لوحات خريفية… حين يصبح الفقد وطناً آخر

آناهيتا حمو| باريس
كلّما اقتربتُ من باريس، يغمرني صدى اغترابٍ لا يشبه سواه. ليس اغتراب الجغرافيا وحده، بل اغتراب الروح حين تفقد بعضًا منها. هناك، بين محطةٍ وأخرى، يتسلّل إليّ طيف الراحلين، فأشعر أن المدن مهما اتّسعت تضيق بفكرة الغياب، وأن الطرقات الطويلة لا تكفي لتهدئة سؤال الفقد.

لم نبتعد بعدُ عن خيام العزاء. ما زال الحزن طريّاً، وما زالت الذاكرة مشبعةً بأصوات البكاء، ووجوه المعزّين، وملامح الصدمة الأولى. رحيل الأخت والأخ ليس حدثاً عابراً في تقويم الأيام؛ إنه زلزالٌ يعيد ترتيب العمر كلّه. فجأةً يصبح الماضي أثقل، والمستقبل أكثر هشاشة، والحاضر مساحةً معلّقة بين تصديقٍ وإنكار.،مراحل فقدان عزيز حدث مثير للذاكرة؟
في قامشلو، في روجافا كوردستان، كما في هانوفر وإيسن، امتدّت خيوط العزاء بين القلوب قبل أن تمتدّ بين الأمكنة. كان الحزن عابراً للحدود، كما كانت محبتهم عابرةً لكل المسافات. من فيّينا إلى يينا الألمانية، ومن كلّ مدينةٍ احتضنت دموعنا غربتنا، وصلتنا رسائل المواساة كأنها جسور نورٍ فوق نهر الدموع والألم.
الفقد لا يختار توقيته، لكنه حين يأتي في الغربة يضاعف وطأته. في الوطن، ثمة جدارٌ أو شجرةٌ أو نافذةٌ تحفظ بعض الوجع. أما في المنافي، فيرتدّ الحزن إلى الداخل، يتكثّف، ويتحوّل إلى قناديل صمتٍ طويل. كأن الغربة تعلّمنا كيف نبكي كهديل حمامات أخي تراودني ذكريات كُردية عريقة، بلا ضجيج، وكيف نواصل السير رغم أن جزءاً من الطريق قد انطفأ.
شباط هذا العام لم يكن شهراً عابراً وإعتيادي كان مجنوناً، عاصفاً حصد زمناً جميلًا من ذكرياتنا. ومع ذلك، وسط هذا الركام من الدموع، برز معنى آخر لا يقلّ أهمية: معنى التضامن. أصدقاء الطفولة، رفاق الحبر، الحرف، الكتّاب والصحفيون الكُرد في أوروبا، وكلّ من شاركنا كلمةً أو دعاءً أو لحظة صمت جليل … كانوا البلسم الذي يخفّف حدّة الجرح. في لحظات الإنكسار الكبرى، نكتشف أن الإنسان لا يعيش فقط بما يملك، بل بما يُحاط به من محبة.
شيئاً فشيئاً ينفرط عقد اللؤلؤ، وترتقي حبّاته إلى السماء. هكذا أحبّ أن أتخيّلهم: نجوماً أضيفت إلى ليلنا الكُردي الطويل، لا لتزيده ظلمة، بل لتمنحه معنى. رحيلهم المبكر لا يمكن تبريره، لكن يمكن تحويله إلى ذاكرة حيّة، إلى سيرةٍ عطرة تذكّرنا بأن العطاء لا يُقاس بطول العمر، بل بكثافته وبعمقه.
رحم الله كل من فقدناهم،
رحمَ الله أبي وأمي، وأخي وأختي، وأسكنهم واسع جنّاته. لم يكن وداعاً عادياً، بل وداعاً بطعم العلقم. ومع ذلك، سنحاول أن نحمل هذا الألم بكرامة، وأن نحوله إلى كتابة، إلى شهادة، إلى وفاء.
الفقد يغيّرنا، نعم. لكنه لا يجب أن يسلبنا قدرتنا على الحب. كما زرعته أختي الغالية الأم الحنونة المعطرة بأريج كُردستان، في كل مدينة نعبرها، في كل محطة قطار، في كل شمسٍ شتوية تلامس أهدابنا، سنهمس بأسمائهم. سنواصل الطريق، مثقلين بالحزن، لكن أوفياء للذكرى.
هكذا فقط يمكن أن يصبح الفراق بدايةً لشكلٍ آخر من الحضور؛ حضورٍ يسكن القلب، ولا يرحل.
أخي بروحه الحاضرة.

17 شباط 2026

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صبحي دقوري

ليس الاختلاف نقصاً في نظام العالم، ولا عيباً في بنية الحياة، ولا شذوذاً عن قاعدة الخلق، بل هو القاعدة الخفية التي يقوم عليها كل شيء. فما من حركة في الطبيعة إلا وفي أصلها فرق، وما من ولادة إلا ووراءها تباين، وما من فكرة جديدة إلا وقد خرجت من احتكاك فكرتين، وما من مجتمع…

بدعوة رسمية من اتحاد الكتاب الصينيين، شاركت الشاعرة الفلسطينية د. نداء يونس في فعاليات المهرجان الدولي لشعر الشباب 2026 (الدورة الخاصة بالصين والدول العربية)، الذي أقيم خلال الفترة من 8 إلى 17 مايو، إلى جانب نحو 50 شاعرًا من 13 دولة عربية، و45 شاعرًا صينيًا، بحضور أكاديمي وجماهيري واسع.

وأقيم المهرجان بتنظيم مشترك بين اتحاد الكتاب…

عصمت شاهين الدوسكي

اشْتَقتُ أن يَكُون الدَمْع وَهْجَ اللِقَاء
تَأمًلُتُ أن يَلْتَقِي المَسَاء بِالمَسَاء
تَخَيًلْتُ أن يَقْتَرب هَمْس السَرَاء
اشْتَقتُ كَشَوقِ الظَمْٱن لِلمَاء
فَلا تَتركِيْني بَينَ الأرْض وَالسَمَاء
…………
أيُ خَمْر فِيكِ يَكْسُر كَأسِ اللِقَاء
أيُ رَشْفَة تُعَانِق نَبيذ الرَوَاء
لا جَرَم أهْذِي أمَامَكِ كَمَا أشَاء
يَقْتُلُنِي نَبيذكِ يَا مَولاتِي الحَسْنَاء
لا يهمني أمَامكِ أكُون مِنَ الشُهَداء
……………
قَلْبُكِ مَرهُون…

متابعة : عبداللطيف الحسيني

ملفّ Kovara Şermola مجلة شرمولا عن الشاعر Ehmed Huseyni العدد (28).
وللمشاركة باللغتين العربيّة و الكرديّة يمكنكم مراسلة الصديق العزيز Aram Hesen أو على الإيميل aramhesen11@gmail.com
الريادة والتجديد في مسيرة الشعر الكردي المعاصر :رحل أحمد حسيني تاركاً خلفه لغةً لا تنطفئ، وقصيدةً كانت بمثابة الجسر العصيّ بين أصالة الجذور الكردية في (عامودا) وآفاق الحداثة…