حين ترفض اللغة أن تُستهلَك: قراءة في انتاج سليم بركات

صبحي دقوري

ليس سليم بركات من أولئك الكتّاب الذين يُقاسون بموازين الذوق الشائع، ولا ممن تُفهم كتابتهم على عجل، ولا ممن يصلحون للتداول السريع أو القراءة العابرة. والحق أن من يطلب من نصوصه السلاسة، أو يتذرّع بغموضها، أو يتهمها بالنخبوية، إنما يكشف – من حيث لا يدري – عن عجز في أداة التلقي، لا عن خلل في أداة الكتابة. فالنص الصعب ليس جريمة، وإنما الجريمة أن نُحمِّل النص وزر الكسل الذهني، وأن نطلب من اللغة أن تنزل إلى مستوى العجلة بدل أن نرتقي نحن إلى مستواها.

تكوّن سليم بركات خارج نعمة اللغة الأم المطمئنة، وخارج الاستقرار اللغوي الذي يُورث البلادة، لا الطمأنينة. نشأ في بيئة تتجاور فيها اللغات من غير أن تتصالح، فتعلم منذ البدء أن اللغة ليست بيتًا، بل ساحة صراع، وأن الكلمة ليست ملكًا لأحد، بل أمانة ثقيلة لا تُؤخذ بلا مساءلة. ولهذا لم يدخل العربية دخول الوريث، بل دخول الفاحص، ولم يكتب بها كتابة المطمئن، بل كتابة من يشكّ في كل كلمة قبل أن يمنحها حق الوجود في الجملة. ومن هنا جاءت لغته حادّة، مشدودة، متحفّظة، كأنها تُقاوم أن تُستعمل قبل أن تُفكَّر.

وشعره، لمن أراد أن يسميه شعرًا على وجه الدقة، ليس تعبيرًا عن ذات، ولا تنفيسًا عن شعور، ولا زخرفة لغوية تُرضي الأذن، بل هو اشتغالٌ صارم على اللغة بوصفها مادة فكرية. فالقصيدة عنده لا تُنشَد، بل تُفكَّك، ولا تُستقبل بالعاطفة، بل بالعقل المتأهب. والاستعارة فيه ليست ترفًا بلاغيًا، بل ضرورة معرفية، والكلمة لا تُلقى لتؤدي معناها، بل تُستجوب حتى تبوح بتاريخها وطبقاتها وارتباطاتها الخفية. ومن لا يحتمل هذا الجهد، فالأجدر به أن يعترف بقصور صبره، لا أن يطعن في النص.

أما رواياته، فهي امتحان حقيقي لمفهوم الرواية ذاته. إذ لا يعترف فيها بما يُسمّى الحبكة، ولا بما يُطلب من الشخصيات من تطوّر نفسي أو مسار درامي، لأنه لا يرى الرواية حكاية تُروى، بل مجالًا تُختبر فيه الذاكرة، واللغة، والزمن دفعة ،واحدة. شخصياته ليست أفرادًا من لحم ودم بالمعنى الساذج، بل كيانات لغوية، تتحرّك داخل التاريخ كما تتحرّك الفكرة داخل الذهن، والمكان عنده ليس إطارًا للأحداث، بل أثرًا لغويًا مشحونًا، لا يُرى بقدر ما يُقرأ.

ومن العبث، بعد ذلك كله، أن يُوصم هذا المشروع بالنخبوية، لأن النخبوية الحقة ليست في ارتفاع النص، بل في انخفاض سقف التلقي. إنما يُتَّهَم سليم بركات لأنه يرفض أن يُبسّط، ويرفض أن يُهادن، ويرفض أن يكتب على مقاس السوق أو الذائقة المستعجلة. وهو، في ذلك، أقرب إلى الكتّاب الذين يرون في الأدب مسؤولية عقلية لا مهنة ترفيهية، ويرون في اللغة أداة معرفة لا وسيلة استهلاك.

إن قيمة سليم بركات لا تُستمد من كثرة قرّائه، ولا من سهولة الاقتباس منه، بل من كونه واحدًا من القلائل الذين أعادوا وضع اللغة العربية أمام امتحانها الجدي: هل تستطيع أن تفكّر، لا أن تُردّد؟ هل تستطيع أن تحتمل الكثافة، لا أن تكتفي بالبلاغة؟ وهل تستطيع أن تكون وعاء معرفة، لا مجرد قناة تعبير؟ وبركات، في مجمل مشروعه، يجيب عن هذه الأسئلة بالفعل لا بالادعاء، ويبرهن أن العربية، حين تقع في يد كاتب يعرف ثقلها، تستطيع أن تُنتج فكرًا، لا أن تستهلك معنى.

بهذا المعنى، فإن سليم بركات ليس كاتبًا لمن يطلب المتعة السريعة، ولا لمن يريد أدبًا يُشبه ما يعرف، بل لمن يرى في القراءة فعلًا عقليًا شاقًا، وفي الكتابة ضربًا من ضروب التفكير العميق. ومن لم يحتمل هذا، فليس النص هو المشكلة، بل معيار القراءة نفسها

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطيـن

يضاف هذا الكتاب إلى جهود الباحث السعودي حسن عبد العلي آل حمادة التي بدأها في كتابه “أمّة اقرأ لا تقرأ” ونشره عام 1417هـ/ 1997م، ثم صدر له كتاب بعنوان “الكتاب في فكر الإمام الشيرازي” الذي طبع مرّتين الأولى عام 1421هـ/ 2001، والأخرى عام 1422هـ/ 2002م، كما صدر للمؤلّف كتاب “يسألونك عن الكتاب”…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

لَيست السُّلطة الأبوية مُجرَّد علاقة عائلية بين أبٍ وأبناء، بل هي بُنية رمزية وثقافية وسياسية تمتدُّ جذورها في اللغةِ والمُجتمع والعُرف والاقتصاد والدَّولة. وحِينَ يتناول الأدبُ هذه السُّلطةَ، فإنَّه لا يكتفي بوصفها نظامًا اجتماعيًّا، بلْ يكشف آلياتها العميقة في إنتاجِ الخَوف والطاعة والعُنف والاغتراب. ومِن هُنا تأتي…

صبحي دقوري

ليس كتاب «هذا هو الإنسان» لفريدريش نيتشه كتاباً يخرج من رفّ الفلسفة كما تخرج الكتب المطمئنة إلى أسماء فصولها، ولا سيرةً ذاتية تمشي على مهلٍ في ممرّ الذكريات، ولا اعترافاً يطرق باب المغفرة. إنّه نصٌّ ينهض كحيوانٍ جريحٍ من غابة الفكر، ويحدّق في قارئه بعينين لا تطلبان الشفقة ولا التصديق، بل تطلبان الاستعداد للصدمة….

مقدمة الكتاب

ها هو “النوروز” يخرج أخيراً من بين رماد القرون، لا بوصفه عيداً عابراً في تقويم الشعوب، بل بوصفه ذاكرةً حيةً تمشي على أقدام التاريخ، وتحمل في عينيها نار الحرية الأولى.

وها هو الكتاب الذي كتب بالحبر والوجع، بالصوت الذي عبر الجبال طويلاً، وبالأغاني التي ظلت تنجو من الخراب كلما حاولت الإمبراطوريات أن تطفئ شمس الشرق.

لقد…