الذكاء الاصطناعي ونهاية المهن كما عرفناها

صبحي دقوري

تتقدّم البشرية اليوم نحو منعطف لا يشبه ما سبقه إلا في الظاهر. فمنذ الثورة الصناعية الأولى، والإنسان يخاف من الآلة، ويظن في كل مرة أنها جاءت لتسلبه عمله ويده ولقمة عيشه. غير أن ما يحدث اليوم مع الذكاء الاصطناعي أعمق من مجرّد دخول آلة جديدة إلى المصنع أو المكتب. نحن لا نواجه آلة تحمل الحديد، بل عقلاً صناعياً يحلل ويترجم ويكتب ويقترح ويشخص ويقارن ويستنتج.

من هنا ينبع الخوف الكبير: هل ستختفي المهن؟ هل سيغيب الطبيب والمحاسب والمترجم والمحامي والمعلم والمحرر؟ وهل يمكن أن تتحول شركة تضم خمسة آلاف موظف إلى شركة لا تحتاج إلا إلى عشرين شخصًا يديرون الآلات والبرامج؟

هذا السؤال لم يعد من الخيال العلمي. لقد أصبح سؤالًا يوميًا في الاقتصاد والتعليم والطب والقانون والإعلام. لكن الجواب لا ينبغي أن يكون فزعًا أعمى ولا تفاؤلًا ساذجًا. فالحقيقة أن كثيرًا من المهن لن تختفي كليًا، لكنها ستتغير إلى درجة أن صورتها القديمة ستبدو لنا بعد سنوات قليلة كأنها تنتمي إلى عصر منقرض.

المحاسب، مثلًا، لن يختفي بوصفه عقلًا ماليًا قادرًا على الفهم والتحليل والمراجعة، لكن الأعمال الحسابية الروتينية ستتراجع كثيرًا. إدخال الفواتير، ترتيب الجداول، استخراج التقارير، المقارنة بين الأرقام، إعداد الميزانيات الأولية؛ كل ذلك سيصبح في قبضة البرامج الذكية. ولن تكون القيمة فيمن يعرف الحساب فقط، بل فيمن يعرف قراءة المعنى الاقتصادي خلف الرقم.

والمترجم لن يختفي تمامًا، لكن الترجمة الحرفية، السريعة، التجارية، ستصبح إلى حد بعيد عملًا آليًا. أما المترجم الحقيقي، الذي يعرف روح اللغة، ويفهم الثقافة، ويستطيع نقل الفلسفة والأدب والنبرة والظلال الخفية بين اللغات، فسيبقى ضرورة. لأن الآلة تنقل الكلام، أما الإنسان فينقل الروح.

وكذلك المحرر. فكتابة الأخبار البسيطة، والتقارير العادية، والمقالات الوصفية، قد تنتجها الآلات بسرعة مذهلة. لكن التحرير العميق، وصناعة الرؤية، واختيار النبرة، وترتيب المعنى، وبناء النص الذي يحمل موقفًا وفكرًا وجمالًا، سيبقى عملًا إنسانيًا رفيعًا.

أما المحاماة، فستتغير صورتها تغيرًا كبيرًا. ستتولى الأنظمة الذكية قراءة العقود، واستخراج الثغرات، وصياغة المذكرات الأولية، والبحث في السوابق القضائية. وقد تختفي بالفعل وظائف قانونية كثيرة من الدرجة الأولى أو الأعمال المساعدة. لكن المحامي الكبير لن يكون مجرد حافظ للقانون، بل عقلًا استراتيجيًا يعرف كيف يقرأ الإنسان والقاضي والخصم والظرف. القانون ليس نصًا فقط، بل تأويل ومرافعة وشجاعة وحضور ودهاء.

وفي الطب، سيكون الذكاء الاصطناعي قادرًا على مساعدة الطبيب في التشخيص، وربما يتفوق عليه في بعض الحالات التي تحتاج إلى تحليل صور أو بيانات أو احتمالات واسعة. غير أن الطبيب ليس جهاز تشخيص فحسب. الطبيب إنسان أمام إنسان. إنه يسمع الخوف، يلمح الارتباك، يطمئن، يشرح، يقرر، ويتحمل مسؤولية أخلاقية لا تستطيع الآلة حملها وحدها. قد يتراجع الطبيب التشخيصي التقليدي، لكن الطبيب الحكيم، الذي يجمع العلم والرحمة والخبرة، سيبقى من أكثر الناس حاجة في العالم

أما التعليم، فسيواجه زلزالًا حقيقيًا. المعلم الذي يكرر المعلومات كما هي، ويحول الصف إلى آلة تلقين، سيجد نفسه أمام منافس لا يتعب ولا يمل ولا ينسى. لكن المعلم الذي يوقظ العقل، ويربي الذوق، ويفتح الأسئلة، ويزرع الفضول، لا يمكن أن تستبدله شاشة. المعرفة وحدها لا تصنع إنسانًا؛ التربية، الحوار، القدوة، واللمسة الإنسانية هي التي تصنعه.

الخطر إذن ليس في اختفاء المهن كلها، بل في اختفاء النسخ الضعيفة والروتينية منها. سيختفي الموظف الذي لا يضيف شيئًا إلى ما تفعله الآلة. سيختفي الكاتب الذي يكرر، والمترجم الذي ينقل بلا روح، والمحاسب الذي يعدّ الأرقام بلا فهم، والمعلم الذي يلقن بلا إشعال، والطبيب الذي يرى المرض ولا يرى المريض، والمحامي الذي يحفظ النص ولا يفهم العدالة.

ومع ذلك، لا ينبغي أن ننسى أن كل ثورة تقنية في التاريخ ألغت وظائف وخلقت أخرى. حين ظهرت الآلة البخارية، ماتت مهن وولدت مصانع. وحين ظهرت السيارة، تراجعت عوالم كاملة مرتبطة بالخيل والعربات، لكن ظهرت صناعات النقل والميكانيك والطرق. وحين دخل الحاسوب إلى الحياة، خاف الناس من نهاية العمل المكتبي، فإذا به يخلق أعمالًا لم يكن أحد يتخيلها.

الذكاء الاصطناعي سيفعل الشيء نفسه، لكن بسرعة أكبر وقسوة أشد. سيجبر الإنسان على أن يعيد تعريف نفسه. لم يعد كافيًا أن يعرف المرء شيئًا، لأن المعرفة أصبحت متاحة. المهم أن يعرف كيف يستخدم المعرفة، كيف يميز الصحيح من الزائف، كيف يحكم، كيف يبدع، كيف يربط بين الأشياء، كيف يمنحها معنى.

المستقبل لن يكون لمن يحفظ أكثر، بل لمن يفهم أعمق. لن يكون لمن يكتب أسرع، بل لمن يكتب أجمل وأصدق. لن يكون لمن يملك شهادة فقط، بل لمن يملك قدرة دائمة على التعلم والتحول. الشهادة ستصبح بداية الطريق لا نهايته، والخبرة ستصبح حية لا جامدة، والمعرفة ستحتاج إلى تحديث مستمر.

إن المهن التي ستصمد هي تلك التي تقوم على الإبداع، والحكم الأخلاقي، والذوق، والخيال، والعلاقة الإنسانية، والقيادة، والتفكير المركب. سيظل العالم بحاجة إلى الفيلسوف، والكاتب، والطبيب الحكيم، والمعلم الملهم، والقاضي العادل، والفنان، والمخترع، والمفكر، والباحث، والإنسان القادر على رؤية ما لا تراه الخوارزمية.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: أي وظيفة ستختفي؟

السؤال الأعمق هو: أي إنسان سيبقى؟

فالذي يرضى بأن يكون ترسًا صغيرًا في آلة كبيرة قد تستبدله آلة أصغر وأسرع وأرخص. أما الذي يصقل عقله، ويوسع ثقافته، ويجعل من خبرته الإنسانية قيمة لا تُقاس بالأرقام وحدها، فلن يكون ضحية المستقبل، بل أحد صانعيه.

نحن لا ندخل زمن نهاية الإنسان، بل زمن نهاية الإنسان الكسول معرفيًا، المطمئن إلى شهادة قديمة، أو مهارة جامدة، أو وظيفة ورثها من القرن الماضي. أما الإنسان الخلاق، المتعلم، القلق، المتأمل، القادر على أن يبدأ من جديد، فسوف يجد في الذكاء الاصطناعي لا مقبرة له، بل أداة مضاعفة لقوته.

والخلاصة أن الذكاء الاصطناعي لن يقتل العمل، لكنه سيقتل العمل الرديء. لن يمحو الإنسان، لكنه سيفضح الإنسان الذي لم يطوّر نفسه. لن ينهي المهن، لكنه سينهي الوهم القديم بأن المهنة وحدها تكفي لحماية صاحبها.

في الغد القريب، لن تكون النجاة لمن يقاوم الآلة بالصراخ، بل لمن يتعلم كيف يستخدمها دون أن يفقد إنسانيته. فالآلة قد تعرف أكثر، لكنها لا تحب. قد تحسب أسرع، لكنها لا ترحم. قد تكتب نصًا، لكنها لا تملك جرح الكاتب ولا ذاكرة المنفى ولا قلق المصير. ومن هنا تبدأ قيمة الإنسان من جديد.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أ. د. قاسم المندلاوي

أولاً: مستوى التحكيم

من خلال متابعتنا لعدد كبير من مباريات كأس العالم 2026، يمكن تسجيل جملة من الملاحظات حول المستوى التحكيمي، إذ بدا في بعض المباريات أن هناك تباينًا في تطبيق القوانين، الأمر الذي أثار نقاشًا واسعًا بين الجماهير والإعلام الرياضي ،

وقد برزت شكاوى عديدة تتعلق بعدم الثبات في القرارات التحكيمية ، ولا…

متابعة: عبد اللطيف الحسينيّ

قَبلَ حوالي عَقدين كنّا ثلاثةً: ياسين حسين وغسان جانكير وأنا، وبينَنا الأدبُ والسياسةُ، وصخبُ الحياة وتكاليفُها على رجلٍ تَرَكَ حلبَ ليقيمَ في مدينته التي أحبَّ “عامودا” حيث لا عمل والقبضةُ البعثية الأسديّة ومخابراتُها تحصي أنفاسَ مخالفيها بخلاف ما روّجه البعثيّون بانكفائها، لكن بقي البعثُ” قائداً للدولة والمجتمع” أو شيء من هذا الوضيع…

صبري رسول

 

تضعك شمس عنتر في قلب الحدث، فيشعر القارئ أن القصّة تجري معه، أو حدثت قريبا منه وفي محيطه، إلى أن يصل به الأمر أن يشعر أنّ الكاتبة تروي الحكاية له، القصة التي حدثت للتوّ.

النّصوص هي سيرة أهل الجزيرة، سيرة مدنها وأزقتها وقراها. هي سيرة النّاس في أزمنة الحرب، سيرة النّساء والشّهداء.

وبخلاف قصصها السّابقة، التي…

فرهاد دريعي / ألمانيا

عزيزتي:

المسافة لم تصنع لي وطنا بديلاً، ​فقط كانت هي الأقدار حينما كتبتْ فصولاً لم أخترها، وألقت بي في فيافي غربةٍ أجرّ خلفي حقائب ممتلئة بالذكريات، وتاركاً قلبي حيثما أنتِ، يهيم في طرقات قامشلو نهاراً وفي الليل يندس تحت وسادتكِ.

​هذه ليست قصة إقصاء أو سفر، إنما سيرة روح شُرخَت، فنصفٌ يعيش مرغماً في…