبك سوى صدىً باهت.

أبي……..

أنا…