صبحي دقوري
لم يفشل النقد العربي في استيعاب سليم بركات لأن نصّه صعب فحسب، بل لأن مشروعه الأدبي كلّه يفضح حدود الأدوات التي اعتاد النقد العربي أن يعمل بها. فالمسألة، في جوهرها، ليست أزمة نصّ غامض أمام قارئ مرتبك، بل أزمة جهاز نقدي كامل حين يجد نفسه أمام كتابة لا تدخل في قوالبه، ولا تستجيب لمفاتيحه الجاهزة، ولا تسمح له بأن يمارس عليها عادته القديمة: عادة التفسير السريع، والتصنيف المطمئن، والحكم من خارج التجربة.
لقد وُضع سليم بركات، في الغالب، خارج جهاز الفهم المتاح. لا لأنه استعصى على الفهم بطبيعته، بل لأن النقد العربي لم يطوّر بعدُ من الأدوات ما يمكّنه من مقاربة نصٍّ يجعل اللغة نفسها ميدان المعركة. فالنقد العربي الحديث، في معظمه، نقد موضوعات لا نقد لغة؛ يسأل: عمَّ يتكلم النص؟ ولا يسأل بما يكفي: كيف تعمل اللغة في النص؟ يسأل عن القضية، عن الحكاية، عن الرمز، عن الموقف، عن الفكرة العامة، ثم يطمئن إلى أنه قرأ. أما عند سليم بركات فليست القضية خارج اللغة، وليست الحكاية قبل العبارة، وليست الهوية موضوعًا جاهزًا ينتظر التعبير عنه. اللغة نفسها هي القضية، وهي الحكاية، وهي الهوية وهي الجرح.
هنا تبدأ المشكلة الكبرى. فالناقد الذي يدخل نص بركات باحثًا عن موضوع واضح سيخرج مرتبكًا، لأنه يطلب من النص ما لم يَعِدْه به. إن بركات لا يكتب لكي يقدّم “مضمونًا” في وعاء لغوي مزخرف، بل يكتب كما لو أن المضمون لا يولد إلا داخل اللغة، وكما لو أن الكائنات والأسماء والأشياء لا توجد قبل أن تضربها الجملة وتوقظها من سباتها. ولذلك يصبح السؤال التقليدي: ماذا يقول النص؟ سؤالًا ناقصًا، بل سؤالًا عاجزًا. السؤال الأجدر هو: كيف يصنع النص عالمه؟ كيف تتناسل صوره؟ كيف تتحرك أسماؤه؟ كيف تتحول الجملة إلى مكان، والمكان إلى ذاكرة، والذاكرة إلى حيوان، والحيوان إلى قوة أسطورية لا تُختزل في الرمز المدرسي البسيط؟
ومن هنا تتضح أزمة الأدوات قبل أزمة النص. فالنقد العربي بعد الحداثة استعار كثيرًا من المناهج، ولكنه كثيرًا ما استعارها وصفًا لا روحًا، تقنيةً لا مغامرة. عرف البنيوية والتفكيك والسيميائيات والتحليل الأسلوبي، ولكنه، في حالات كثيرة، حوّلها إلى عناوين ومصطلحات، لا إلى طاقة قراءة حقيقية. أما سليم بركات فيضع هذه المناهج أمام امتحان عسير؛ فهو لا يمنحها مادة مريحة، ولا يترك نفسه يفسَّر بالتمثيل المباشر، ولا بالرمز المدرسي، ولا بالقراءة النفسية السهلة، ولا بالتحليل الأيديولوجي المستعجل. لذلك لا يشتغل عليه المنهج الجاهز كما يشتغل على نصٍّ عادي. والنقد العربي، في أحيان كثيرة، لا يحب النصوص التي تطلب منه أن يخترع أداته بدل أن يستعمل أداته القديمة.
ثم هناك صدمة اللغة. فذائقة الناقد العربي، في كثير من أحوالها، نشأت بين فصاحة مدرسية ووضوح صحافي. تريد من النص أن يكون مفهومًا بالمعنى السريع للكلمة، وأن يسلم قياده منذ القراءة الأولى، وأن يقدّم نفسه في هيئةٍ تسمح بالتلخيص. فإذا واجهت لغة بركات الكثيفة، العاصفة، المتوالدة، التي لا تخجل من وعورتها، بادرت إلى اتهامها بدل تفكيكها. فبدل أن تُحلَّل اللغة، تُدان. وبدل أن تُقرأ بنيتها، تُشيطن غرابتها. وبدل أن يُسأل عن ضرورة الكثافة في مشروع الكاتب، يُقال ببساطة: إنه غامض.
وهذا من أبسط مظاهر الكسل النقدي. فاللغة الصعبة ليست دائمًا عيبًا، كما أن اللغة الواضحة ليست دائمًا فضيلة. قد تكون الصعوبة علامة عمق، كما قد يكون الوضوح علامة فقر. وقد تكون الكثافة ضرورة داخلية، لا زينة عابرة. وسليم بركات لا يكدّس الكلمات ترفًا، بل يبني بها عالَمًا لا يمكنه أن يقوم بلغة رقيقة، سهلة، مستوية. إن عالمه ليس صالونًا لغويًا، بل غابة؛ والغابة لا تُقرأ بعين من اعتاد الأرصفة المستقيمة.
تطلب الثقافة النقدية العربية، في الغالب، من النص أن يتنازل للقارئ، لا من القارئ أن يرتفع إلى النص. فإذا جاء نصٌّ لا يقدّم نفسه لقارئٍ مستعجل، عُدّ متعاليًا أو ملتبسًا أو مغلقًا. وهذه واحدة من علل القراءة عندنا: أننا نريد من النص العظيم أن يبرّر صعوبته، ولا نطلب من الناقد أن يبرّر عجزه. كأن الأدب مدين للكسل بأن يكون بسيطًا، وكأن النقد غير مطالب بأن يغامر، ويتعلّم، ويتدرّب، ويفتح لنفسه طرقًا جديدة.
ولقد دفع سليم بركات ثمن هذه الثقافة. فهو لا يمنح القارئ طريقًا واحدًا إلى نصه، ولا يضع أمامه لافتات تفسيرية، ولا يشرح رموزه على طريقة الكتب المدرسية. إنه يكتب نصًّا يريد قارئًا شريكًا، لا متفرجًا. يريد ناقدًا يدخل معه في المغامرة، لا ناقدًا يقف على الهامش ويطلب بطاقة تعريف. لكن النقد العربي كثيرًا ما سأل عنه كما يسأل عن ملف إداري: أهو شاعر أم روائي؟ أهو كاتب كردي أم عربي؟ أهو غرائبي أم أسطوري؟ أهو صاحب قضية أم صاحب لغة؟ وما فاته أن قيمة بركات الكبرى قائمة في رفض هذه الحدود كلّها.
ثم إن هناك سببًا آخر لا يقل أهمية: سليم بركات هو الكردي الذي لم يقبل أن يلعب دور الضحية المريحة. كان النقد العربي مستعدًا، إلى حدٍّ ما، لاستيعاب الكاتب الكردي إذا كتب خطابًا واضحًا عن المظلومية، أو رفع شعارًا سياسيًا مباشرًا، أو قدّم الهوية بوصفها مرثية، أو حوّل الذاكرة إلى بيان. أما بركات فقد رفض هذه اللعبة. لم يكتب الكردي بوصفه موضوعًا للشفقة، ولا جعل الهوية بطاقة احتجاجية، ولا قدّم الجرح في صيغة خطابية قابلة للاستهلاك. لقد كتب الهوية وهي مغطاة بالأسطورة، متوارية في اللغة، متحولة إلى كائنات وأسماء وأرض وطفولة وخوف وغرابة. ولذلك لم يكافئه النقد الجاهز؛ لأنه لم يمنحه خطابًا جاهزًا يستطيع أن يصفّق له أو يختلف معه.
إنه لم يقل للنقد العربي: ها هي قضيتي، تعالَ اشرحها. بل قال له، بلسان النص لا بلسان البيان: ها هي لغتي، فإن استطعت فادخلها. وهذا ما لم يكن سهلًا. فالناقد الذي يريد القضية دون أن يتورط في اللغة، لن يفهم بركات. والناقد الذي يريد الهوية بلا تعقيد جمالي، لن يفهمه. والناقد الذي يريد الكردي شاهدًا على الظلم فقط، لا خالقًا لعالم أدبي كامل، لن يجد عند بركات ما يريحه.
ولهذا كان سوء التصنيف واحدًا من أسباب الفشل. فقد حاول كثيرون أن يضعوه في خانة: شاعر لغة، روائي غرائبي، كاتب أسطوري، كاتب هامش، كاتب صعب. وكل هذه الأوصاف قد تلمس شيئًا منه، لكنها لا تستوعبه. فهو ليس شاعر لغة فقط، لأن اللغة عنده ليست غاية جمالية منفصلة، بل طريقة في إعادة خلق الوجود. وليس روائيًا غرائبيًا فقط، لأن الغرابة ليست عنده زينة تخييلية، بل منطق داخلي لعالم مكسور ومهجّر وممتلئ بالأرواح والأسماء والحيوانات. وليس كاتب هامش فحسب، لأنه لا يكتب الهامش من موقع الاستعطاف، بل يحوّله إلى مركز مضاد.
كذلك لم يخدم بركات نفسه، بالمعنى المؤسسي الضيق، لأنه لم ينتمِ إلى جماعة نقدية تحرسه، ولا إلى مدرسة تدافع عنه، ولا إلى حزب أدبي يروّج له، ولا إلى شبكة ثقافية تفرضه على القراءة. لم يكن كاتب بيانات، ولا صاحب شعارات، ولا ابن مؤسسة. كان وحيدًا تقريبًا، والوحدة في الثقافة العربية مكلفة. فالنقد عندنا كثيرًا ما يرى من خلال الجماعات لا من خلال النصوص، ويطمئن إلى الكاتب إذا جاء محاطًا بضجيج، أما الكاتب الذي يأتي وحده، ومعه جبله اللغوي فقط، فيُترك طويلًا في العزلة.
غير أن هذه العزلة لم تكن دليل ضعف، بل دليل فرادة. فالكاتب الذي يحتاج إلى مؤسسة كي تشرح عظمته قد لا يكون عظيمًا بما يكفي. أما سليم بركات فقد ترك نصوصه تقوم مقامه، وتدافع عنه بطريقتها الخاصة، وإن تأخر النقد عن اللحاق بها. فليست المشكلة أن بركات نقصه النقد الحقيقي، بل أن النقد الحقيقي هو الذي نقصه سليم بركات؛ أي نقصته الجرأة على مواجهته بما يليق به من معرفة وصبر ومغامرة.
إن فشل النقد العربي في استيعاب سليم بركات اسمٌ آخر لأزمة أوسع: أزمة أدوات، وخوف من النص، وكسل منهجي، وسوء تصنيف، وثقافة تطلب التفسير أكثر مما تطلب المغامرة. لقد أراد النقد أن يشرح بركات كما يشرح نصًا عاديًا، فإذا بالنص يهدم شروط الشرح نفسها. أراد أن يجد فيه موضوعًا، فإذا باللغة تبتلع الموضوع. أراد أن يحاصره في هوية، فإذا الهوية تنقلب إلى أسطورة. أراد أن يحاكم صعوبته، فإذا الصعوبة تحاكم ضحالة أدواته.
ولذلك ينبغي أن نقول بوضوح: لم يكن سليم بركات هو المشكلة، بل كان المرآة. المرآة التي رأى فيها النقد العربي حدوده، وضيق ذائقته، وتردده أمام النص الذي لا يلين. ومن عادة المرايا القاسية أن تُتّهم، لا أن يُعترف بما تكشفه. لكن الزمن، في النهاية، أعدل من النقد المتعجل. وسيأتي يوم يُقرأ فيه بركات لا بوصفه كاتبًا صعبًا، بل بوصفه كاتبًا وسّع العربية من داخلها، وأجبرها على أن تنطق بما لم تكن معتادة أن تنطق به.
ذلك أن النص الكبير لا يُقاس بما يقدّمه من سهولة، بل بما يفرضه من تغيير في شروط القراءة. وسليم بركات غيّر هذه الشروط، أو حاول أن يغيّرها، فكان طبيعيًا أن يرتبك النقد أمامه. لكن ارتباك النقد ليس حكمًا على الكاتب والحكم على النقدي نفسه وممنوع تبدأ الحقيقة
الكاتب، بل حكمٌ على النقد نفسه. ومن هنا تبدأ الحقيقة: لم يفشل بركات في أن يكون مفهومًا، بل فشل النقد العربي في أن يكون مستعدًا لفهمه.
:::