محي الدين حاجي
ابني العزيز……..
أراقبك وأنت تتحدث لغتهم بطلاقة، فأشعر بالفخر والخوف معاً. فخرٌ لأنك ملكت سلاحاً لم أملكه، وخوفٌ من أن تبتلع هذه اللغة حروفي التي علمتك إياها وأنت صغير. أنا لا أريدك أن تعيش في الماضي كما أفعل، لكنني أخشى أن يأتي يومٌ تسألني فيه عن ‘الوطن’ فلا تجد في قلبك سوى صدىً باهت.
أبي……..
أنا لا أنسى، لكنني أحاول أن أعيش. أنت تطلب مني أن أحمل وطناً ثقيلاً على كتفي وأنا أحاول الركض في سباق الحياة هنا. عتابك يوجعني، كأنك تقول لي إن سعادتي في هذا البلد هي خيانة لأوجاعك. أنا أحب تلك البلاد التي تحكي عنها، لكنها بالنسبة لي ‘صورة’ في برواز، بينما هذا الواقع هو ‘الطريق’ الذي أمشي فيه. لا تجعلني أشعر بالذنب لأنني أريد أن أنتمي لمكانٍ يمنحني الأمان. أنا لست خائناً لجذوري، أنا فقط غصنٌ يحاول أن يزهر في تربةٍ غريبة لأن الريح لم تترك لنا خياراً آخر.
ابني العزيز ……..
أنا لا ألوم الغصن إذا أزهر، لكنني أخشى على الجذور أن تجف. الغربة ليست مجرد مسافة بالكيلومترات، الغربة هي أن تضحك بلغتهم، وتبكي بلغتهم، ثم تكتشف يوماً أنك لا تملك كلمات تشرح بها حزنك لي. يا ولدي، ‘الوطن’ ليس ثقلاً تحمله، بل هو الأرض التي تجعل لخطواتك معنى. أخاف أن تصبح بارعاً في الركض، لكنك لا تعرف إلى أين تنتمي حين تتعب. ، لأننا أردنا أن تبقى ‘الحكاية’ حية فيك.. فإذا ماتت الحكاية، فبأي وجه سأقابل أجدادك؟
ابي ……..
إنني أحاول أن امزج بين عالمين، وهذا أصعب جهاد قد يخوضه إنسان. أنت ترى في لغتهم ضياعاً، وأنا أراها جسراً لأحمي به ما تبقى منا. لا تظن أن الامان هنا ينسيني وجعك ، لكنني لا أستطيع أن أتنفس غبار الأنقاض وأعيش في مدينة الفقر. أنا لا أخون الجذور، لكنني أرفض أن أكون شجرة بلا ثمر، تكتفي بالبكاء على أرض لم تعد تملكها. يا أبي، إن الوطن الذي يسكن في قلبك هو ‘جنة مفقودة’، أما الوطن الذي أبحث عنه فهو ‘ملاذ آمن’ لأطفالي من بعدي.. فلا تجعلني أختار بين حبك وحقي في الحياة.
ابني العزيز……..
نحن هنا لسنا مجرد سكان، نحن ‘حكايات’ نمشي على الأرض. إذا نسيت الحكاية، فقد ضاع منا البيت مرتين: مرةً في ُالقصف، ومرةً في النسيان..
أبي……….
ربما نحن جيل كُتب عليه أن يكون ‘المنفى’ هو هويته. لا نحن نسينا ملامحنا القديمة، ولا نحن ذبنا تماماً في ملامحهم الجديدة. نحن نعيش في تلك المنطقة الرمادية التي تسمى الانتظار.
ابني العزيز……..
الغربة ذئب لا يشبع، تأكل من عمرنا لتعطينا ورقاً ملوناً نسميه ‘جواز سفر’، لكنها لا تمنحنا أبداً ذلك الشعور بأننا ‘في بيتنا’ حين نغلق الباب خلفنا.
أبي………
أنت تبكي على بيتٍ ضاع، وأنا أبكي لأنني ولدتُ بلا بيت أصلاً. أنت تملك ذكرياتٍ تدفئك في ليالي الغربة، أما أنا، فلا أملك سوى أحلامٍ أحاربُ لأجلها في لغةٍ ليست لي، وبلادٍ تنظر إليّ دائماً كغريب. وجعي ليس في النسيان، وجعي في أنني أحمل وطناً لا أستطيع العودة إليه، وأعيش في وطنٍ لا يعترف بي تماماً. أنا لا أترك الحكاية يا أبي.. أنا فقط أحاول أن أجعل للحكاية نهايةً لا تنتهي بالانكسار. اعذرني.. فالحملُ ثقيل، والطريقُ طويل، والريحُ خلفنا لا تهدأ.
ابني العزيز……..
يقولون إن الشجر لا يموت من النقل، بل يموت من الحنين للتربة الأولى. يا ولدي.. أنا لا أعاتبك لأنك تعيش، أنا أعاتب الزمان الذي جعل لغتي غريبة على مسمعك. أخاف أن أرحل، فتُدفن قصصنا معي، وتصبح أنت مجرد عابر سبيل في دنيا لا ترحم من لا أصل له. أخاف أن يضيع ‘الوطن’ فيك، فلا يبقى منه سوى اسمٍ في جواز سفرك.. أنا لستُ ماضياً يريد خنقك، أنا مرساتك التي تحميك من الغرق في محيطِ النسيان.