إبراهيم محمود: الاحتكام إلى الجبل” باحث في مركز بيشكجي للدراسات الإنسانية- جامعة دهوك”
عن المكان الذي ينتظرنا
تُعرَف الأمكنة بأسمائها، وتستمد هذه الأسماء قيمتها من مرجعياتها المكانية. وإذا كان الجبل، كمفهوم مكاني جبلاً. فإنه من السهل جداً، النظر في صورة معينة، أو استدعاء صورة من الذاكرة، بوصفها صورة جبل. لكن الجبل ليس واحداً. لا جبل إلا ويكون له توصيف عدا عن الاسم الذي يُعرَف به، انطلاقاً من القيمة التي اكتسبها ، وتُعزى إليه مكاناً ليس عادياً، ليخرج عن اعتباره جماداً بالتأكيد.
هوذا حال الكُردي! حيث إنه لا يقيم علاقة مع الجبل بوصفه الممتد هنا على مد نظره، أو الشاهق إزاءه فحسب، بقدْر ما يكون ملاذ أمان تاريخياً أيضاً، وعلاقة كهذه، لا بد أنها تكتسب صفة استثنائية، شاهدة عيان مركَّبة: جغرافية وتاريخية، أو تاريخية وجغرافية، حيث إن كلاً منهما تشير إلى الأخرى وتستحضرها، تكمّلها وتستكمل بها. تركيبة لا ينفرد بها الكُردي وحده بالتأكيد، تمثيلاً لشعب كامل، وهو مسكون بعلاقة مكانية، بموقعها الجغرافي مقدَّرة بحدود عرِفَت بـ” كُردستان ” المركَّبة بدورها: الشعب الذي سكن الجبل، لأن البداية، كما يبدو، مكانية جبلية ” كوه”، بناء على متابعة للمؤرخ الكُردي الشهير ” جمال رشيد أحمد”، لتأخذ المفردة/ العبارة صيغة علائقية سياسية تالياً” أرض الكُرد “، والأرض تعني الجبل وأبعد، أي حيث يكون الجبل في شمول ” الأرض ” علامة فارقة ورحالة في كل من الذاكرة الكُردية والتاريخ الكُردي، والأرض هذه، كما هو معروف عنها ليست منحصرة بالجبل طبعاً، إنما تتجاوزه، لكنها من حيث العلامة المميّزة، علامة دالة على شعب، على نوعية تكوين ووجود، تكون هذه الأرض مسنودة ومقرونة بجبل، وما يعنيه باسمه ورسمه، من سموّ وهيبة وثبات وحتى قدسية، في ثقافات مختلفة” ميرسيا إلياد” الأنثروبولوجي، فصّل في ذلك كثيراً، كما في كتابه الأثير: أسطورة العود الأبدي”. هل الجبل في ذاكرة الكُرد الجمعية، مختلف باسمه المعروف، ومغايِر تماماً لكل أصناف الجبال في العالم؟
من المؤكد، ومن باب البداهة القول، أنه غير مختلف ومغاير، كمفهوم جغرافي، تضاريسي، أو جيولوجي، سوى أن علامته الفارقة التي أضفت عليه حضوراً، وديمومة في ثقافة تسمّي الكُرد منسوباً إلى الجبل، ومعرَّفاً به، بأكثر من معنى واعتبار، تتمثل في جملة ظروف حياتية: اجتماعية، سياسية، دينية، معتقدية، وثقافية، تفاعلت بـ” كاريزما ” الجبل، تعبيراً عن تجلّيه حزامَ أمان وجودياً، وأشبه بـ” قبَّعة الإخفاء ” الأسطورية، التي تغيّب الكُردي عن الساعين إلى النيل منه، أو كسْر شوكته، وحتى استعباده، لتكون نسابته الأخرى المتداولة هنا وهناك: سليل الجن، إشعاراً بقيمة، وليس بخرافة أو وهم، تعزيزاً لمكانة، لتاريخ يتكلم حقيقة مكانية، وليكون ” كاوا الحداد ” نفسه، أكثر من كون الاسم الرحالة في التاريخ، والصفة المهنيَّة المرفقة، إشهاراً بمثل هذه القرابة المفعَّلة ، وما في الحِدادة من صنعة يدوية تترجم مرحلة تاريخية متقدمة بشرياً” أي ما يعنيه الحديد كهذا، في شرارات منبثقة منه جرّاء الطرق، أو العمل عليه، وصلة كل ذلك بالنار، بما هو طبيعي” وبروز المكانة ورؤية هذه المكانة جبلياً، وليكون الاسم الأكثر حضوراً قدسياً، على وقْع هذه الشبكة اللافتة من المشاهد الحية الراسخة في الوجدان الكُردي الجمعي، مفصحاً عن ثقافة يلتقي فيها الأرضي بالسماوي ” نوروز: كاوا طبيعته ” وصفاء الدال: القدرة على البقاء.
أليس هذا ما يمكننا تتبّعُه، والمضيّ إليه ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، بمعيّة الجبل، وليكون في العبارة العابرة هذه لحدود الكُردي، وما احتفظ به الكُردي لنفسه اعتقاداً، وذات الصدى عالمياً” لا صديق للكردي سوى الجبل”، إنهما توأم مادي ومعنوي، وما في ذلك من طابع إعجازي مستدرَك، كما هو المأثور في كل أصل يعرَفُ به شعب معين، وللكردي خاصيته هذه، وهي التي يمكن إيجازها في هذه المقولة الشرطة: إذا أريدَ النيل من الكُردي ومحوه من الوجود، فليكن البدء بالجبل، وهذا مستحيل! ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى بنية العلاقة بينهما، وحتى نظرة الآخرين إليهما.
أتراني أسهبت فيما يشبه المقدمة، وأمامي، وبين يدي، جبل البيشمركَي الكُردي التليد رزكَار كيستي، في الكتاب الذي ينقل إلينا بعضاً مما يحتفظ به في علاقته الروحية والفعلية، كتجربة كفاح ونضال كردية، بمأثورها الجبلي، علامة فارقة في البقاء، كتاب يحمل اسمه، وهو ، إنصافاً، جدير بذلك” تحت ظلال الجبال ” وما يحدد المحتوى طيَّه أكثر” من ذكريات الثورة والمقاومة ” وهي بترجمة متعوب عليها بحِرفية قائمة، وعن طبعة كردية قبل سنوات، من قبل بلند داوود، ومراجعة وتقديم باحث ومؤرخ كردي له حضوره في هذا الجانب” الأستاذ الدكتور عبدالفتاح علي البوتاني” من إصدارات : مركز كوماته لتوثيق تاريخ الثورة، ومكتبة البوتاني، دهوك” 2026″، وفي ” 660 صفحة ” من القطْع الكبير، وتجليد أنيق، ويتضمن، في نهايته، ملحقاً لصور بكاميرا المؤلف نفسه” 35 صفحة”، وسيأتي الحديث عن هذه الصور، ولو بإيجاز، ودورها في تعميق خاصية الكتابة ذات الطابِع التأريخي- السّيري معاً.
وتوضيحاً أقول: التأريخي، لأن ليس من كلمة سطّرت، إلا وتنعطف على ما هو مكاني- جغرافي، في حدود معتبَرة لـ” إقليم كُردستان العراق “، حتى لو كانت فعلاً، حتى لو كانت صفة، كون المكان وعاء كل منهما، وفي الحالتين تمارس السردية الكُردية دورها، وظيفتها، واجبها القيمي، الإنساني، النضالي، وهو مستمر، والسّيري، لأن هناك من يتحدث من الداخل، وليس الخارج، من رجل معروف وجودياً لا حدودياً، كما يقال، من عمل ميداني، مؤرشف هنا وهناك، فثمة ما هو مسجَّل باسمه، والذاكرة الحية شاهدة الحالة وعرّابته، وما لهذه التركيبة من مأثرة ثقافية، للجبل اعتباره في توثيقها وإبرازها: التاريخ الكُردي الذي ينتظر حضوره كما يستحق تالياً، بلسان بنيه، كما هي الصفة المتوقفة على ” البيشمركة ” اسماً ومفهوماً، مقاماً ومقالاً.
ومن هذه الزاوية، يكون لقاء الكتاب في معذّبه الداخلي” طي الذاكرة ” كان عنوان مقالي المحرَّر من المصادر المباشرة، مرتبطاً بعنوان الكتاب، أي بحصاده السّيري!
ذلك يأتي إسهاماً ثقافياً، من جهتي، في رفْد المسطور من الذاكرة، الذاكرة التي تخلص لمكانها، بما هي أهْل له، كقيمة، كحق تاريخي، ولو باختصار، كإضاءة، ولو كومضة، وما في ذلك من إمكان لفت نظر معتبَر، ففي قراءة الكتاب ما يجعل ماضيه المسطور فيه بطريقته، كما لو أنه يحتضننا، يحن إلى قراءة ما، ونكون في كرم ضيافته، على قدْر التفاعل مع المسمّى فيه من أحداث ووقائع، من صور ودلالات، وراهناً، رغم أن مفهوم ” الراهن ” كردياً له مغزى آخر، غير ما يعرَف به في ثقافات أخرى، لحظة النظر في التاريخ وواقع الحال، لأن راهن الكُردي مفتوح على جهتيه: ماضياً ومستقبلاً، طالما أن الكُردي ينظر في ماضيه ليمضي إلى مستقبل يحمل اسمه بجدارة، إنه الماضي الذي يشعره بعدم ما يتهدده، والمستقبل الذي يعتبَر حسرة متجددة..
ولأنني حضرت نشاطاً ثقافياً حول حفل توقيع كتاب، في مكتبة ” البوتاني ” في دهوك” الثلاثاء، 21-4/ 2026 “،حيث جرى الاحتفاء به، بتسليط الضوء عليه من قبل الدكتور البوتاني نفسه، والحديث عنه، بإيجاز من قبل واضعه نفسه ” رزكَار كيستيي”، وقد كان هناك كيل مديح له، ممَّن حضروا، وشاركتُ بتواضع في هذا السياق، كوني اطلعت عليه، لبعض الوقت، قبل ذلك بيوم، وكواجب ثقافي قبل كل شيء، وليوزَّع على الحضور، وما أتمناه إثر ذلك، هو إعطاء الكتاب ما يستحق، لأن واضعه أعطى كرده ووطنه الكثير مما يستحقانه. إنه دَين إذاً!
العنوان عيانياً
ماالذي دفع بكيستيي إلى تحميل سيرته النضالية، ومن خلال قائمة مختارات من الذاكرة الحية له، عنواناً كهذا؟ من باب البداهة القول، أن ليس من اعتباطية في وضْع عنوان لعمل ما، دون مسوّغ شخصي، أو نفسي. لا دخول هنا في رهانات المعنى، بحثاً عن ” الكلمة ” الأكثر صواباً، يكفينا في هذا المقام، أن الرجل صادق َنفسه بما صادق به المكان الذي هو مسقط رأسه، والمكان الذي هو متنفسه الروحي والجغرافي، والمكان الذي هو رقعته الجغرافية الذي يسمع في ساحتها المعروفة صوتَه الكُردي، صحبة صورته الكُردية، والمكان الذي يصبو إليه، بدمغته القومية المستحقة، ليكون الإيجاز المجاز جبلياً، أقرب إلى يقين المعنى ومعينه أثراً، وفي الذائقة الكُردية الرحالة أبعد مما هو كرديّ نفسه، وما يضفي عليه طمأنة علاقة ” تحت ظلال الجبال “.
في اعتقادي، أن كلمة ” الجبال” الجمعية يمكن النظر إليها من منظور المفرد، كما هو المألوف” الجبل “، ليكون جنساً يضم أنواعاً تحته، وقد أبديتُ ملاحظة في تعليقي على الكتاب في الجلسة الاحتفائية، أنه لو كان هكذا” في ظل الجبل ” لكان أكثر إيفاء بالمعنى، وتجاوباً مع العنوان الكُردي، والمتوخى من العنوان نفسه، لأن ” في ” حرف جر” ما يمضي بنا إلى الداخل العميق، وما الظل إلا المعطف العائد إلى الجبل والذي به وفيه يجد الكُرديُّ ملاذاً له، وتحدّياً لمَن يعاديه. إنها إشارة عابرة لا تقلّل من حيوية العنوان وما يتحدد به، والذي أرى فيه لفتة وعي قائمة من قبل كيستيي” من ذكريات الثورة والمقاومة “، أي ما يزيد على المسطور، وما يمكن إضافته لاحقاً، وما يبقي المسطور أكثر إبرازاً لحقيقة مكانية، وتغذية لفضول معرفي واستزادة منه.
حقيقة، إن الاعتماد على الذاكرة مغامرة لا تخلو من مخاطر، طالما أن المنتظَر هو تحويل المحمول في لوح الذاكرة المحفوظ، بطريقة ما، مغامرة تستحق العناية والرعاية، والمخاطر في نوعيتها، على قدْر المرتقب من الذاكرة، أي في كيفية ” الإفراج ” والسماح لما هو محفوظ، وفي موضوع يشغل الذهن، وجعْله حاضر تاريخ، وما في ذلك، وعليه من تبعات، جهة المساحة الزمنية، وطبيعة الجاري” سحْبه ” من رصيد الذاكرة، ليكمون الكُردي، هنا في وضعية تحد تجاه نفسه، ومن ينتظره، قارئاً، أو ناقداً، ومدى دقة المعلومة وصورتها. لأن الذاكرة وضعية احتجاز في ماض معلوم ومرقوم،في عهدة حاملها، محجوبة عن الرؤية خارجاً، خلاف التاريخ الذي، وإن توقفَ على ما كان، ووليد سالف له، فهو نزيل حاضره، وربيبه المنتقل إلى مستقبله!
والمكان، إن توقفنا عنده، في مضمار معطياته حِمى الكُردي وحُمَاه، بالقدر الذي يتفاعل معهما، حيث يكون بيتَه الجغرافي الحدودي باسمه ومسمّاه، وشاغله الأشبه بالحمّى التي لا تفارقه في كليته، على وقْع انهمامه تاريخاً وجغرافية.
هنا، أي من هذا المنطلق، أو نقطة البدء المختارة والمدروسة بعناية، يبرز ما اشتغل عليه مؤرخو فرنسا خاصة” حال بيير نورا ” في الربط بين ما ذهب إليه بعبارة ذات دلالة ” واجب الذاكرة Le Devoir de Mémoire ” : كيفية التيقظ جهة الأمكنة وكائناتها وأنشطتها، وربطها في سياق منطقي له معنىً بالتأكيد، كما لو أن الذاكرة نفسها في عملها هذا، مختبَر حاملها، ومختبِرته معاً، ومع العبارة هذه، عبارة أخرى، تمضي بنا إلى المحيط الذي نعيش فيه بعموم تضاريسه، أي ” أمكنة الذاكرة
Les Lieux de Mémoire “، وهي التي تبقي الذاكرة في وضعية مساءلة ومقارنة بين ما تحتفظ به من كل ما يحيلها إلى ما هو مكاني، وبناء على أي أساس، منهج، أو منظور ثقافي، جرى العمل في نسج علاقاتها.
ألسنا في الحالة هذه نحاول جاهدين، ولكي تكون لنا بصيرة فاعلة تعنينا آتياً، أن نخلص لما كان، ونتفاعل معه، لنتمكن بعدئذ من تخطيه وجعْله طوع إرادتنا معرفياً؟
أن يكون الجبل، كمفرد جمع، هو الحامل ” المسبحي ” إن جاز التوصيف، لكل ” حبات ” الجغرافيا تاريخياً، أي ترجمان إحداثياته التي تتوزع داخله وخارجه، إفصاح عن رمز، أشبه بشيفرة تقطع الشك باليقين، عبر بروز الجبل هذا، في قمته، وارتفاعه، وأهليته، لأن يُتَّخذ ركيزة متحركة تسمح للمقيم/ الواقف/ الناظر في جهاته الأربع، استشرافاً لأمداء بعيدة، وتبين الأجسام المتحركة وتسميتها. الجبل، بهذا المعنى، مجاز بشهادة خرائطية، على أتم علاقة ليس بما هو حسابي، مجرد أسماء أو أرقام ليست إلا، وإنما – كذلك- بما هو هندسي، حيث يتشكل لدينا مجتمع حي بمواصفاته المطلوبة، ونظراً إلى عراقة هذا المجاز باسمه، ومألوفيته كردياً، وعبْر تجارب تاريخية متراكمة، تتم مواكبة الأحداث، وتسجيل الوقائع، من وعبْر هذا ” المرصد ” الطبيعي والمعطى للكردي، كما لو أن الكُردي بهذا المعنى هبَة الجبل وليس سواه.
من الجبل وإليه، يكون ” ظِل ” كيستيي ” أي ما يجعله ثقة في مضمار سرد ” تاريخه ” في أفقه ” الجبلي”، وما قائمة الأسماء الكبرى: تواريخ، مواقع، أحداث، أشخاص، كائنات في ” منظار ” المرصود، وفي وضعية المحارب المستميت، أو اعتماداً على بلاغة أهلية ” البيشمركَة “، إلا الزئبق الدال على ما هو توازني لديه.
بالطريقة هذه يكون الكاتب السّيَري، بين أن يكون شاهداً على نفسه وبها، ومسئولاً أمام قارئه الذي لا ينفصل عنه، رغم وجود فك ارتباط إجرائي، بغية التمكن من تقصّي المخفي والملتبس أو الشائك نصاً، إنما يكون الكُردي: رفيق دربه، قضيته، كرديّ المكان نفسه، والشاهد على نوعية شهادته نفسها، وهذا ليس بالأمر السهل، وفي كتاب ضخم، ليس بالمعنى الكمي، إنما النوعي، دلالة هذا التعيين المركَّب.
وما يلي العنوان وينيره، يعزز المتوخى” من ذاكريات الثورة والمقاومة”. ربما من يعيش مناخ المقاومة، وينعجن بمتغيراتها الفولكلورية، والثورة معها أو قبلها، ويتفاعل مع المكان، و” يحمل روحه على راحته “، والكُردي هو القريب منه، والمجاور له، أي موطنه في قضيته القومية، ربما هذا يعلم نوعية المجابهة، حيث هناك إمكان قول المزيد في فعل لم يختم أداءه، والثورة تحيلنا إلى درج الليل والنهار خارجاً، والمقاومة نفسية وجسمية ، في المدينة، أو حيث تتنوع علاقات تعزز طرق الاتصال بالخارج، رغم المحدد الزمني في الكتاب توثيقياً” 1982-1991″، فما يُقرأ يضعنا بين ما قبل التأريخ المعلوم وبعده، كما سنرى، ليكون المرسوم تأريخياً، الأكثر تمثيلاً له.

في تعليقي على الكتاب في حفل توقيعه، في مكتبة الدكتور البوتاني

المؤلف الأستاذ رزكَار يوقّع كتابه وأنا مقابله
التقديم بمثابة إجازة صرْف تاريخية
ما سطَّره مؤرخنا وباحثنا في التاريخ الكُردي المعاصر الدكتور البوتاني، في صفحات تترى ” 17 صفحة ” إنارة وإسناد علاقات، يقرّب المسافة بين القارىء وكاتبه، جهة وضْع نقاط مهنية تاريخياً، على حروف مقدّمة تحت مظلة تاريخية.
يشكل تقديم الدكتور البوتاني للكتاب شهادة اعتبارية، من رجل معروف بخبرته في هذا المضمار، وهو نفسه من كان له دور كبير، في ترجمة الكتاب من لغته الأم” الكُردية ” إلى العربية، استجابة لوعي معرفي لديه، وهو أن الكُرد بحاجة إلى أن يكتبوا تاريخهم، واغتنام كل فرصة ممكنة لهذا الغرض، وعلى كل من لديه معلومة معينة، لها صلة بما هو مكاني أو عمل كفاحي المبادرة إلى توثيقها، وتثمينه للكتاب، وتأكيد الكاتب على مطلب الدكتور، عنصران داعمان للكتاب نفسه، ولهذا فإن اعتراف المقدّم بحبه للمذكرات، الذكريات، ليس تعبيراً عن هوى نفسي تحديداً، وإنما لما تنطوي المذكرات أو الذكريات عليه من معلومات مباشرة تطل من الداخل، وتعرّف بشخصية صاحبها، لهذا يكون ولعه، كما يُسمي” ص 13 ” موصول بهذه النقطة الدقيقة، وتقديره للأكثر حضوراً بمحتواها التاريخي والمفصح عن مرايا حياتية هنا وهناك، كما الحال في الموقف من الكتاب كاستثناء لافت” ص 14″. وهو يسمّي ما يستحق التسمية، جهة التأريخ المفصلي المحدد في الكتاب/ المذكرات” 1982-1991″ وحساسية المرحلة التاريخية العصيبة، ووقائعها ..”ص14″، ولم يخف تأثره بتلك المآسي التي عاناها شعبه، وكما سطّرها كيستيي، إلى جانب فرحه وتفاؤله بأولئك البيشمركة الأبطال ممن استماتوا في الدفاع عن كرديتهم” البيشمركة الصناديد. ص 20 “، ليكون ذلك حافزاً له في طلب ترجمته إلى العربية، إشعاراً بهذه المأثرة.
وفي السياق نفسه، وكما هو دأب البوتاني أو سعيه في تقصّي حقيقة تاريخنا الكُردي الذي ينتظر اسمه الفعلي، لا يدخر جهداً في الإشارة إلى أولئك الذين يساومون على قوميتهم، ارتزاقاً، ودخولاً في خدمة عدوهم القومي، كما في حال ” الجاش- الجحوش، بالجمع ” وهو يشدد عليهم ” ص 17″، ويطالب بأخذ موقف حازم منهم لكثرتهم وتأثيرهم السلبي في من حولهم، وخصوصاً في الذين يُعتبرون الكُرد الفعليين والذين يجري تهميشهم في نسبة معلومة منهم، ووجوب الإنصاف، والاهتمام بهم، ليكون الآتي أفضل كردياً” ص 28 “
الذاكرة في الخدمة الموقرة
كما ذكرت سابقاً، لم يُشمّر كيتسيي عن ساعديه، إلا لأمر جلل، لا يتوقف عليه وحده. ذلك هو شعور الكُردي البيشمركي، لدى أشخاص كثيرين، ما تمثّلوا الكُردية إلا تعبيراً عن مبدأ، وهو أحدهم، والفعل هو الذي يعطي القول فصاحته وصراحته ومضاء قيمته كتأريخ، كما ورد في مستهل مقدمة الطبعة الكوردية، حيث لا يعتبر نفسه بمثابة همزة الوصل بين ذاكرة حية معطوفة عليه، وتاريخ هو بياض، ينتظراً مداداً منه، إنما أحد هؤلاء الحريصين على ترْك بصمة في صفحة تاريخ رحبة، إلى جانب بصمات آخرين قبله، وإبّان كتابته، وبعدها، كما هو مفترَض، من موقع المسئولية، التي تنحّي الذات الشخصية جانباً، وما فيها من طلب شهرة.
هناك وعي ملحّ، وعي استئثاري، كموقف ممن كتبوا تاريخاً بوصفه تاريخ الكُرد وكُردستان، لكنه يبقى ناطقاً من زاوية المصلحة قليلاً أو كثيراً( وهذا يبين لنا كم نحن بحاجة إلى تسجيل وتوثيق ذاتي لقضايانا الخاصة..)، وكأن حرارة الإلحاح عليهوسيرورتها الزمانية- المكانية، وشعوره بسباق زمني، دفعت به لأن يسطّر ما سطَّره، وليس كل ما عاشه وشاهده، من لحظة التحاقه بالبيشمركة، وقد اختار مما عاش( ” 33 قصة ” وحادثة حقيقية تبين في محتواها ومضمونها الغني واقع حياة المناضلين وأوضاع الناس والثورة والبيشمركة…ص32 ).
ومن باب التأكيد على نسبه المبدئي: الكُردي القومي، يضع اسمه في نطاق” البيشمركة. ص33 “، تعبيراً عن هذه العلاقة الصميمية، وعن أن هذا الشعور الوجدي الواعي مستدام حتى لحظته وأبعد، أي حيث يتوقف الكتاب وتتابع أفكاره مسيرتها.
وما تعنيه، تالياً، قراءة الكتاب: مخاضه الروحي، بالعربية( إن أحد أهم أهدافي من تعريف كتابي هذا، هو: لأجلب انتباه الأخوة العرب إلى مأساة الكورد ومعاناتهم وإلى الغبن التاريخي الذي لحق بهم..ص36).
وهو ما نتلمسه بالمقابل، كتأكيد ولاء ٍ وانتماء إلى القضية المحورية: كرديته، ومتطلبات الكُردية هذه، في كلمة الإهداء الثلاثية، جهة الوالدين، السندين المأثورين له في حياته، ورفاقه البيشمركة ( الذين استشهدوا في خنادق المقاومة والذين أعدموا في سبيل حياة أفضل للكورد.).
كأنه بإهدائه ذاك، وبصورة لافتة ما يخص رفاقه البيشمركة، أفصح عن تقدير ووفاء لهم: فماً ودماً، وإشارة بعيدة المدى، لما يشغله، ويتوجب عليه قوله، لمن يهمه أمر الإهداء، أو مغزى أن يكون المرء كردياً بحق.
تتبع الأثر في مصفوفة الخبر
كيف تعامل كيستيي مع مخزون / خزّان ذاكرته، وهو إزاء هذا الحَمْل الثقيل والمتحدي لتاريخ قائم؟
من ناحية المسطور كتابياً، ثمة الرابط الدلالي بين تأريخه لاعتقاله من قِبل ( قوات الأمن البعثية في مدينة دهوك. ص 37)، والنهاية خارج الإقليم، وقد بلغت المأساة الكُردية أوجها، مع التدفق المليوني خارج حدوده ” 1991 “، ويتردد صدى الكُرد أبعد مما هو مسوَّر أو موضوع بالحديد النار من قبل الأعداء وحلفائهم، في شمال كُردستان، مع جرائم النظام البعثي، وفظائع النظام التركي في مواجهة هذا الانفجار القومي الكُردي، طي عنوان لافت” اليومان اللذان هزت فيهما ديار بكر” آمد ” عرش أنقرة”، وما جاء بلسان الكاتب ( هذا اليوم” 5-7/ 1991 ” ، أصبح بداية لمرحلة أكثر وحشية في تاريخ شعب كوردستان، فهي لم تكن مجزرة عادية، وإنما خطط لها بكثير من الدقة والخبرة، ولهذا استطاعت الدولة التركية خلال ست سنوات من تصفية ( 17500 ) شخصية كوردية بارزة… وهكذا ، عندما كان الشعور القومي والثوري الكوردي سائداً في ديار بكر وعموم شمال كوردستان ، في غضون ثلاثة أشهر هزت ديار بكر مرتين عرش الدولة التركية الغاصبة…ص 620 ).وما تخلل ذلك من انقسام في الصف الكُردي، ليشكل المساحة الضيقة والواسعة بين إحداثيتيْ تاريخ عصيب، لا أطول منه سخونة، ولا أعمق منه مأساة، ولا أكثر منه التفاتة نظر تاريخية بالمقابل، على وقع ديمومة النضال الكُردي، وحيث ثورة الكُردي تتداخل مع ثورته إلى الآن، مع بقاء باب النظر إلى البعيد مشرّعاً استناداً إلى مسمى البيشمركة، نوعاً مميَّزاً من الأمل بأن الآتي أفضل.
في المساحة الضيقة، يمكن رؤية الجاري في امتداد الوطن المجزَّأ ، بتفاصيله، احتداماً وإقداماً: أوليسَ في البدء بالاعتقال، خاصية إيحاء إلى ولادة وعي كردي مناهض لهذا الجاري، وشهادة دامغة على إرهاب المغتصب للوطن كرده، حيث لا يعود السجن جزءاً من هذا الوطن، إنما يشمله في مجموعه، ومن فيه كرداً يعيشون مناخه الموبوء، إنما مناهضة نظامه البيو- سياسي الخانق، والكاتب لم يزل على تخوم الطفولة القصوى، لكأن تفتّح القوى النفسية ترافق وتزامن مع هذا الإيقاظ ” البغيض سجناً.
والمشاهدة الحية والمتابعة لما جرى خارج الإقليم، تشير إلى وحدة الحدود الأصلية كُردستانياً، حيث مغتصبو الوطن الواحد، واحد في جملتهم، رغم اختلاف لغاتهم، وقاسم المشترك في الغي والعتو واحد بالمقابل..
إنه المفهوم الحسابي للزمن، كما توقفنا عنده بداية، ولكنه المفهوم الهندسي للزمن حين يكتسب قيمة ائتمانية نضالاً ووصالاً كرديين، ورفعاً لسقف الكُردية بما يتناسب والطموح المشروح للمسكونين بأفراحها وأتراحها.
تُرى هل كان الكاتب على دراية بمثل هذا التناهي الحدودي، واللاتناهي العابر للأول، بشرفته الجبلية؟
مهما كان رد الفعل، فإن اللغة أحياناً هي التي تتكلم بما يتجاوز المعطى المحتسب من لدن كاتبها، في وضع كهذا، تعزيز لحقيقة يعنى بها المحلل النفسي، وهي في ثمرة القوة الكامنة النفسية، في لاشعورها تحديداً، وذلك التناغم بين الأخير وشعوره، واستواء النفس وقابليتها للانفتاح على وعي كهذا، وفي حالة كهذه.
وإن أردنا تسمية بعضاً مما هو جغرافي، بنسبه الجيولوجي، فإن الوارد قوله، هو أن النظر إلى الجبل في قمته، أو علوه بالذات، لا يغفل ما هو ممتد أرضياً” راسياً ” في مساحة يضمن استمرارية علوه طبعاً.
الاعتقال الذي يسمى هنا، وحيث يتواجد الكُرد، في وطنهم المجزأ علامة فارقة حية ومرفقة بعلامة تنوير لمن لا يعلم بما يجري، وهو يتعلق بنوعية الحياة، والنظرة إلى الكُردي المرفوع عنه نسبه الكُردي، لكأن الاعتقال الذي لا يقابَل بالصمت في محيطه أو أبعد، ذروة هذه المعادلة ذات الأرومة الكُردستانية، وديمومة حياة.
دون ذلك كيف يجري التصريف القيمي والدلالي لتلك العبارة التي ثبّتها الكاتب في مستهل مأثرة ذكرياته( لم تكن الثورة حرباً فقط، وإنما كانت وراء تلك الحرب حياة خاصة أيضاً )؟
ما كانت الحرب إلا حرباً ضد حرب، مشروعة ضد مخلوعة، وحرب الكُردي الاضطرارية ضد حرب المغتصب، وحياة الكُردي بالمقابل، وما تعنيه الحياة من كيفية النظر بعيداً، ورفد الحرب بالسلم نفسه!
نهر الزمن وطبيعة مجراه
كيف جرى ترتيب الذكريات؟ هل التزم الكاتب بالترتيب الزمني، أم كان هناك ذلك التداخل بالمقابل؟
يمكن ملاحظة نوع من التسلسل الزمني، بدءاً من ” 1981 ” ولكنه ينقطع، فلا يكون جريان النهر الزمني قي مجراه كما هو المعلوم ” من- إلى “، فثمة سردية روائية بالمقابل، متابعة ومراجعة وتوسع، ومتابعة أخرى!
وقارىء ” من ذكريات ” يلاحظ مسارات عدة في الكتاب:
ما يمتد إلى وراء المشاهدة العيانية، أي بصفته شاهد عيان، عند الحديث عن ثورة أيلول ” 1961 “.
ما ينبني في سياق علاقاته الزمانية- المكانية، جهة الفترة المحددة من جهته وأبعد، وصولاً إلى لحظة دحر ” داعش ” الإرهابي ..
ما يرتد إلى التاريخ، وما يمكن التأكد منه، وتحرّي حقيقته، من قبل المعنيين بهذه الواقعة أو تلك.
فيما يخص قارئاً مثلي، وهو يتكلم ويكتب كناقد بالمقابل، لا يسعني إلا أن أتحرى سريان فعل الأحداث في صيرورة الحالة النفسية، وكيفية تلقّي الكاتب لحركية الأحداث ومؤثراتها المحيطية من وجهة نظره أيضاً.
إن وجود أي زيادة أو نقصان، أو تحوير معين في وصف واقعة، أو علاقة اسم بسواه وبالمكان، في مقدور من عاصروه، ومن كانوا معه، وعن قرب، إبداء الرأي، سلباً أو إيجاباً.
كما أشرت آنفاً، أشير إلى أن الكاتب سطّر ذكرياته بالطريقة التي ارتاح إليها.
مثلاً، يمكن تعقب ما هو زمني، بدءاً، من سردية العناوين وموضوعاتها، مع سنة ” 1981 ” وليكون لسنة ” 1982 ” حضور تسلسل في مقالات عدة، ولنشهد انتقالاً إلى سنة ” 1985- ص 107 “، وعودة إلى سنة ” 1984-ص115″، وعودة أخرى إلى سنة ” 1982-ص135″، ولاحقاً نحو ” سنة 1986-ص 145″ في مقالين، ومن ثم خلال ” سنتيْ ، وليس سنوات 1985-1986- كما جرت الترجمة عربياً-ص159 ” وثمة توقف عند سنة ” 1987-ص185-191″ لأهمية التأريخ المأساوي هنا،وتالياً ” ص211-217-221″ والرعب المخيم في سماء الإقليم على وقع جرائم الأنفال ” في حلبجة” سنة 1988-ص225-235-245- 253 مثلا” وتداخل الوقائع ” 1981-ص 263-2015-ص 267-2016-ص273″…إلخ.
هناك ما يخص الفصل: ربيع 1982-صيف 1983-خريف 1984-شتاء 1987..
وما يستدعي استفساراً، كما في ( كنا في خريف عام ( 1986) عندما جاء الرئيس ( بارزاني) ، إلى منطقة بهدينان..ص145.
وفي المقال التالي( في صيف عام ( 1986) عنددما جاء الرئيس مسعود البارزاني إلى منطقة بهدينان…ص151). حيث الخريف بمقاله قبل الصيف بمقاله هو الآخر. مع إشارة إلى اختلاف كتاب النسبة” دون أل التعريف في الحالة الأولى، وبها في الحالة الثانية. أي وجوب توحيد الاسم تجنباً لأي التباس!
وما يأتي تاريخاً بيومه وشهره وسنته، جهة أحداث ومناسبات وقرارات مفصلية
وما تتم قراءته في الجزء الثاني، وحرارة المحسوس والدعوة الكُردوارية اللافتة إلى كل كردي ليكون في مستوى اسمه، ومبدئية قضيته المصيرية، وليعرّف بما قام به كواجب، باعتبار ذلك( قطرة من البحر الواسع لتاريخ شعبنا. ص 281 ).
ليكون البدء بدءاً للبدء الأول في جزئه الأول ، سنة ” 1978 -ص283 ” حيث كان ( في الصف السادس الابتدائي )، وفي مقالين، ولاحقاً تأتي سنة ” 1980-ص 293″ حيث الحرب العراقية الصدامية- الإيرانية المسعورة ” وعودة إلى سنة ” 1978 ” صعوداً إلى سنة ” 1981-ص311 ” فسنة ” 1982-ص317″..إلخ.
ليُطرح سؤال ، ذو صلة بترتيب كهذا: أما كان في الإمكان ترتيب الأحداث في سياقها الزمني؟
يبقى الجواب المنتظر لدى واضع الكتاب، وتقديره لموضوع، أي لتناوله لحركية الأحداث ونوعيتها. حيث إن الذي أفصح عنه، انطلاقاً مما ذكرت، وما يمكن التوقف عنده في بقية مواد الكتاب، هو أن القارىء، وكما هو تقديري لعلاقة كهذه، يمكنه تتبع حركية الكتاب في مبناه ومعناه، بصورة أسلس، وفي الطريقة المعتمد في الكتاب، سوف يمارس حركة إقدام وإحجام، أو تقدم وتراجع، بغية الربط بين شبكة الأحداث والأسماء التي ترد أو تتكرر من خلال شاهد وراوية هو الكاتب نفسه، وما في ذلك من إضافة، أو توضيح وغيرهما.
من الملاحَظ جيداً، أن هناك صراعاً متعدد المستويات بين ما ينتمي إلى الذاكرة، وما ينثال تاريخاً. إن لكل منهما حكْمه وحكمته بالتأكيد، وعلى قدر سخونة الحدث أو الواقعة، يكون من الصعب نزع المعلومة من داخل نسيج الذاكرة العصبي واللحمي، جرّاء مقاومات قائمة، تخص المشاعر والأحاسيس، لكأن إبقاء معلومة ما، أو عدم السماح لها بكاملها أحياناً، بالخروج واكتساب صفة الوثيقة، أو شهادة تاريخ، يمنح حاملها حضوراً أقوى، وحيوية في البقاء، وحتى شعوراً بالوفاء الصامت على ما جرى وجهة رفاق الدرب ، ممن اصبحوا شهداء، أو أصيبوا، أو بقوا أحياء، وأن حلول الواقعة خبراً في عهدة التاريخ، يبقي فراغاً أحياناً بين ثنيات النفس، ونزيفاً في الذاكرة نفسها، وتحديداً عند الشعور القائم على تقديرات خاصة بالشخص نفسه، وربما لا يكون في مقدوره التعبير عما يجري، لكن التكوين النفسي بغوره العميق، وتراتبيات الأحداث ودلالاتها، وموقع المعني بها والحامل لها، كل ذلك مؤشرات دالة على أن المحفوظ أغنى وأبلغ من المسطور..
إن الحديث عن الحياة الخاصة، كما جاء في مستهل الكتاب، لا يعود مجرد إشارة عن بُعد إليها، بقدر ما يكون تنويهاً إلى تنويعات، وتباينات في متن الموضوع: الحياة، وما فاضت به ذاكرته في اختلاف منابعه، أو في تنوع علائقه، أمكنة، وأشخاصاً، ورسومات، وتقويمات، بُعداً عن الكُردية أو قرباً منها، مكاشفة لما تقدَّم. بناء عليه لا تعود الحياة الخاصة خاصة، أي طي الكتمان، بقدر ما تكون الوجه الآخر لحياة أخرى: بيشمركية، تلويناً وتنويراً لها بالمقابل، وفي الوقت نفسها توحيداً بين وجهي حياة خاصة وعامة، وبلسان الكاتب.
في معايشة سرَيان فعل نهر الأحداث بالطريقة التي أضيئت صورتها، كيف يمكن النظر في هذا النهر الجاري وما يخص مجراه، حيث يتشكل مجتمع حي، ويمارس حيواته رغم التوترات القائمة ؟
هناك إمكانية إيجاز كل ” قصة ” وما في ذلك من تكرار، وإشغال مساحة واسعة، وإرهاق للقارىء نفسه، وفي الوقت نفسه، إفقار الكتابة نفسها، لأن ليس من خروج عن حدود هذا المقال أو ذاك، إلا ما ندر.
ولا أعتقد أن الكاتب يريد علاقة من هذا النوع مع مجهوده الذكرياتي، لأنه ينشد الصورة التي ينتظرها، والتي تتشكل في ضوء قراءة ثلاثية الأبعاد، كما لو أن هناك استنطاقاً لعموم الكتاب، وإماطة لثام عما هو خفي، وما يثير واعية الكاتب، ما يِلفت نظره إلى أن هناك كتابة توازي كتابة، ولكل منهما متعته في الكشف والتنوير.
يمكن التوقف عند عناوين الكتاب التي تمثّل جملة موضوعاته وتنويعاتها، جهة الدلالة زماناً ومكاناً، على الأقل من ناحية المعنى، حيث إن كل عنوان يتقدم بخاصية جمالية معينة، في تركيبة العنوان بالذات، مثل:
صدق الله العظيم-من كان نبياً للكورد بسجن الأمن في الموصل؟فندق خمس نجوم في مضيق ( سيان)-كيف أصبح عبدالعزيز طيب وزيراً للتربية عام ( 1985 )؟-(الشفرة ) المكشوفة-الأنفال وقصة آري الصغير- اعذروني، لسنا كلنا بيشمركة- الحرب العربية الإسرائيلية في مدرسة ( مالطا)- في أول حرب ضد البكر وصدام- القتال بين الدب والبيشمركة- -حدود الموت، وفندق الثلج-مجنون سرسنك- من سيربي لنا البيشمركة الطفل؟-شرارة معركة لاقتتال الأخوة، سببها سائق مام جلال…إلخ.
لكل عنوان تصريفه القيمي، وانشغال رمزي بما هو زماني ومكاني، إلى درجة عدم وجود أي علاقة أحياناً بين عنوان وآخر، كما هي وضعية الأمثلة المختارة، وما يترتب على كل ذلك من استفسار عن تلك الحالات النفسية للرجل البيشمركة، وهو يقبل على تدوين مشاهداته، أو نقل الماثل أمام ناظريه، وما يعتمل داخله من مشاعر وهواجس وأحاسيس، وتخمينات وتوقعات كذلك، وهذا يحفّز على تحرّي المحمول طي كل عنوان، سوى أن وجود هذه اللائحة الأسمائية، وسواها، تلك التي تشاركت معاً في فهرست الكتاب، يبقيها داخل دائرة واسعة، هي دائرة الكتاب، وليكون القارىء إزاء ذائقة أخرى، لا صلة لها بمتعة عابرة نفسياً، أو فضول معرفي جانبي، إنما مؤثرات قضية ساخنة لا تترك القارىء حيادياً، كما هو عالم الكتاب في كلّيته، وانطلاقاً من العنوان نفسه، وبالتالي، فإن المجدي في الكتاب، هو الذي يتطلب مجدياً في قراءة تبقي جهاته مفتوحة.
أعني بذلك، ما يكون إسهاماً بحثياً، وإسعاد النص نفسه، إن جاز التعبير، كما هو حق المسطور المنتظَر.
لهذا، ستكون وقفتي عند جملة أمثلة متنوعة، تظهر فسيفساء الكتاب، ومشهديات المسطور المختلفة أيضاً:
لنبدأ بالأكثر قرباً من ذاكرته، والحافز المؤثر في حياته المستقبلية، أي اللحظة المكثفة في زمن ضاغط عليه، لحظة اعتقاله، وسجْنه، وما كان نافذ التأثير في تكوينه النفسي وهو في غضاضة عمره، ليأتي انخرطه في صفوف البيشمركة تالياً، كما لو أن هذا الإجراء رد فعل مباشر على فعل موجه ضده، وليشار هنا إلى واقعة مفصلية تفصح عن واقع يرشح عنفاً، حين يلتقي في سجنه بالموصل، وتعرضه للضرب والعنف، بسجناء آخرين، وكيف شكل السجن منعطفاً حياتياً، خميرة في عجينة عمره القادمة، وجهة العربية كلغة ودلالتها( الحقيقة أن تجربة السجن كانت بالنسبة لي أول مواجهة مباشرة مع اللغة العربية والتكلم بها..) ويتحدث عن عربيته كغيره من الكُرد هناك( فلو أنك سمعت عربيتي الفصحى حينذاك لكنت تقول بأنها تعود إلى عهد ( أبو هريرة )، أي إلى ما قبل ( 1400) سنة)..وكان السجناء العرب، من معارضي النظام يصغون إليه( فكان المهندس الشيعي يقول بعد أن أنتهي من كلامي مباشرة( صدق الله العظيم)، عندئذ الجميع كانوا يغرقون في الضحك، وأنا من جهتي لم أوفر كلاماً إلا وكنت أوجهه إليه: أنتم العرب شوهتم لغتكم، وعليكم أن تشكرونني” تشكروني” لأنني بدأت أصححها لكم.ص42).
نحن هنا إزاء كوميديا سوداء، تعني المفارقات القصوى للواقع، أي في باب” المضحك المبكي “سوى أن الظهور بعربية غير معتادة يعرّي واقعاً مفارقاتياً، يكون فيه الكُردي لافتاً بصوته ولونه كذلك، وتأكيد تمايزه في الوقت نفسه.
هكذا يكون الإيضاح في معايشة مناخ السجن بوصفه ” العراق المصغّر ” كنموذج سلطوي مستبد، حين يُسأل من قبل المحقق عمن يكون الفنان الكُردي شفان برور، وهو يغني ” غزال.. غزال ” إشارة إلى مكانة شفان في الكُردية قومياً، واعتزاز الكاتب به( ولا زال( نبينا ) هو الآخر موجوداً بيننا..ص46)، لأن صوته يستحضر الكُرد بعموم أفراده، رجالاً ونساء، كباراً وصغاراً، وفي مجالات اجتماعية مختلفة، وباعتراف الضابط المحقق نفسه ” ص 45 “، وما يعنيه ذلك من متابعة دقيقة لكل صغيرة وكبيرة لدى الكُرد..
ولعل ذلك سرّع في وتيرة انخراطه في صفوف البيشمركة بتاريخ ( 4-4/ 1982، ص 47)، وهو عبارة عن إشعار بالكُردية الخارجة على قانون يلغيها تاريخاً وجغرافية.
ويتعمق هذا الأثر السّيري في المدرسة، عندما واجه هو وزملاؤه الوقوف في وجه الكُردية البعثية ” روناك ” المخلصة للنظام، وهي تحاول إضفاء العربية على الكُرد أنفسهم في حديثها عن الصراع العربي- الإسرائيلي، بقولهم الصارخ( أما نحن فكورد ولسنا عربا..ص285)، وهي مواجهة لم تكن بالأمر السهل، سنة ” 1978 ” حيث كان الكاتب في ( الصف السادس الابتدائي في مدرسة ( مالطا السفلى)..ص383 ).
إنها أمثلة، دالة على ما هو مرئي في الحياة اليومية، وما تكون عليه نوعية الحياة الخاصة للكرد، بمثل هذا الحضور القيمي المحارَب، وهو في جمعه بين سلوك مقاوم، وثائر، أي بالقول والفعل.
أن تعرّف بنفسك، هو أن تترك المجال لسلوكك الحي لكي يخرج صورتك الحقيقية، وهو ما نتبينه في تاريخ طويل ومتشعب، وما يمكن تقييمه، بوصفه مقياساً جلي المعنى على الكُردية المجتباة، وليس بمجرد اللسان.
أن يكون الكُردي شاهداً وشهيداً
في مواجهة الطغيان، ولحظة شعور المشمول بثقافة الطاغية، والمرصود من قبل أجهزته القمعية، من الصعب الخلود إلى الصمت، أو المناورة ، تجنباً لوطأة المعتمد سلطوياً، فثمة ” إما/ أو “.
في ” تحت ظلال الجبال ” حيث يكون الجبل، ولزوميات الإقامة والتجلي في علاه، كشفاً واكتشافاً، والتيقظ الدائم، لأن الجهات كلها تدخل في نطاق المراقبة الصارمة والحازمة.
لا شيء يُستثنى في/ من حياة الكُردي التي تتوقف على ظروف معيشته، وكيفية تلقّيه للمستجدات قريباً وحديثاً.
في مفردة ” البيشمركة ” يكون التوقيع الفوري على موت مقرّر، لكنه موت ليس دون مقابل، إنه الاستعداد القويم لذاكرة معتمَدة، والانتقال إلى ذاكرة منشودة، مع فارقة النوعية، حين يكون هناك تاريخ يشيد بها.
قراءة الكتاب تضعنا إزاء علاقة صعبة، استكشافية لما وراء القول، حيث تكون هيأة البيشمركة النضالية.
قياساً على ما تقدَّم، يسهل القول أن كون الكُردي شاهداً على ما يجري، إنما هو وضوح موقفه، هو خروجه على ما هو قطيعي من لدن أعدائه، وشهيداً، لأنه يقطع على نفسه وعداً مستداماً، بأنه منذور لقضية لا تؤجَّل، بقدر ما تتفعل سلوكياً، دون ذلك كيف يمكن معاينة الصورة المرهوبة الجانب في مرآة العدو المصدوم به!
لأجل كل هذا، تأتي الذكريات، في بعض منها، وفيها ما يفي بالغرض بالتأكيد، لتفند تاريخاً عاصفاً محمياً بطاغية وجلاوزته، وحيث يتفاعل الإنشاء الأدبي مع الوصف المكاني والإقرار بالمستجد( في ربيع سنة ( 1982)، وعندما كنا قد التحقنا تواً بالثورة، وكنا حينذاك أغراراً نتدرب في مقر الفرع في كوماته، وكوماته هي منطقة منيعة ومعروفة بارتفاع جبالها وصعوبة جغرافيتها، والمكان الذي يقع فيه مقرنا هناك كان ضيقاً جداً وحصيناً…إلخ. ص 65).
حيث أن حديث عمر كهذا، حديث عن وعي متقدم على العمر، وحديث عن إدراك واقع حال شعب بكامله آنذاك.
في مقدور هذا الوصف، أن يُترجَم إلى مرآة لجغرافية حياتية، ونوعية المعاناة المتجذرة في النفوس، فلا يعود وصف طبيعي كهذا، متوقفاً على ما هو غيزيائي، إنما مكاشفة لطبيعة الحياة، والتحدي للمخاطر.
ما يفصح عن ذلك، هو ما يرينا مشاهد تترى في نماذج حياتية كثيرة، تترجم نوعية الإرادة بين جنبي البيشمركي الذي يقبل التحدي، استجابة لإيمان بالقضية، كما في تناوله لتلك الليلة التي نام فيها هو وبعض من رفاق دربه في كهف، وفيه تبن، وهناءة النوم( وبالفعل نمنا جميعاً حتى الصباح فوق ذلك التبن، نوماً كان أريح كثيراً من النوم في فنادق الخمس نجوم في أوروبا. ص 87 ).
من المؤكد أن طرافة التعبير، لا تخفي وجع المشهد الجماعي، ولا تتكتم بالمقابل على المحرك القيمي للمتكلم باسمه وباسم القضية، أي مقارنة بالنوم في العراء، حيث البرد أو الحر، والمفاجآت الموجعة أيضاً.
ولنا أن نشير إلى مثال آخر، أسمّيه بـ” لغز كسرة الخبز “، ففي حمّى النضال وتصاعد حميّا استهدف الكُرد في جملتهم، على خلفية من رفضهم لجبروت النظام الدموي، يتم قبول كل ما ينجم عنه، من جوع، وخوف، ومرض، وإجهاد، وموت مفاجىء..وحيث تكون المطاردة من الجهات كافة، ومن السماء كذلك، حيث الطائرات تحلق هنا وهناك، بحثاً عن أماكن البيشمركة، يكون من الصعب إيجاد ما يسد الرمق ، لتكون كسرة الخبز أشبه بحلم مع قليل من الماء، وهناك أكثر من مشهد لذلك: حرصه هو ورفاقه ألا يأخذوا خبزاً من بيوت فقيرة كثيراً” ص 60″ والفرح الشديد بوجود القليل من السكر لغمس الخبز فيه مبللاً” ص62″، وحين تضور جوعاً، وأحدهم أعطاه خبزاً، وبهجة اللحظة ” 100″ واستحالة الحصول على بعض الخبز، من قبله هو ورفاقه، في إحدى القرى، حيث امتنعت امرأة وهي تخبز عن إعطائهم ولو رغيفاً واحداً” ص 414″…وبالعكس من هذه، ما يخص شجاعة تلك المرأة التي خرجت من بيتها واندفعت إلى البرّية باحثة عن مصير ابنها البيشمركي، ولقائها بالكاتب، وقد طمأنها بأنه حي، لتسلمه ما كانت حملته معها من خبز وغيره لابنها، ليعلق ( هكذا هو الحظ.. لأجل من جاء الخبز والطماطة ، من أربيل إلى كَركا، وروح من أنقذت من الموت!.ص496).
في ضوء ذلك، وقياساً عليه، يمكن النظر في عموم الكتاب، ولو عبْر إجراء مسح نظري ، يحيل المسطور من ألف إلى يائه، ودون تنحية ملحق الصور جانباً طبعاً، لأن الكاتب البيشمركي يتحدث بالصور التي التقطها والتي تتشارك مع الكلمة في تأريخ أحداث تمثّل شعباً بكامله، كما لو أننا ” نفرش ” خريطة ” على طاولة ذات سطح كاف، للإحاطة بتلك الأمكنة والتواريخ التي تتشكل منها هذه الخريطة ” البيشمركية ” النشأة.
فإذا كانت الحرب، وهي حرب وجود، هي المسمّاة هنا، فإن أول ما ينبغي تذكّره، هو ما تستند إليه الحرب جهة الآخر المرفوض، أو المحارب من قبل نظام، يدرك تماماً أنه غير مرغوب فيه، طالما أنه يعرَف بخاصية الكراهية المتجددة في هذا المنحى. الحرب، بتنوع أشكالها تفجر المكان، وتبعثر مكونات كل شيء، وهذا ما يجعل المأساة مفعلة وذات أشكال في كل مجال، من العائلة إلى الطبيعة عينها، وتاريخ الكُرد في علاقاتهم مع الأنظمة التي تقاسمتهم وتلك التي استبدت بهم، والتي مارست، ولا زالت تمارس كل ما من شأنه الحيلولة دون ” إفراغ ” ذاكرتهم الجماعية المنجرحة لحمولتها، حيث تبرز الصورة المقيتة لكل منها، ولا أكثر من تلك الإشارات المباشرة، وغير المباشرة، عما هو عائلي، في الترحيل والتهجير والتخريب والملاحقة والسجن، والقتل، وإلحاق الأذى بكل شيء، وليكون لحرب هذا النظام أو ذات، سهم وافر ينصب على اللغة، بما أنها صمام أمان الذاكرة الشاهدة على كينونة شعب، حرب على الذاكرة التي تؤرشف لكل شيء وكيف يُشاء إليه.
يبقى الإنسانيُّ هو المحك، هو العتبة الكبرى التي تسمح لنا بالتعرف عن قرب على كيفية ممارسة هذه” الملَكة ” الروحية، والتي تتمحور حول الإنسانيّ لواجباتها، أو مهامها في لم الشمل المكاني والزماني، بكائناته مجتمعة طبعاً، وليس بالنسبة للناس وهم يتحركون على صفيح ساخن جرّاء سياسات النظام الاستئصالية.
أشير هنا ضمناً، إلى نظرة توازنية لافتة في مدونات الكاتب، عدا ما جرى ذكره:
حين جاء تصرفه هو ورفاقه في محله، في العلاقة مع الفنان الكُردي المعروف حسن شريف، وهو في عمر صغير ” ص107″ وكونه مؤمناً بالثورة، في إقناعه بالعودة إلى مقاعد الدراسة، ليلتحق بالثورة ، ويصبح عضواً فاعلاً فيها سنة ( 1987-ص 108).
حين التقى ذلك البيشمركي الصغير” محمد طاهر طراونشي “، وملء روحه حماس واستعداد للدفاع عن أرضه وشعبه، فحاول جاهداً الحد من هذا الحماس، وهو لما يزل في ريعان شبابه وحرصاً عليه” ص122″.
وفي إبداء موقف رصين من سلوكات أولئك يتجاهلون واجباتهم تجاه قضيتهم، ويصرفون أموالاً، إيحاء إلى أن ذلك هو المطلوب، كما في مثال المرأة التي ناقشها ابن أختها ، وهي تتحدث عن الحج إلى ( بيت الله الحرام )، وسؤاله لها عن المبلغ الذي صرفته لهذا الغرض” وهو كبير ” وقتذاك، وهو يحاول لفت نظرها إلى تلك الأولويات الإنسانية، قبل كل شيء، وهو لا يتعارض أساساً مع مفهوم الحرب، بمساعدة المحتاجين، وليأتي تعليق الكاتب مؤثراً، وبصيغة سؤال وتساؤل( إلى متى سنضع أموالنا في فم الأفعى، وسنظل نحن نخدع أنفسنا بالأدعية؟ ألم يحن الوقت لكي تكون أموالنا ولو لمرّة من نصيت أيتامنا وفقرائنا، ولتكن الأدعية من نصيبهم. ص 269)؟
وذلك الموقف الكُردواري الفصيح الصريح بشفافيته، مع ذلك الكُردي في الصميم، أي المتفاني من أجل قضية أرض وشعب، وهو من شمال كُردستان، وقد خصص له مقالاً كاملاً” 14 صفحة”، وقد نذر روحه وعائلته من أجل هذه القضية. موقف تاريخي يشير إليه، وكان حينها ( صغيراً.ص171)، والحدث يرجع إلى سنة ” 1975 “، ليتعرف عليه لاحقاً، ويثمن دوره كما يستحق ضمن السردية الكبرى للوطن” ص172″، ويعيش مأساة تفجير بيته وبيت ابنه بكامل محتوياتهما في ” وان ” عند العودة إليه ،وعلى أيدي أفراد من شعبه، لأن ( صورة الزعيم الراحل ملا مصطفى البارزاني معلقة في غرفة الجلوس لكلا المنزلين.ص 184).
تلك نفحة الكُردية، على محك الواقع المرير، حيث الحرب نفسها ولادة أو قابلة مفاجآت، كما تقدَّم.
وعلي أن أشير هنا إلى أن القراءة لمسطور من هذا النوع، لا تتم إلا في ضوء ما يمكن أو يجب تصوره وتخيله، عن مناخ كل حالة أو مشهد، وكيف تمارس الذاكرة نفسها دورها باستماتة عما يجب تلقيه وحفظه، وكيف يمكن مواجهة التاريخ المفروض، والرهان على الأسماء التي تعنيه، ضداً على التي ” تلغيه ” قيمياً.
الداخل والخارج وجهان متكاملان
كما نوهت في أكثر من نقطة، عن أن قراءة الكتاب كاملاً، تعبير عن حق القراءة نفسها، وحدها ضمان سلامة الحقيقة التي بني عليها وعرِف به، وتأكيد على سوية العلاقة المطلوبة في الحالة هذه، وما يجري ذكره مجرد شاخصات على طرفي طريق طويل، لا بد من التوقف عند كل منها، للنظر بعمق رحابة معاً.
في سياق العلاقة بين كل من ” الداخل والخارج ” كوجهين متكاملين للموضوع، لا أكثر مما يمكن قوله، وجدير بالقول. لكن علينا في الوضع هذا، علينا أن نسخّر عشرات الصفحات لهذا، وهو مستحيل بمقياس كتابة تسعى إلى إضاءة مسطور من زاوية معينة، وانطلاقاً من العنوان الموضوع.
لا فصل بين ما يتردد في الداخل، وما يجري سماعه أو قوله خارجاً حول قضية واحدة : الكُردية.
هل علي إذاً، أن أثبت قائمة موجودات القائمة ذات الصلة بما تقدم؟ إنما، أليس الكتاب، وبدءاً من عنوانه يصل ما بين الداخل والخارج؟ أليس الجبل باسمه الفردي، محصّل جمعي لمفهوم جغرافي مشبع بما هو رمزي ، كردي العلامة باقتدار؟ أليس ذلك إبقاء الجهات الأربع مفتوحة للنظر في العناوين المفصلية للكتاب؟
الحديث عن الوطن المؤجل والمنشود، لا يعني مجرد سرد قصص خيالية، ومن بُناة الذاكرة التخييلية، ليس الاسترسال في تهجئة جمل إنشائية، شعاراتية، وعظية، وتعبوية، دون وجود الأرضية التي تشرّع لذلك؟ أي ما يلغي كل هذه المصفوفات الكلامية وتبعاتها الخطابية والبلاغية ” المفرقعة ” وفي وسط مجتمعي يريد الدليل سبيلاً إلى جس نبض القول في هذا الشأن أو سواه. ولا أجد غضاضة في القول أن كيستيي أعطيَ الحق المشروع، والمُجاز في يضعنا إمام ” عمران ” حقيقي وبإمضاءة كُردستانية. ثمة دم مدفوع، وليس تمتمات فم حصراً.
بدءاً من اعتقاله وهو لمّا يزل يتنفس ما يصله بطفولته، وهو في مستهل صباه، وليس انتهاء بالصفحة ” 657″ حيث تعيدنا صورتاها إلى فترة زمنية خلت، في السبعينيات والثمانينيات من القرن الآفل، لمجموعة من البيشمركة، وفي الأولى، لوحة تمثل أعضاء طلبة كوردستان واتحاد شبيبة كوردستان في الكونفرانس التوحيدي للاتحادين ، منطقة لولان، أربيل 1986. وما بينهما، وما بين بينهما، وأبعد من ذلك قراءة وتتبعاً لكل مسطور يخص حدثاً وما بعده، وأي قرابة قيمية ” كردية ” بينهما، والتقاط الأنفاس في كل صفحة.
أن أسمّي الداخل، فهو رحب بأمثلته ومآسيها، وأي مصاب جلل، وأي أمثولة بسالة في كل منها، فثمة كثير.
أتحدث عن الذين يستخفون بوطنهم، أو يسيئون إلى أنفسهم، لحظة تجاهل مصيرية العلاقة بين أن يكون المرء كردياً، فيعرَف بذلك، وعليه يكون قوامه ومقامه، رغم ضروب الإساءة إليه، وإيلامه، وأن يكون كردياً، ويعرَف عن أنه كردي في الصميم، وينسلخ عن ” جلده ” في خدمة أعداء شعبه، ويجري احتقاره ضمناً، لا أبعد منها هوة، بعمقها ووساعتها، في الفارق المكاني والوجداني طبعاً بينهما.
كهؤلاء الذين منّوا أنفسهم، وهم قد ” تبعثنوا: انتموا إلى حزب البعث، حزب النظام، نظام القتل والعنصرية الصدامي وأبعد ” على أنهم ذوو مكانة معتبرة، وأنهم، بالطريقة نفسه، سيديرون شئون الوضع المستجد، بعد خروج النظام بأجهزته، استناداً إلى حجة بغيضة، وشائنة، وهي عدم وجود متعلمين، جرّاء الانخراط في البيشمركة، وما في ذلك من ” غسيل أدمغة “، وعدم التفكير في تاريخ لاحق، وكيف تتجري تعريتهم؟
أتحدث عن تلك الجرائم الكبرى” وكل جريمة ارتكبها النظام البعثي في عداد ” الكبرى ” ضد الكُرد دونما استثناء، ومنها ” الأنفال ” سيئة الصيت، وقد توقف عندها كيستيي في صفحات تترى” ينظَر مثلاً، ص 225 ،وما بعد.- ص 245، وما بعد”!
أتحدث عن أولئك الجحوش ودورهم المريع في الإساءة الكبرى إلى أنفسهم قبل أي إساءة إلى سواهم ، وهم/ هؤلاء أخوتهم وأخواتهم من لحم ودم، هم أهلهم، أقرباؤهم، بنو جلدتهم، باختصار شديد، وبصفة ” مرتزقة ” هنا! أقول ذلك، دون أن أورد مقاطع عما ذكرت، فهي تتجاوز الممكن إيراده، وكل مقطع يشكل حلقة في سلسلة طويلة تشكل تاريخاً كردياً، وما فيه من موبقات وجرائم مختلفة بحقه، وبغية التطرق إلى المزيد من النقاط التي تسهم في إضاءة الكتاب بمحتوياته( أشير هنا، ومن باب التوثيق، ولمن يريد المتابعة، إلى هذه الصفحات ذات الصلة:226-347-351-392-403-439-465-484-512…إلخ .
أشير هنا في هذا المنحى إلى أولئك الذين لم ينسوا ” أصلهم ” وهم يعينون كردهم بقدر استطاعتهم، كسلوك ذلك الأستاذ تجاه الكاتب وكان طالب مدرسة، وفي مديرية التربية” مقال : سجن مديرية تربية دهوك. ص 293″، والفارق الكبير، بين الكُردي والبعثي: صلاح الدين عزيز ” الشرس ” كما سماه الكاتب، والآخر، وهو نفسه بعثي ” الحاج رافع عادل” وكيف أوقفه عند حده، وأنصف الطلاب المغدورين” ص 297″.
أتحدث عن صدى مأساة الكُردي” البيشمركة ” خارجاً، كما يشير الكاتب إلى ذلك، ومن خلال مشاهدة حية في ” البيشمركة الذي استشهد وعاد إلى الحياة من جديد ” وذلك سنة ” 1988 “( عندما ذهبت إلى شرقي كوردستان من أجل معالجة جرحي. التقيت هناك أحد الجرحى من البيشمركة ، وبقينا معاً في غرفة واحدة لمدة عام، ولهذا كان يكرر لي مرات عديدة حكايته التراجيدية جداً)، وهي ترتد إلى سنة ” 1980.ص253″..
أتحدث عن أولئك الذين اعتبروا كل ما يقومون به في أيام الشدة، وهم يربطون بين داخل كل قرية، بلدة، ومدينة وخارجها، حيث تمارس الكُردية المناضلة حضورها، كما في حال الدكتور ” هزار Hejar “، وهو يسهم في معالجة المصابين من البيشمركة، وهو يوزع الأدوية على المقار الحزبية والتي تتولى مهام تنظيمية وقتالية، وأجد في الذي سطره الكاتب عنه ذا دلالة، عند الحاجة الماسة إليه ( لقد رأيت الدكتور هزار في ذاك اليوم وكأنه ملاك رباني جاءنا من السماء لمداواة الجرحى بيديه المباركتين وإنقاذنا من الموت.ص574).
أتحدث عن موقف مبدائي من جهة الكاتب حين كان في ساحة النضال،وهو يلقي محاضرة أمام البيشمركة، عما يخص قضية شعبه، ويأتي على ذكر أولئك الذين لعبوا دوراً سلبياً في القضية خارجاً، حال الرئيس الجزائري الأسبق ” هواري بومدين ” ليعترض عليه كادر حزبي، هو الدكتور ” رزكَار سندي “من منظور إيديولوجي، بزعم أن الجزائر ضمن ( المعسكر الجزائري)، ليأتي رد الكاتب عليه بأن بومدين( هو الذي قام بالإعداد لاتفاقية الجزئر وهو الذي قرب بين صدام حسين وشاه إيران، وأنجز المصالحة بينهما… وبالنسبة لي، أي شخص أو دولة أو أي طرف يتعاون مع عدونا ويشترك معه في المؤامرات ضد شعبنا ووطننا، فإنه هو الآخر يعتبر عدواً لنا أيضاً…ص324 )..
أتحدث عن بسالة البيشمركة في تحريرناحية ” مانكيش ” من النظام البعثي، سوى أن حالة النهب والسلب للناحية، ومن قبل الأهالي، وممن كانوا من البيشمركة، والفوضى الحاصلة صدمت أولئك الحريصين على القضية، واعتبار كل ما ينتمي إلى الأرض والوطن يخص عموم الشعب، وفي مقال لافت” حبذا لو لم تكونوا تحملون اسم البيشمركه . ص 439″، ولتجري محاسبة هؤلاء المتسبيبن، حيث إن ( معظم هؤلاء الكوادر والمسئولين تم تجميدهم لعدة أشهر كعقوبة لهم وبعضهم تم حجزه في مقر الفرع الأول لعدة أشهر..)، وليخاطب أحد هؤلاء تالياً نافياً عنه صفة البيشمركتية( مع الأسف تبين بأنكم مجرد لصوص ، ولذلك لن أناقش اللصوص ولكنني سأقول لك كلمة فقط، وهي : حبذا لو تسمّوا باسم البيشمركة .ص450).
هذا يستدعي التذكير بمقال سالف من العيار نفسه، وفي سياق آخر وصارخ بشكواه وصراحته في ” اعذروني.. لسنا كلنا بيشمركه .ص 275″، ويتمحور حول الحرب ضد التنظيم الإرهابي ” داعش ” ودحره، وكان للكاتب مشاركته، وعند عودته، وهو يقوم بزيارة أهل المصابين، صودم بالمفارقات، فهؤلاء البيشمركة الأبطال الذين يعرفهم الكاتب في الواقع الميداني، في شجاعتهم واستماتتهم في الدفاع عن شعبهم، كانت أغلبية بيوتهم تقع ( في أحياء التجاوزات المبنية من الطين والصفيح على شكل مخيمات) وقد تأكد له بوقوفه على الموضوع عن قرب، بغية التأكد من حقيقة المكان لحي كهذا ( فأرى بأن الحي هو بالفعل حي ” التنك”.ص276).
أتحدث عمّا هو ملحمي، حيث يمكن اعتبار كل واقعة كردية، يخاطر فيها الكُردي بروحه، تعبيراً عن حرية شعب وعدالة قضية، منسوباً إلى ما هو ملحمي، كما أفصح كيستيي بذاكرته المقاوِمة لعوادي الزمن هنا، في تناوله لما هو ملحمي في ” ملحمة كاني ماسي واستراتيجية وبَر الدب. ص515)..
أتحدث عما هو جدير بالتحدث عنه، عما أسمّيه هنا أيضاً بخريطة مكانية من صلب خريطة أوسع، تلك التي نثرها أسماء لأمكنة وأشخاص وكائنات ووقائع، والتيمة الأرشيفية لها.
على الأقل من خلال أمثلة عما هو مكاني، والذي يستغرق خريطة الإقليم وأبعد:
أسماء القرى:
جم سيدا، كاني ماسي، تشيش، خشخاشا، كَركا ، قومري،كَركا، هرور، قشفر، كلبدرى، قسارا، والوكا، كَركَو، بيكَوفا، سوار، كاني بلاف، كه لا شخو،دهي، أوره، بندا، سوارتوكه، كلناسكي، كوريمي، روستينكي، سرسنك، براش القديمة،كانيسارك، سبيندار، زيوا شكا، بامرني، كَركا، شرتي، طروانش، كيسته، خانكا سيدا، شيلانا، بازي، بابير، باني، خرابيا، باكيرا، زيت، مام رشا، شيفا رزان،رازان، محيور، مالطا،شريفا، بيدوه، ديريشك، الكيشك، سكرين، دركَلا شيخا…إلخ حيث توقفت عند الصفحة ” 363″.
أسماء الجبال:
كيسته،بادوك،سبى، ك اره، هلكورد، متين، كابنيرك..
أسماء المضائق:
قومري، بازي، بيشيل، أفوك، شكفت رش، هرور، دهي، هارينا، كلناسكي، أشاوا، سه رى، قمري، سبيركا، بينار، سيرتي، جمو، هارونا..
مناطق: هكاري، شرناخ، سبنه، مانكيش، شاريا، نيروه، برواري بالا..
تلك أمثلة تكون أقرب ما تكون إلى شاهدة إثبات على ” تحركات ” الكاتب وعيانياته المباشرة، وما ينطوي عليه كل اسم مكاني، من قيمة تأريخية، وأدبية جهة الوصف وليس مجرد تحديد الموقع .
بالمنوال نفسه، يمكن المضي قدماً إلى الأمام، والعودة إلى الوراء لقراءة المشمول بالعنوان، وجنى الحصاد القرائي، إن جاز التعبير، وسياسة الذاكرة في تتبع مشاهداتها المحفوظة، واستدراج معلومات خارجاً، وهي الذاكرة التي لا تُعفى من مشروعية السؤال عن بنيتها، وموقع الكاتب نفسه، وهو يتوسط المسافة الفاصلة بين كونه صاحب ذكريات حددها عددياً، وفاعل أو شاهد تاريخ، وكيف يُقرَأ في نطاق هذا العلم الإنساني، وما في ذلك من قابلية مكاشفة ومتابعة ومحاورة وإثراء الموضوع في متنه وهامشه بقائه منفتحاً على نفسه!
حين كتابة التاريخ، أو قراءته، يمثُل أمامي- باستمرار- قوام كائن ما، كائن هو نظيرنا، من صنعنا، ويمت إلينا بأكثر من صلة، مهما كان الموقف منه طبعاً، وهذا القوام الذي أسمّيه، إنما ينظر إلي، كما لو أنه موهوب أعضاء جسدية كاملة، وأكثر من ذلك القدرة على الامتحان والظهور بعلامة صحية لها وزنها، بالطريقة هذه يمكن الشعور بعلاقة بينية، بإرسال منه إلي وبالعكس، بما أنني أقلب صفحاته، كأنني أجس نبضه هنا.
أعني بذلك، ما يمكن للكتاب هذا أن يفصَح عنه بقوام ذي هيئة، وعلى قدر وضاءته، تكون العلاقة معه تاريخياً!
لقطة تتجاوز الكاميرا تذكارياً
لأتحدث هنا، كمثال نوعي على المرئي على ” مأدبة ” الكاتب، له صلة بعالم الكتاب وعنوانه عن سعيد كاباري الفنان الكُردي الكبير الذي رحل إلى الأبد سنة” 2020 ” وعمره ” 64 عاماً” لأن له حضوراً في الكتاب، حيث خُصَّ بمقال كامل عنه وباسمه” سعيد كاباري، بلبل كوردستان الجريح والبيشمركة القناص ” مؤرخاً للواقعة بدءاً من عام ” 1978 ” حيث تحضر مجموعة فنانين من غرب كوردستان إلى جنوب كوردستان، ومن بينهم( الفنان الضرير سعيد كاباري. ص 369 )، هناك ” 16 ص ” عنه ” 369-386″، وفي مقاله الكثير بما يضيء به الصورة الحية والمتألقة لفناننا الكُردي الراحل والكُردي في سرعة بداهته ونباهته، وقدرته اللافتة على الإجابة، تعبيراً عن فطنة وذكاء استثنائيين، وبأغانيه ومواقفه الكُردستانية، وكيف أنه أحيط بعناية خاصة من قبل حكومة الإقليم وأهل الفن والسياسة، في علاقة نوعية.
أعتقد أن الذي أشار إليه كيستيي يسجَّل باسمه كشاهد عيان، وكمناضل وكاتب مقتدر في التعبير عما تقدَّم، وما ينم كل ذلك عن دَين المقصود نسباً كُردستانياً، وتعزيزاً لما هو كوردستاني بداية ونهاية. ثمة مواقف طريفة سجَّلها في مقاله عنه، ومنها وفيها ما يتعلق بروحه النضالية والفنية المقدامة كذلك.
بذلك يستحق المقال قراءة دون أي شعور بالملل، كما أرى ” إلى جانب ما هو مكتوب عن فنانين آخرين، مثل شفان الذي أشيرَ إليه، والفنان الكُردي الآخر حسن شريف..إلخ.
ثمة سؤال شغلني وأنا أقرأ المقال ذا الصلة المباشرة بالفنانين الكُرد وفي الحالة المذكورة، وما في سرديات الكتاب عموماً: ماالذي جعل الفنان الكُردي الشهير والراحل محمد شيخو” 1948-1989 ” غائباً عن مشهد الذاكرة؟ حيث إن الموضوع يخص الفن الغنائي والفنانين، وليكون للراحل كاباري هذا المقام المحمود بحق!
أقول ذلك، لأنه الأسبق من كثيرين في الإقامة في الإقليم وتوجه إلى شرق كُردستان، ثم رجع إلى مسقط رأسه ” روجآفا كُردستان ” ليلفظ أنفاسه الأخيرة وهو منجرح الروح عميقاً، وتاريخه الفني يشهد له بذلك.
صُوَر في ملحق الصور
لا يمكن وضْع الكتاب جانباً بعد الانتهاء من قراءته، دون ” تصفح” قراءة بصرية لملحق الصور بكاميرا الكاتب نفسه، لنكون إزاء كتابة عينية، ودلالة الصورة التي تصل ما بين اليدين والعينين، وزاوية التصوير. الصورة الملتقطة شاهدة إثبات لونية. إحالة المتحرك زمنياً إلى المثبت والمتحرك معاً ، حيث اللقطة تحتفظ بعمقها، لتشكل تاريخاً من نوع آخر، يعزز ما هو مكتوب، حيث الصورة محسوسة وشهادتها اللونية ” مسموعة”. في ” 35 صفحة ” وكل صفحة تحمل صورتين . بدءاً من الصورة التي تجمعه مع الرئيس مسعود البارزاني-ص 623 ” وهي تمثل مواقف وحالات وأمكنة وأزمنة مختلفة بالمقابل، وما في الجهد المبذول من قيمة فنية، إنما توثيقية طبعاً، حيث الصورة تحتفظ بنقاء المشهد وسرعة نفاذ التأثير والاهتمام ..
تبقى ملاحظة هنا، كما الحال مع ترتيب مواد الكتاب، وهي أن الصور لم يجر نشرها تبعاً لتسلسلها التاريخي، هناك اعتبارات تخص الكاتب، ربما التقدير للموقف، واللقاء والمتوخى، وليس الزمن نفسه، لافت هنا، هناك صور غفلٌ من التأريخ، كما الحال مع صورته ” عند ضريح الشهيد قاضي محمد.ص631″ أو صورة جماعية مع آخرين لهم اعتبارهم الاجتماعي والثقافي” ص 550″,. إن أحدث صورة ترتد إلى خارج المحدد زمنياً في الكتاب، حيث تمثل صوؤة الكاتب أثناء القتال مع داعش، بدقة ” 4-8-2014-ص 653″..
ما لا ينتهي في المنتهي
رغم أن كتاب كيستيي محدود بغلافين، بـ” 660 صفحة ” إلا أن الشعور الذي يخرج به قارئه، كما هو تقديري، هو أن هناك ما ينتظر القراءة.
ومنتظَر القراءة يتعلق بمختلف موضوعاته، بحق مشروع، إن جاز التعبير، حيث إن جملة الأمثلة التي توقفت عندها، وبإيجاز شديد، تشكّل نسبة محدودة من مجموعة العناوين الوارد في الكتاب، حتى بالنسبة لما أتيت على ذكره اسمياً، مرفقاً ببعض التوضيحات، لا يعني الاكتفاء بها، إنما تعزيز إرادة القراءة ذات العلاقة .
وفي الوقت نفسه، يشار إلى جانب التاريخ في الكتاريخ، وكيفية تداخله مع المحال على الذاكرة، وبصورة خاصة حين يتحدث الكاتب على حيثيات السياسة الاستئصالية للنظام العراقي” الصدامي ” وما قبله، في كيفية النيل من الكُرد، وتلك الاتفاقات العابرة للحدود السياسية مع دول الجوار” شريكة الجرم ” في هذا المسار.
التقابل بين الحالتين يبقى ليس مفيداً فحسب، وإنما مهماً بالمقابل، وتحديداً مع التواريخ المثبتة ومحتواها الثقافي – السياسي!
قراء لا تقف عند حدود الهامش، أو ما يُنتظَر من الكاتب نفسه، تجاوباً مع منطوق الكتاب، تجاوباً مع العنوان ذي الدمغة القممية الجبلية. إن الوقوف على الجبل لا يضعك في مواجهة العالم المحيط بك، وسط أوقيانوس أزرق شفاف في مداه، عالم ينظر إليك، من على مسافات طوال، ويختبر فيك، وأنا الناظر والمنظور، مدى قدرتك على رؤية الأفق وأبعد، وما يصل بالأفق عمق رؤية، والبقاء هناك، حيث تودِع الجبل من النقطة الارتكازية التي تعنيك عملياً، أو تخييلياً، ما انشغلت به، وما يترتب على هذا الانشغال نفسياً، رغم أن المسمى هو ظل الجبل، الظل الجبلي بمفرده الجمعي، لأنه موصول بأعلاه، وبالتالي، يبقى الكتاب رغم اختتامه مفتوحاً، بصمته الفائض، ينظر من حوله، وينتظر منه فيه قولاً.. وهكذا..!
ملحوظة ترجمية:
كما أشرت بداية، فإن المترجم باذلٌ جهداً ملموساً في عملية ترجمة كتاب بهذا الحجم والكثافة والنوعية أيضاً.
وأراه قد أفلح في مسعاه، حيث إن المعنى المتوقف على التعبير الترجمي يصل إلى قارئه .
سوى أن هناك هنات، تخص جانب الصرف قواعدياً في الكتاب، ليته يتوقف عندها ليكون المقروء أكثر إيفاء بالمعنى، وهذه الهنات، أو لنقل الأخطاء عثرات أمام المتابعة، ويسهل تداركها، وخاصة في التذكير والتأنيث، أو كتابة الفعل نفسه، والجمع والمثنى والمفرد.
مثل:
رأيت اثنين من البيشمركة.. فكوا ” فكّا” القارب.. وألقوا” وألقيا “..ص68.
يعلم أبا بكر ” أبو بكر”.ص70.
لخمسة” لخمس ” دقائق. ص 77.( ص 127، تأتي صحيحة، مثلاً).
يقوم ” تقوم ” لجنة. ص 92.
ثلاثة” ثلاث ” قطع. ص 94.
الجرحى الذين كانت جروحهم” إصاباتهم ” بليغة جداً. ص 128.
له أنفه وأذنيه ( له أنف وأذنان . ) . ص150.
من بعض” من بعضنا بعضاً”. ص 158.
صرفتي” صرفت ِ”. ص 268- تصدقتي” تصدقت ِ “. ص 269.
…إلخ