نصوص أدبية

إبراهيم محمود

آشاوا
مجرد اسم إنما تدفُّق أسماء يتلقاها المصطافون
تستحم أرواحهم في أخضره المتصاعد إلى أعلى الأعالي
وقد انزاح زمانهم جانباً
أعني بها: حلول لزمان سعيد
زمان آشاوا قائم بذاته
تعبُره أزمنة وهو كما لو أنه مولود للتو
ينحّي اللغة جانباً
مستبقياً القليل من الكلام
تاركاً لمواهب آشاوا أن تمزج المرئي باللامرئي
والمصطافون الداخلون في زمانها تنعشهم سعادة غير مسبوقة
هبَة آشاوا عينها
تأخذك آشاوا من يديك…

إبراهيم محمود

أوقفت الريحُ خيالي
مهددة إياه بالفناء الكلّي
إن لم تأخذ كلماتي بها علماً
وتمنحها صورة ترتعب لها المرايا مجتمعة
وتحتجز النجوم في أقفاصها الخانقة
حسنٌ، أومأتْ إليها كلماتي مشيرة إلى أنها ستعمل ما في وسعها
لتستطيع التنفس كما تريد

وعليها أن تسترسل في أحلام يقظتها
وهي تؤمّ الجهات التي تشتهيها
بسرعاتها المقررة ذاتياً
وكلماتي همست في أذني:
لا عليك دع ظلك ينبسط مرتاح البال
سأتولى المهمة…

إبراهيم محمود

موتانا الذين لا يشبهون حتى أنفسهم
تعجز المرايا مجتمعة في إظهار ولو مجرد صورة تقريبية لهم
موتانا الذين لا ينامون أبداً
باذلين قصارى جهدهم في حجزنا لحسابهم الخاص دون نوم يستحق الذكْر
كيف أجيزَ لموتهم أن يطلق سراحهم موتى دون موت هكذا؟
حين ماتوا أعلنّا الحِدَاد حسب الأصول
منحنا عيونَنا فترات متقطعة لسكْب الدموع المقررة عليهم
منحنا قلوبنا اجتراع الحزن المناسب…

عبد المقصد الحسيني

سنمضي…
بأقدارنا المنكوبة
ويرافقنا وجهاء الموت وعربة الحوذي محملة بكومة الأحاديث
وفقه الرغبات
والبيان الشيوعي
لا وطن يحمينا من العواصف والحداد
نحن أمة..
كنعيق الغربان في الوثائق المشفره
أعرفك…
تحشرين الملل في ظرف
وساعي البريد مات في الحرب بطلقة صديق
وتذرفين الدموع كندف الثلج
حين تغادر العتمة الستائر برفقة العسكر
وترغبين…
في تدشين عائلة بعدد أحجار النرد
في الخريف
أعلم…
يشيخ الحرب مثل العوسج
كمخلب دوري ميت
من الأنين
سنمضي…
ونطرق أبواب الغيهب
أعلم
قسوة الظهيرة…

إبراهيم محمود

القبعة ابتداع الذين يضيفون إلى رأسهم رأساً آخر
يخفي تحته حقيقة الرأس الأول المسمى مجازاً
لكنها ليست ساذجة بحيث تكون الأصل
تغزل خيالات وهمية لمن يهربون من رؤوسهم الفعلية
ماالذي يتحرك في فراغ القبعة غير وهْم حاملها؟
أي سوء حظ قادها لتكون محمية رؤوس عارية؟
لا شطآن لها كي توحي بأجساد أفكار تستحق المتابعة
لا فضاء يرتجى كي يمهد لمصافحة نجوم…

إبراهيم محمود

ينتحر الضحك عند أول إطلاقة له
على عتبة الفم المنقبضة
أخبار الطقس مصابة بمغص دوريّ
ثمة حمامة ترقب وجه طفل وخطه شيب صارخ
فراشة أقلعت عن النوم في طيرانها الحر
ماذا سأفعل في صمتي ، قالت النار
الحديقة تهجّر أشجارها بعيداً عنها
لم تعد قادرة على الوقوف
وابتسامتها تسند قامتها بالكاد
البلبل يخذله صوته عند أول شجرة تملكتها نوبة
في غفلة عن الأوكسجين العالق…

إبراهيم محمود

ماذا لو ألبستك ِ ثوباً من الهواء العليل
لتلوذ بك كل الزهور التي تقلقها الحرارة المفاجئة؟
تلك أقصى حيلتي في العشق الذي يسمّيك أنت دون العالمين

ماذا لو أسكنتك بيتاً واسع الرؤى من النجوم
لتسترضيك كل السماوات التي تؤرّقها عيناك شغفاً؟
تلك أتم رغبتي في التقدير الذي يتوقف عليك دون نساء العالمين

ماذا لو جعلت زنارك نهراً صالحاً لملاحة دوران…

إبراهيم محمود

عالقة في الهواء
تارة يتمسح بها ضوء القمر
تارة نور الشمس
تنكمش وتتمدد
وهي لا تخفي تكوّرها
وبان فمها نصف مفتوح
كأنها تعيش ذهولاً
خشية السقوط الكارثي
مرئية تماماً
مفعمة بالحلو العذب
تينة في أوان نضجها
يفتر ثغرها عن قطْر لا يُشَك في حلاوته
القطر منطو على كثافته بخبث
تحفظ أصول نكهته في العمق
تينة ملء قبضة اليد
وهي تشد خطوط راحتها إلى محيطها
أي جاذبية ذوق فطرية تملكها التينة…

ولات محمد

أمي..!
كيف تغادرين هكذا دون إذن؟
ألم يكن بيننا موعد؟
ألم أقل لك في آخر مكالمة
إنك سوف تسمعين صوتي كل يوم؟
ألم تضحكي وتضحكي وتضحكي حتى منتصف الحزن؟
ما الذي حصل
حتى قررت فجأة الرحيل؟
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
هكذا كعادتكِ
وبهدوء تام
ودون أن تثيري انتباه أحد
سلمتِ رأسك لسكون المخدة
أخذت وضعية الجنين
وأدرتِ…

إبراهيم محمود

إذا يدك ِ في يدي
سأكتشف جريان الأنهار سريعاً
طيران النسور في الأعالي
السلاسل الجبلية التي تمنح الأرض توازنها
النجوم وكيف تسلك طرقها النائية دون تيه
وسأطلق العنان لخيال قلبي قدْر استطاعته

***

إذا عينك في عيني
سأبصر السماء بكامل نجومها وثقبها الأسود
سأبصر البحر بكنوزه في الأعماق
سأبصر الغابة بكل ذخائرها الحياتية
وسأثبت عمري في الثلاثين عاماً

***

إذا كتفك تجاور كتفي
سأرى الطريق أكثر امتلاء بالحنين…