«درب الهجّار» لجيان بدرخان.. سيرة المنفى والعمل وبناء الذات في ألمانيا

أصدرت منشورات رامينا في لندن كتاب «درب الهجّار.. حلم على هامش القانون» للكاتب والباحث القانونيّ السوريّ الكرديّ جيان بدرخان، في عمل سيريّ جديد يضيف صوتاً لافتاً إلى أدب الهجرة العربيّ والكرديّ، ويقدّم شهادة ممتدة على رحلة إنسان عبر الحدود والثقافات والتحولات الاجتماعية، انطلاقاً من سوريا وصولاً إلى ألمانيا، حيث تتشابك التجربة الشخصية مع أسئلة الهوية والاندماج واللغة والعمل والانتماء.

يتخذ الكتاب من السيرة إطاراً عاماً لحكاية طويلة تتجاوز حدود السرد الذاتي التقليدي نحو رسم صورة واسعة لجيل كامل وجد نفسه مدفوعاً إلى مغادرة بلاده بحثاً عن أفق جديد. ومنذ الصفحات الأولى يضع القارئ أمام تجربة الوصول الأولى إلى ألمانيا، تلك اللحظة التي يتحول فيها الحلم إلى اختبار يومي مفتوح على الاحتمالات كافة؛ عملٌ يجب العثور عليه بسرعة، لغة جديدة ينبغي اكتسابها، مجتمع مختلف يحتاج إلى فهم طويل وصبور، وحياة جديدة تتطلب إعادة بناء كثير من القناعات والعلاقات والتصورات.

تنبع أهمية الكتاب من ابتعاده عن السرد الاحتفاليّ أو التبسيطيّ لتجربة الهجرة. فالمؤلف يقترب من التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة الفعلية للمهاجرين: البحث المضني عن فرصة عمل، التنقّل بين المهن المؤقتة، مواجهة القوانين والإجراءات الإدارية، صعوبة اللغة في البدايات، ومشاعر القلق التي ترافق الإنسان حين يجد نفسه فجأة في بيئة جديدة تختلف عن كلّ ما عرفه سابقاً. وتتحوّل هذه التفاصيل مع تقدم السرد إلى عناصر أساسية لفهم التحولات النفسية والفكرية التي يعيشها الفرد أثناء انتقاله من عالم إلى آخر.

ويكشف بدرخان عن جانب مهمّ من التجربة المهاجرة يتمثل في العلاقة المعقدة مع العمل. فالعمل في الكتاب يتجاوز كونه وسيلة للعيش، ويغدو مدخلاً لاكتشاف المجتمع الجديد وفهم بنيته وقيمه. ومن خلال تجاربه الأولى في مواقع البناء وأعمال التنظيف وغيرها من الوظائف التي خاضها خلال سنواته الأولى، يرصد المؤلف الفارق بين التصورات المسبقة والواقع اليومي، ويعرض صورة إنسان يسعى إلى تثبيت قدميه في مكان جديد عبر الجهد الشخصي والمثابرة والتعلم المستمر.

وفي موازاة ذلك، يمنح الكتاب مساحة واسعة لتجربة اللغة، باعتبارها إحدى أكثر العقبات تأثيراً في حياة المهاجر. فتعلم الألمانية يظهر في السرد كمعركة يومية تتصل بالكرامة والاندماج والقدرة على التواصل وصناعة المستقبل. ومن خلال مواقف متعددة، يستعيد الكاتب لحظات الإخفاق والارتباك والحرج التي رافقت بداياته مع اللغة، قبل أن تتحول تلك الصعوبات إلى جزء من مسار طويل نحو الاستقرار الأكاديمي والمهني.

ويحتفظ الكتاب في الوقت نفسه بخيط واضح يصل المنفى بالوطن. فكل خطوة في ألمانيا تستدعي ذكرى من سوريا، وكل تجربة جديدة تفتح باباً على الماضي. ولهذا تبدو السيرة في كثير من صفحاتها حواراً متواصلاً بين مكانين وزمنين؛ حلب التي خرج منها الكاتب، وألمانيا التي استقر فيها، وبينهما شبكة واسعة من الذكريات والأشخاص والحكايات التي رافقت رحلة التحول.

وتبرز الهوية الكردية في عدد من محطات الكتاب باعتبارها جزءاً أصيلاً من التجربة الشخصية للمؤلف. فالسرد يتناول حضور الكرد في المنفى الأوروبي، والعلاقات الاجتماعية والثقافية التي نسجتها الجاليات الكردية، إلى جانب التأمل في أسئلة الانتماء والذاكرة والحقوق والثقافة. ويمنح ذلك العمل بعداً إضافياً يربط التجربة الفردية بالسياق التاريخي والاجتماعي الأوسع الذي عاشه الكرد السوريون خلال العقود الماضية.

ومن الجوانب اللافتة في «درب الهجّار» اتساع العالم الذي يقدمه. فالقارئ يرافق المؤلف عبر سلسلة كبيرة من الأمكنة والشخصيات والتجارب، ويعبر معه بين مؤسسات العمل والجامعة والدوائر الرسمية والأحياء الشعبية والجاليات المهاجرة. كما يلتقي شخصيات تنتمي إلى خلفيات ثقافية وقومية متعددة، ما يمنح السيرة طابعاً إنسانياً مفتوحاً على التنوع والتعدد والتفاعل الحضاري.

ويأتي صدور هذا الكتاب في مرحلة تتزايد فيها أهمية الأدب الذي يوثق تجارب الهجرة من داخلها، عبر أصوات عاشت تلك التحولات وخبرتها بصورة مباشرة. ومن هذه الزاوية، يشكل «درب الهجّار» إضافة نوعية إلى أدب السيرة والمنفى، ويقدم مادة ثرية للقراء والباحثين المهتمين بقضايا الهجرة والاندماج والهوية والتحولات الاجتماعية في أوروبا المعاصرة.

ومن الجدير بالذكر أن الكتاب يقع في 232 من القطع الوسط، ولوحة الغلاف للفنان التشكيليّ عمران شيخموس.

تعريف بالمؤلف:

جيان بدرخان: كاتب وباحث قانوني سوري كردي، وُلد في دمشق عام 1973 ونشأ في حلب. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة حلب، وانتقل إلى ألمانيا عام 1997، حيث نال درجة الماجستير في القانون المقارن من جامعة بون. شارك في تأسيس جمعية الكرد في بون والمركز الكردي للدراسات القانونية (ياسا). صدر له كتاب «حقوق الأقليات بين القانون الأوروبي والقانون الدولي» عام 2005، ويقيم حالياً في دبي.

 

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن الترجمة العربية لرواية «غليان التراب» للكاتب الكردي أحمد ياسين بَندي، بترجمة شَمال آكرَيي، في إصدار يقدّم إلى القارئ العربي عملاً روائياً يلامس واحدةً من أكثر التجارب الإنسانية قسوةً، ويقترب من أسئلة الأرض والاقتلاع والذاكرة والهوية، عبر بناء سردي يوازن بين الحكاية والتأمل، ويمنح الشخصيات مساحة واسعة للكشف عن مصائرها في…

د. محمود عباس

لو عادت بي الحياة إلى بدايتها، فلن أختارها كما عشتها، ولن أكرر كثيرًا من طرقها وأخطائها. أقول ذلك في الرابعة والسبعين، لا جحودًا بما منحتني الحياة، ولا تنكرًا لما حققته، بل لأن في الذاكرة عثرات ما زلت عاجزًا عن الإفلات الكامل من ندمها.

خرجت من نصران، قريتي الصغيرة في غربي…

صبحي دقوري

يحتل دني ديدرو مكانة استثنائية في تاريخ الفكر الفرنسي الحديث. فقد كان فيلسوفاً وروائياً وناقداً فنياً ومترجماً ومفكراً موسوعياً، لكنه كان، قبل كل شيء، صاحب تصور جديد للمعرفة ودورها في المجتمع. لم ينظر إلى الثقافة بوصفها ترفاً ذهنياً أو امتيازاً يقتصر على العلماء والطبقات المتعلمة، بل عدّها قوة قادرة على تحرير الإنسان من الجهل…

ماجد ع محمد

في عوالم النقد الأدبي، يُطلب من الناقد المنصف والموضوعي البدء بالتحدث عن الإيجابيات، وإيراد الجوانب المميزة في المنتَج الإبداعي، وذكر محاسن العمل الموضوع على المشرحة التقييمية، وعدم إغفال الجوانب المضيئة أو إهمال علامات الريادة في أي جانبٍ فيه إن وجدت، ومن ثم يبدأ المنخرط في العملية النقدية بذكر الهنات، وإظهار العثرات، والإشارة إلى…