قلق، كوب شاي ووخزات مسامير القرنفل.

مروة بربم

قُبَيل العصر, وقبل أن يستنفد النهار رصيد ساعاته القليلة الباقية، اعتراني قلقٌ ثقيلٌ رهيب.

لم أجزع من زيارته المباغتة، فهذه ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، كما أنني لم أُبدِ استيائي من طريقته البوليسية في اقتحام الروح دون إخطار.

استقبلته بفتور وبلادة الجليد، هو لا يعرف أنَّ الماء ينهزم، إذا دفعته الظروف نحو قِفار المتجمد الجنوبي، فيقضي بقية عمره في الندم والتحسر على مغامرته المتهورة. أفسحتُ له وأعطيته حزمة المفاتيح، وفي قلبي يضيء يقين مشتعل، ليس لدي ما أخسره، وأنّه سيعود خالي الوفاض، فأنا لا أختلف عن التوقيت الذي زارني فيه، مثله تماماً استنفدت جُلّ رصيدي.

 

ربما زياراته هذه ليست ليأخذ مني أشياء كما كان يفعل، ربما جاء ليتفقدّني فنحن صديقان قديمان جدًا، وأَلِفَ أحدنا الآخرَ، فالقلق وفيٌ وصاحب مروءة ونخوة، يصون فضيلة الخبز والملح أكثر من نصف من عرفتهم.

أخبرني الوشاح الرّمادي في الأفق أن النّهار قضى نحبه، ومازال زائري يركل دمي فيخفق قلبي بشدة، وتارةً يبدو مرهقاُ ساكناً كتَلعَة استبدّ بهاالعطش.  تفقدتُ هاتفي وشهق قلبي كقطار يقتحم محطة، يا له من أصيصٍ أنيق، تتزاحم فيه زهور البيغونيا، تحركت من مكاني بهدوء، أتبع صوتاً خرج بدفء من حنجرة هرمة،ألّبي دعوة عزيزة:

 

 – حسناً أورسولا أنا قادمة، ضعي في كوب الشّاي خاصتي بعض مسامير القرنفل، القرنفل لاذع وبساعدني على أرشفة التفاصيل.

جلستُ إليها في ردهة البيغونيا، كانت مثلي قلقة على شيء ما،  شعرها معقوصٌ بطريقة أنيقة، تفوح رائحة النعنع من كوبها.

بَدَت مستاءة من سلوك زوجها الجنرال أوريليانو، وأطلعتني على تهور أبنائها وطيشهم، حدثتني قليلاً عن مهرجانات الغجر وجرأة نسائهم، وأطلقت بعض الدعابات، أخبرتني أنها تتذكر الفيلة كلما مرّت بحقول الموز، ضحكت وهي تستذكر استفزازاتها للجنرال، كيف ذات يوم دخل إلى المنزل، حاملاً عثاقيل الموز، تمادت يومها بإغاظته وقالت له:

-الحرب على الفيلة.

غضب بشدة وألقى كل الموز على الأرض وطحنه بقدميه الغاضبتين، كما لو أنه عاملٌ في معاصر الخمر، قدماه تبقران بطون العنب و تستعجلان صناعة النبيذ.

توقفتْ عن الحديث، في جبينها خطان متوازيان، وفي عينيها كلام لا يقال، لكنها كانت حزينة كمدينة مهجورة.

 كالذي تذكر شيئًا، فجأة نهضت من مكانها بوقار سيدة تحترم أوجاعها، تاركةً لساني يخوض حربًا لاذعة مع القرنفل، في طريقها سقت جميع الأصص، وقرّبت فمها من إحدى وصيفات الشّاي، كانت زهورها الحمراء تتدلى كحزمة من الأجراس المطأطئة حزنًا، همستْ بشيء ما وخرجت من الباب دون إلتفات، أرسلتُ خلفها عينيّ المتشظيتن، حتى اختفت بعيدًا في الغابات المحيطة بماكوندو.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…

بهمن قوبادي يرصع قمة جبال هوليود بفيلمه الجديد الاشجار تنظر
بعد سلسلة أفلامه التي حازت على عدة جوائز ضمن مهرجانات السينما العالميه ،
مهرجان سيباستيان – اسبانيا
مهرجان روتردام – هولندا
مهرجان فلورنسه – ايطاليا
مهرجان كان السينمائي – فرنسا
مهرجان تورنتو – كندا
حيث شارك في تلك المهرجانات بأفلام تركت بصمة في عالم السينما ، كفيلم:
وقت الجياد المخموره و قد ترجم…

لندن – أعلنت منشورات رامينا في لندن فوز الكاتب والمترجم والصحفي فريد خليل بالدورة الثانية من “جائزة چولبر في علوم اللغة الكردية” لعام 2026، بعد اختيار لجنة التحكيم اسمه من بين عدد من المرشحين.

وجاء اختيار خليل تقديراً لعمله في اللغة الكردية والترجمة والإعلام، ومشاركته في مشاريع تهتم بوضع معايير للكردية الكرمانجية وتطوير المصطلحات الإعلامية، إلى…