مشاعرُ خاوية!!

أحمد مرعان

في المساءِ تستطردُ الأفكارُ حين يهدأ ضجيجُ المدينة قليلًا، تتسللُ إلى الروحِ هواجسُ ثقيلة، ترمي بظلالِها في عتمةِ الليلِ وسكونِه، أفتحُ النافذة، أستنشقُ شيئًا من صفاءِ الأوكسجين مع هدوءِ حركةِ السيرِ قليلًا، فلا أرى في الأفقِ سوى أضواءٍ متعبةٍ مثلي، تلمعُ وكأنها تستنجد. أُغلقُ النافذةَ بتردد، أتابعُ على الشاشةِ البرامجَ علّني أقتلُ بعضَ الوقت، صفقاتٌ، حروبٌ، أزماتٌ تتنافسُ بتواترِ الأحداثِ على قنواتِها، ضيوفٌ من انتماءاتٍ شتّى، تحليلاتٌ متضاربةٌ ممن يجيدونَ فنَّ التلاعبِ بالكلماتِ لغاياتٍ مبيّتةٍ ومكاسبَ آنية، أرقامٌ متضاربةٌ صمّاءُ عن المالِ وعددِ ضحايا أبرياء، تغيبُ الوجوهُ وتختفي القلوبُ وتتلاشى الضمائر.

أشعرُ أن العالمَ يمضي في دروبٍ ضيقة، يتنافسُ على الصفقاتِ راكضًا خلفَ المصالحِ المادية، تاركًا خلفه ما يربطُ الإنسانَ بإنسانيته. المداخلاتُ في الندواتِ الحواريةِ حول العدالةِ والسلام لم تعد تُقنعُ المستمعين، ولم يرَ فيها الناسُ إلا أوراقًا قديمةً تتناثرُ مع الرياح لتزينَ السماءَ في فضاءاتِ الخريفِ الأصفر. هذه الحالةُ أصبحت تُلازمُ العامةَ من الشعب، وكأنها ثقافةٌ موروثةٌ لإثباتِ الذاتِ والولوجِ في مضمارِ السياسةِ البائسة، يبنونَ قناعاتِهم وممارساتِهم على هذا النحو.

في داخلي سؤالٌ لا يهدأ: كيف سيكونُ الغد؟ أستجمعُ مشاعري بصمت، أتحاورُ مع نفسي بسرعةِ مرورِ الشريطِ الإخباريِّ على الشاشة، فيُجيبني بخوفٍ غامض، شيءٌ ما في الأفقِ يوحي أن القادمَ لا يشي بالخير، والتيهُ عنوانٌ دامغٌ لحضارةٍ تقدّمت في حساباتِ البنوك وتراجعت في ميزانِ القيم.

رغم هذا الكمِّ المتشائمِ والمتلاعبِ بالمشاعرِ ومصائرِ العالم، ما زلتُ أتشبّثُ ببصيصِ الأملِ الرفيعِ البعيد، وبومضةٍ صغيرةٍ لم تنطفئ بعد، ربما ينهضُ من بين الركامِ رأيٌ مختلفٌ ليُذكّرَ البشرَ أن الرحمةَ ليست ضعفًا، وأن الكرامةَ ليست ترفًا، وأن العالمَ لا يُبنى بالمالِ وحده، بل بما تبقّى في القلوبِ من رحمةٍ ونورٍ وصفاءٍ ونقاء، بعيدًا عن المصالحِ الآنية.

قالها المفكرُ علي شريعتي:

لا فرقَ بين الاستعمارِ والاستحمار، الأولُ يأتي من الخارجِ والثاني يأتي من الداخل.

فكن على ما أنتَ به مقتنعًا، وإياكَ أن تقولَ للباطلِ نعم مهما كانت المصلحة، ستكشفُها الأيامُ مهما طال بها الزمن. أصبحنا في زمنٍ ننتظرُ المحترمَ كي يخطئَ حتى نُثبتَ للناسِ أنه غيرُ محترم، ونروّجُ نظرتَنا ونظرياتِنا الخبيثةَ لوقوعِهم في مهالكِ التاريخ. وكن على يقينٍ: إذا مات القلبُ تلاشت الرحمة، وإذا مات العقلُ ذهبت الحكمة، وإذا مات الضميرُ ذهب كلُّ شيء.

فكن كما أنتَ، لا كما يريدونكَ أن تكون، سلعةً رخيصةً يُروّجونها وفقَ مصالحِهم وأجنداتِهم الموقوتة…

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

بمناسبة يوم اللغة الكردية يقيم الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد ندوة مشتركة للكاتبين:

عدنان بشير الرسول: بعنوان مصاعب وتحديات اللغة الكردية
فتاح تمر: بعنوان وضع اللغة الكردية في كردستان الشمالية

يوم السبت 16.05.2026 الساعة الواحدة ظهراً، والعنوان بالملصق.
يسرنا حضوركم.

إبراهيم اليوسف

صدرت حديثاً، عن دار نوس هاوس في هولندا للنشر والترجمة، مجموعة قصصية لأربعة وعشرين كاتبا وكاتبة بغلاف أنيق تحمل لوحة فنية للفنانة التشكيلية روجين حاج حسين ترجمها الكاتب والناقد السوري صبري رسول من الكُردية إلى العربية بعنوان: مختارات من القصة الكردية القصيرة.
وتضم المجموعة ستا وعشرين قصة، تتناول الشؤون والهموم الفردية والشخصية والاجتماعية والإنسانية. يؤكّد…

إبراهيم اليوسف

يفتتح أكرم سيتي فيلمه القصير “الكرسي” طوال برهة يلتقط فيها المشاهد الأنفاس، عبر صمت مطبق، بطيء الإيقاع، وثقيل، حيث تدخل الكاميرا مباشرة إلى منطقة سياسية شديدة التأجج داخل الواقع الكردي، بل داخل الجرح الكردي، فالمشهد يتحرك حول كرسي واحد، بينما تتكاثف حوله ظلال السلطة والقيادة- بأشكالهما- من سمة الامتياز والابتعاد التدريجي عن القضية التي…

في حوار أجراه الكاتب إبراهيم يوسف مع الشاعر محمد شيخ عثمان وردت معلومتان خاطئتان ربما لتقادم الزمن مما يستوجب تصحيحهما للأمانة التاريخية. المعلومة الأولى تتعلق بتأسيس “جائزة أوسمان صبري للصداقة بين الشعوب”، إذ قال الشاعر محمد شيخ عثمان إنها “تأسست في أورپا”، لكن الصحيح أنها تأسست عام 1998 في بيت المرحوم أوسمان صبري في دمشق…