حارسة العهد: حين تكون الروح ثمن الصمود

سيماف خالد محمد

منذ أن استُشهدت فتاتنا الكردية، فتاة الشمس والنار، لم يهدأ فكري، وأنا أعود مراراً إلى تلك اللحظات الأخيرة التي عاشتها وحدها، لحظاتٍ يفقد فيها الزمن معناه، ويغدو القرار حدّاً فاصلاً بين الكرامة والموت.

أتخيّل قلبها الجميل، كم كان ممتلئاً بحبّ الوطن، حبّاً لم يعد يحتمل البقاء حبيس الصدر، فانسكب دماً ليَروي أرضاً تعرف أبناءها.

أؤمن أنّ من دمها ستنبت شجرة الزيتون، شجرة تعرف الأرض التي خرجت منها، وتعرف الأيادي التي حاولت كسرها، شجرة لا تستعجل الثمر، لكنّها لا تنسى جذورها، ولا تتخلّى عن حقّها في البقاء مثلها تماماً.

أسأل نفسي: بماذا كانت تفكّر؟

هل مرّت حياتها أمام عينيها في لحظة؟

أم أنّ الكرامة كانت أوضح من أي خوف، وأقرب من أي تردّد؟

لقد اختارت الكرامة على أن تكون بين أيديهم، اختارت أن تبقى سيّدة مصيرها حتى في اللحظة التي يُسلب فيها كل شيء.

كانت رصاصتها الأخيرة موجّهة إلى ذاتها، ونحن نعلم جميعاً كم أنّ الروح غالية، كم أنّ التعلّق بالحياة غريزة لا تُقاوَم، لكنّها قاومتها واختارت الشهادة، لتضعنا جميعاً أمام مرآة تقصيرنا، وتتركنا أمام أنفسنا عراةً من الأعذار، صغاراً على نحوٍ موجِع أمام عظمة ما فعلته.

رمَوها وهي مفارقة للحياة، كأنهم أرادوا إذلال الجسد بعد أن عجزوا عن كسر الروح، لكنّي على يقين أنّ الملائكة حملتها قبل أن يلامس جسدُها الأرض، لأن الأرض تعرف دم الشهداء، والسماء تعرف أرواح الأحرار.

١٤-١-٢٠٢٦

هولير

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

باسم إدارة وهيئة تحرير موقع ولاتي مه، نتقدم إلى الكاتب م. محفوط رشيد بأصدق مشاعر التعزية والمواساة في رحيل زوجته المغفور لها بإذن الله صافو مجيد حسن، شقيقة المرحوم الكاتب والسياسي توفيق عبدالمجيد حسن ، بعد رحلة طويلة من المعاناة مع المرض.

لقد تلقينا هذا النبأ…

صدرت حديثاً عن منشورات رامينا في لندن رواية «الزمن البرّي» للروائيّ والقاصّ السوريّ حسين سليمان، المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ويقدّم عالماً روائياً مشبعاً بالذاكرة والحنين والأسئلة الوجودية التي تتقاطع فيها مصائر الأفراد مع تحولات المكان والزمن.

منذ الصفحات الأولى، يضع حسين سليمان قارئه داخل فضاء روائي تتداخل فيه الواقعية بالتأمل،…

خليل عبدالقادر Kalil Kader

في تلك السنوات وفي تلك المدينة” الحسكة” التي كانت تعيش على ضفاف الخابور كنت أسترزق من تعبي وبعرق جبيني. وكان لي ملف محترم عند فروع المخابرات” ماركسي يتعاطف مع الكرد. حاولت أكثر من مرة أن أبدّل هذا التصنيف، لكنني فشلت. كانت الأجهزة الأمنية أكثر تمسكاً بأفكارها عن الناس من الناس أنفسهم.
كان أصدقائي…

صبحي دقّوري

لم يكن رحيل إدغار موران خبرًا عابرًا في صحيفة، ولا تفصيلًا ثقافيًا يضاف إلى سجل الغياب الطويل. كان رحيله انطفاء مصباح فكري ظلّ، طوال قرن كامل، يضيء زوايا العالم المعتمة، لا بضوء اليقين المتعالي، بل بضوء السؤال، والشك، والربط، والإنصات العميق إلى تعقيد الإنسان والتاريخ والحياة.

رحل موران، لكن فكره لا يرحل. فبعض المفكرين يموتون…