الألقاب لا تصنع مفكّرين

صبحي دقوري

 

ليس أخطر على الثقافة من لقبٍ يُمنَح قبل الاستحقاق، ولا أضرّ بالفكر من صفةٍ تُعلَّق على الصدور كما تُعلَّق الأوسمة على صدور الجنود في مواكب الاستعراض. فالفكر عملٌ، واللقب دعوى، وما بين العمل والدعوى مسافةٌ لا يقطعها إلا الصدق والكدح وطول المعاناة في محراب المعرفة.

وقد بلغ من تهافت الأوساط الثقافية في زماننا أن غدا اللقب فيها سابقاً على المنجز، وغدا الاسم أكبر من المسمّى، بل صار المسمّى أحياناً أثراً باهتاً لاسمٍ منفوخٍ بالادّعاء. ترى الرجل لم يُحكم باباً من أبواب العلم، ولم يُضِف إلى مسألةٍ رأياً مُعتبراً، فإذا هو “مفكّر”، فإن زاد في الضجيج قليلاً أصبح “فيلسوفاً”، وإن أحسن توزيع صوره ومقالاته قيل عنه “الناقد الكبير” و“العلامة” و“الأوحد”.

وهذه — في ميزان العقل — آفةٌ مزدوجة: آفة في صاحب اللقب، وآفة في مُطلِقه.

أما صاحب اللقب، فإنه يركن إلى الاسم فيقعد عن العمل، ويستريح إلى الصفة فيعفى — في ظنه — من البرهان.

وأما مُطلِق اللقب، فإنه يُفسد معيار القيمة، ويشوّش على القارئ، ويخلط بين المجاملة والتقويم، وبين الترويج والحقيقة.

إن الاسم — في جوهره — إشارة، لا شهادة.

واللقب — في أصله — تعريف وظيفي، لا رتبة وجودية.

فالشاعر شاعرٌ لأنه يقول شعراً يُحتجّ به، لا لأنه عُرِّف في بطاقةٍ أو قُدِّم في ندوة. والناقد ناقدٌ لأنه يزن ويحلّل ويكشف، لا لأنه يكتب انطباعاً عابراً ثم يطالب الناس أن يرفعوه إلى مصافّ القضاة.

ومن الخطأ الشائع أن يُظن التطابق بين الاسم والمسمّى. فلا أحد هو “العدل” لأنه عادل، ولا أحد هو “الحقيقة” لأنه نطق ببعضها، ولا أحد هو “الفلسفة” لأنه استعمل مصطلحاتها. ذلك وهمٌ لغويّ إذا انتقل إلى المجال الثقافي صار تزويراً معنوياً. فالصفة حدٌّ تقريبي، لا ماهية مطلقة، ومن جعلها ماهيةً فقد عطّل النقد، وأغلق باب المراجعة، ونصّب الأشخاص تماثيل.

وليس أعجب من كاتبٍ يرفض أن يُسائل نصّه، ويغضب إن نوقش، ويأنف إن خولف، ثم يطلب — في الوقت ذاته — لقب المفكّر الحر! إن الحرية الفكرية لا تُمنح ببطاقة تعريف، بل تُنتزع بالقدرة على احتمال النقد، والوقوف في وجه المراجعة، والرضا بأن يكون القول عُرضةً للأخذ والرد.

إن الأمم الحيّة لا تصنع كتّابها بالألقاب، بل بالامتحان.

تمتحنهم بالزمن، وببقاء الأثر، وبقدرة النص على العيش خارج صاحبه.

أما الأمم القلقة ثقافياً، فتستعجل التتويج، وتفرط في المنح، وتُكثر من التيجان حتى تبور العملة.

وإذا أردنا ميزاناً لا يختل، فليكن بسيطاً صارماً:

لا تسأل: ما لقبه؟

بل اسأل: ماذا كتب؟ ماذا أضاف؟ ماذا غيّر في فهم مسألة؟

هل يمكن لنصّه أن يقف وحده بلا عكازٍ من لقب؟

الكاتب الحقّ لا يطلب اسماً كبيراً، بل يطلب قضيةً كبيرة.

ولا يخشى أن يُنادى باسمه المجرّد، لأن كلمته هي التي تتكفّل — إن استحقت — بصناعة لقبه بعد حين.

وما سوى ذلك ضجيجُ سوقٍ، يعلو نهاراً ويخفت مساءً، ولا يبقى منه في سجلّ الثقافة إلا الصمت

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

شكري شيخ نبي ( ş.ş.n)

يا نديم الراح وصنو الرواح
دع شفاه الكؤوس ترتل اليبابا

دع الكؤوس تعتلي كالمآذن
تصدح كناقوس كنيس السيانا

لا بيت يليق بصاحب السماء
إلا كأس قلب يمخر لج الريانا

ودع اللوم فإن اللوم إغراء
ورب دواء بالداء كان بها كهانا

فالعلم يعرج في السماوات
والجهل يحاكي مشي الرزانا

من جهل الحب سماه هياما
ومن افترى عليه أسماه الغراما

ما كان الحب سوى العتاب
ونوح…

بمناسبة يوم اللغة الكردية يقيم الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد ندوة مشتركة للكاتبين:

عدنان بشير الرسول: بعنوان مصاعب وتحديات اللغة الكردية
فتاح تمر: بعنوان وضع اللغة الكردية في كردستان الشمالية

يوم السبت 16.05.2026 الساعة الواحدة ظهراً، والعنوان بالملصق.
يسرنا حضوركم.

إبراهيم اليوسف

صدرت حديثاً، عن دار نوس هاوس في هولندا للنشر والترجمة، مجموعة قصصية لأربعة وعشرين كاتبا وكاتبة بغلاف أنيق تحمل لوحة فنية للفنانة التشكيلية روجين حاج حسين ترجمها الكاتب والناقد السوري صبري رسول من الكُردية إلى العربية بعنوان: مختارات من القصة الكردية القصيرة.
وتضم المجموعة ستا وعشرين قصة، تتناول الشؤون والهموم الفردية والشخصية والاجتماعية والإنسانية. يؤكّد…

إبراهيم اليوسف

يفتتح أكرم سيتي فيلمه القصير “الكرسي” طوال برهة يلتقط فيها المشاهد الأنفاس، عبر صمت مطبق، بطيء الإيقاع، وثقيل، حيث تدخل الكاميرا مباشرة إلى منطقة سياسية شديدة التأجج داخل الواقع الكردي، بل داخل الجرح الكردي، فالمشهد يتحرك حول كرسي واحد، بينما تتكاثف حوله ظلال السلطة والقيادة- بأشكالهما- من سمة الامتياز والابتعاد التدريجي عن القضية التي…