رضوان شيخو: الجندي المجهول الذي لم تقهره قساوة الحياة

علي شمدين

مع صدور الترجمة العربية لكتاب «رحلات في كردستان» لمؤلفيه «السير هنري راولنسون وجون جورج تايلور»، والتي ترجمها الأستاذ «رضوان شيخو» مؤخراً من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية، ينتابنا شعور عميق بالفخر والاعتزاز مرتين، مرة لأننا نرى حزبنا الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا وهو يضم كل هذه الأقلام اللامعة التي تطوعت، رغم ظروف القهر والاستبداد، للدفاع عن قضيتها القومية دون كلل أو ملل، وأسهمت بإمكاناتها الثقافية المتواضعة في إغناء المكتبة الكردية بكتاباتها وترجماتها المتنوعة. ومرة أخرى، لأننا عملنا معاً ضمن فريق إعلامي واحد قاده الرفيق عبد الحميد درويش منذ المؤتمر الاستثنائي الثامن لحزبنا وحتى اليوم، وتحديداً منذ عام 1992، ساعين إلى تطوير إعلام الحزب وردم الفراغ الإعلامي الذي عاناه نتيجة الأزمة التنظيمية التي مرّ بها آنذاك. وكان الفريق يضم كلاً من: «سلمان إبراهيم، رضوان شيخو، فارس عثمان، حسن جنكو، حمزة جنكو، نواف حسن، وعلي شمدين..». وقد كان للرفيق رضوان شيخو حضور بارز في مجالي «الترجمة والإعلام»، فضلاً عن المجالين «السياسي والتربوي».

ففي مجال الترجمة، وبعد استقراره في مدينة السليمانية بإقليم كردستان العراق إثر الأزمة التي حلّت بالبلاد، بادر الأستاذ رضوان شيخو إلى العمل في هذا الحقل، فنجح في الحصول على عدد من الدراسات المهمة المكتوبة باللغة الإنكليزية حول الشعب الكردي وقضيته القومية، وقام بترجمتها إلى اللغة العربية بأسلوب سلس وفصيح. وقد طُبعت هذه الكتب ونُشرت عن أهم مركزين ثقافيين في إقليم كردستان العراق، وهما الأكاديمية الكردية في هولير ومركز ژين في السليمانية. وتُعد هذه الترجمات من المصادر المهمة التي تفتقر إليها المكتبة الكردية، والتي يحتاجها الباحثون والمهتمون بالشأن الكردي. ومن أبرز الكتب التي ترجمها:

1- كتاب «كرد سوريا: وجود تعرّض للإنكار» للكاتبة الألمانية هارييت مونتغمري، من مطبوعات الأكاديمية الكردية – مطبعة جامعة صلاح الدين، مراجعة وتقديم علي جزيري، هولير (2020).

2- كتاب «الجمهورية التركية والمسألة الكردية: مواجهة مأساوية» للكاتبة البلجيكية إليزابيت ماريسكوت، من مطبوعات الأكاديمية الكردية، مطبعة جامعة صلاح الدين، تقديم ووضع الهوامش علي جزيري، هولير (2022).

3- كتاب «ملاحظات موثوقة عن رحلة عبر كردستان، شتاء 1881 – 1882» للكاتب البريطاني مونتاغيو جيلبرت جيرارد، من منشورات مركز ژين للتوثيق والدراسات، السليمانية (2024).

4-كتاب (دار الإسلام: سجل رحلة عبر عشرة من الولايات الآسيوية العثمانية)، للدبلوماسي البريطاني المعروف (مارك سايكس)، وهو من منشورات مركز ژين للتوثيق والدراسات، في السليمانية (2024).
5- كتاب «رحلات في كردستان» للسير هنري راولنسون وجون جورج تايلور، من مطبوعات مركز ژين للتوثيق والدراسات، السليمانية 2026.
٦- كتاب بعنوان (الحمى والعطش) للكاتب (غوردون تايلور)، وهو قيد الطبع.
أما في مجال الإعلام، فقد دخل الأستاذ رضوان شيخو هذا الميدان من بوابة هيئة تحرير جريدة «الديمقراطي»، التي يصدرها الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا، وظل مواظباً على إغناء إعلام الحزب بكتاباته السياسية الدقيقة التي تعكس منهجه وتوجهاته القومية والوطنية بلغة معبرة وبليغة. ويتميّز بكتابة العمود الصحفي المكثف، لذلك كثيراً ما كان يكتب افتتاحيات جريدة «الديمقراطي»، وهو لا يزال حتى اليوم كادراً إعلامياً نشيطاً وعضواً مثابراً في مكتب الإعلام المركزي للحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا.

وُلد الكاتب رضوان شيخو عام 1959 لأسرة وطنية كادحة في قرية خربة الذيب التابعة لناحية تربه سبيه، وتخرج من كلية الآداب – قسم اللغة الإنكليزية – بجامعة حلب عام 1983. ثم عمل مدرساً لمادة اللغة الإنكليزية في مدارس القامشلي منذ عام 1984، إلى أن أُحيل إلى التقاعد عام 2019. وقد كان مدرساً متميزاً في أداء رسالته الإنسانية، متحدياً، بثقة عالية وإرادة قوية، الظروف الصحية التي كان يعانيها.

أما في المجال السياسي، فقد انجذب الرفيق رضوان مبكراً إلى صفوف الحركة الكردية في سوريا، أسوة بغيره من الشباب الكرد الذين كانوا يعانون مختلف أشكال الظلم والقهر والاستبداد، ويدفعون يومياً ضريبة قاسية نتيجة سياسات التمييز العنصري والاضطهاد القومي. وانضم إلى الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا عام 1976، وظل يتابع نضاله في صفوفه كالجندي المجهول لأكثر من نصف قرن، بعيداً عن أساليب الاستعراض وحب الظهور، مؤمناً بثوابته السياسية، ملتزماً بأصوله التنظيمية، ومدافعاً صلباً عن حقوق شعبه وقضيته القومية والوطنية. وقد منحه ذلك ثقة رفاقه واحترام أصدقائه ومحبيه، فتدرّج في هيئات الحزب إلى أن أصبح كادراً للجنته المركزية ومسؤولاً لتنظيماته في محافظة السليمانية.

لقد سرّنا أن نكتب هذه الكلمات القليلة بحق هذا المناضل الصلب، المعروف بذكائه وسرعة بديهته، والذي ظل يعمل بصمت ونكران ذات في مجالات متعددة: ثقافية، وسياسية، وإعلامية، وتربوية، متمنين له المزيد من التقدم والنجاح. أجل! إنها كلمات قد لا تفيه حقه، لكنها تبقى شهادة صادقة من رفيق درب رافقه في مختلف مراحل حياته، ولا يزال لا يفارقه. ولذلك قد تكون هذه الشهادة مطعونة، لكنها بالتأكيد مفعمة بالمودة والوفاء.

السليمانية
28 أيار 2026 ‏

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

شهدت الأوساط الثقافية الكوردية والعربية في المهجر صدور كتاب فكري وحواري مميز يحمل عنوان «مطاردة المعنى.. من العود الأبدي إلى اللاوعي الجمعي»، للكاتب والشاعر الكوردي السوري إدريس سالم.

وصدر هذا العمل عن دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب في هولندا، ليكون رافداً جديداً للمكتبة الفلسفية والنقدية الكوردية والعربية، ومحاولة جادة لمقاربة الواقع الثقافي برؤى مغايرة وأدوات…

محمود أوسو

 
يا وطناً كانت خرائطه ألواناً
صارت دماً على أطراف القلم
يا شاماً كانت بيوتها مواويل
صارت صدىً لصرخةٍ لم تُفهم
 
من حلب إلى الحسكة،
من جبل العرب إلى القامشلو
الرصاص يلبس أسماء الله
والحقد يرتدي عباءةً ضيقة
ويقول: هذا ديني، وهذه سنتي
 
يقتلون المسيحي لأنه يحمل صليباً صغيراً
والعلوي لأن اسمه في سجلّ قديم
والدرزي لأن جبلَه لا ينحني
والكردي لأن لغته وجعٌ آخر
وفي دير الزور،…

محي الدين حاجي

ابني العزيز……..

أراقبك وأنت تتحدث لغتهم بطلاقة، فأشعر بالفخر والخوف معاً. فخرٌ لأنك ملكت سلاحاً لم أملكه، وخوفٌ من أن تبتلع هذه اللغة حروفي التي علمتك إياها وأنت صغير. أنا لا أريدك أن تعيش في الماضي كما أفعل، لكنني أخشى أن يأتي يومٌ تسألني فيه عن ‘الوطن’ فلا تجد في قلبك سوى صدىً باهت.

أبي……..

أنا…

ماهين شيخاني

عاد متأخراً كعادته.

بل أكثر من كل الأيام.

كان يشرف على إصلاح المنزل الذي سيعود إليه بعد إحدى عشرة سنة من الخيبة. كل من خرج من داره رحل، تاه، غاب، أو استقر في منفاه البعيد. أما هو، فبقي عالقاً بين ذاكرة الحجر وألم الصدر.

سكن شقة في الطابق الثالث، في حارة قريبة من السوق. مكان لا يصلح…