محي الدين حاجي
أتذكر في بداية انتقالي إلى مدينة ديريك عام 1978 لدراسة المرحلة الاعدادية، كانت المدينة بالنسبة لي عالماً آخرحركة السيارات والموتورات، الكهرباء، حنفيات المياه، والشوارع النظامية المزفتة (خاصة وسط ديريك والحارات الغربية والجنوبية منها).كانت الكهرباء احيانا توفَّر بواسطة مولدة كبيرة تغذي المدينة، وبالتسمية الشعبية لها (الموتور). وكان عند سماعك لصوته المزعج دليلاً على وجود الكهرباء في المدينة. كانت هذه المولدة تقع على ضفة النهر الجنوبي بالقرب من شعبة التجنيد القديمة. ويا للعجب! فإن الضفة الشمالية للنهر ومقابل المولدة لم تكن مغذاة بالكهرباء ولا تمديدات مياه الشرب تصلها؛ فكان سكان ذلك الحي، المسمى شعبياً حارة (قجلة) وصولاً إلى بستان (نجم)، يجلبون المياه من نبع (كانيا عسكرية) بمياهها العذبة وصورة مياهها المتدفقة التي لا تغيب عن البال. وكان بجانب المولدة (طوب) أي مدفع رمضان، الذي كان يطلق في شهر رمضان عند اذان المغرب وصوت الاذان يذكرني بالمرحوم ملا حمديا مؤذن المسجد والذي لم اسمع بحياتي صوت مؤذن مثله وحتى الاخوة المسيحيين كانوا يريدون سماع صوته وترتيله للأذان.
أسواق ديريك
كان في وسط المدينة سوق مزدحم مبني من الحجر البازلتي ومسقف بالتنك والتوتياء (مكان الساحة الحالية)، مقسم إلى أقسام: منها ما هو مخصص لمتطلبات أهل القرى من أدوات الفلاحة، وقسم آخر للخضراوات والفواكه، وقسم للحوم، وقسم للخياطة، وتتوسطها مقهى خاصة للشاي والقهوة.ومقابل هذا السوق باتجاه طريق (كاني كركه) كان سوق تصليح البوابير والصوبيات؛ وعند اقترابك منه لم تكن تسمع أي صوت سوى قرقعة المطارق والسنادين وهم يلفون البواري والعكوس واصوات بوابير الكاز. والصوت الوحيد الذي أتذكره لغاية اليوم لأنني معجب به -وما زال يغني ويطرب البدن- هو الصوت الجزيري للفنان روني جزراوي، بعد أن قاوم وناضل في سبيل هدفه ونالها، وهو جالس أمام دكان -على ما أظن- لـ (مصطوكا) الذي كان معلماً في تبييض الأواني القديمة وصناعة البواري .وفي الزاوية الأخرى ، كان دكان (حنا مطلوب) المشهور والمعلم الوحيد -على ما أظن- في تركيب وتلبيس أرجل وسائط الطرق الوعرة حينها(الحدوة- نال) للأحصنة والبغال والحمير.وفي الشارع الثاني المؤدي إلى قرية (كره كرا)، كان معمل المشبك (طيب أو نيب) لصاحبه أبو سلمو، وكان يقدم ألذ أنواع المشبك في ذلك الحين. ومطحنة ارام صاحب افخر قهوة والوحيد بديريك بتلك الفترة .وفي أغلب الأحيان، وفي الصباح الباكر مع أذان الفجر، كنا نخوض حرباً ضروساً مع الأفران حتى نحصل على رغيفين من الخبز (زكي- يعقوب- محمدى صور-أبو سعيد-أديب)، وأحياناً كنا نتلقى بعض (المشاحنات) هناك، وبالأخص في فرني “يعقوبي” و”زكي”. وعند حصولنا على الخبز، كنا نذهب إلى أبو سلمو الواقف أمام بابور الكاز الكبير يمسك بيده سيخاً من الحديد وهو يقلب أقراص الطيب والنيب في المقلاة. وفي فصل الشتاء، كنا نقف بجانب بابوره طمعاً في الحصول على الدفء.أما الشارع المؤدي إلى البريد، فكان يضم خانين (خان لربط الدواب)؛ فكل من يزور ديريك بواسطة الدواب (حصان أو حمار) كان عليه دفع أجرة مبيت لها، على ما أتذكر كانت ربع ليرة ثم ارتفعت إلى نصف ليرة. وإحدى هذه الخانات كانت تديرها سيدة مسيحية اسمها (صارة) عليها الرحمة، وكانت ذات قلب صافٍ، شجاعة وكريمة. و باتجاه الأعلى، كان يوجد مركز توزيع الخضروات ويسمى (الشحن)، وهو المركز الوحيد الذي يوزع الخضراوات والفواكه في ديريك وريفها وكان يديرها بيت محمود الديري في حينها ثم تركها وفتح محل جملة بجانب كراج ميكرو القامشلي وستوديو يمكن كان اسمها ( افين ) الخاص بكاسيتات المسجلات و المزين بصور الفنانين على واجهة المحل منهم صور شفان وكلستان ومحمد شيخو وسعيد كاباري والجزيري وغيرهم.
لم أكن أعلم أن الحياة في (ديركا حمكو) تتشابه مع حال قريتي من حيث تربية المواشي والأبقار؛ فكل يوم، وكعادات أهل القرى المجاورة، كان للمدينة أيضاً أبقارها وشخص يرعاها يدعى (كافان). والشعور الذي أيقظني لهذه المسألة وأنا في طريقي إلى مدرسة إعدادية يوسف العظمة حيث شاهدت إحدى النسوة تنادي جارتها وتقول بأن بقرتها ظلت داخل الكوخ اليوم لأن (علي كافانا) أبكر في المسير اليوم ولم تلحق به. ظل الاسم في خاطرتي ليومنا هذا، ومرتبطاً بالفنان علي كافانا الذي ظل فترة من الفترات فناناً متألقاً في منطقة المالكية؛ وحسب قناعتي، كان صوته نابعاً من قلبه الذي ظل يغني في براري ديركا حمكو في صغره.
كنا نشتري جريدة تشرين اغلب الايام بسبب زاوية قوس وقزح لوليد معماري وكنا ننتظر مجلة الهدف والحرية الفلسطينية التي غالبا بصفحة الرسائل كانت تذكر اسم الاكراد وكردستان واحيانا كانت الرقابة تقطع تلك الصفحة ايضا.والمكتبة كانت تسمى مكتبة الرازي. وفي الشارع الرئيسي المؤدي الى القامشلي بناء السراي او القائم مقامية وسجل النفوس. ومن الحلاقين الذي ساعد الطلاب كثيرا بالاخص اهل القرى الحلاق ايشوع بالقرب من دكان سيروب والمشهور ببيع قبسون الديناميت وفيشك جفت الصيد . بالنسبة لنا نحن طلبة أهل القرى، كنا نعود كل يوم خميس مساءً إلى قرانا مشياً على الأقدام نظراً لاشتياقنا إلى أهلنا والعابنا ولعدم وجود سيارات النقل بعد الظهر . وكوني من أهل الريف، لم أكن بحياتي قد حضرت عرساً (ديركاوياً)، وأعراس ديريك (أي أعراس المدينة) كانت تختلف عن أعراسنا.حضرت ذات يوم عرساً بجانب التجنيد القديم، أحياه الفنان المرحوم سعيد كاباري؛ كان جالساً على كرسيه وأمامه طاولة صغيرة، وفي يده طمبوره، وجهاز إذاعة بميكروفونين من النوع القديم مثبتين على عمودين متقابلين على طرفي الساحة. أتذكره حين كنا واقفين أمامه ونتفرج على الدبكة الكردية ونستمع إلى أغانيه القومية، حين طلب منا نحن (الأولاد) أن نبتعد من أمامه؛ حينها شككت في أمره وظننت أنه يرانا، فقال لي زميلي: “لا، إنه لا يرى، بل قلبه هو الذي يدله ويوجهه.وفي الحي القديم من ديريك، حضرت عرساً آخر كان للفنان عبدو علانة بصوته وصوت (الجمبش)؛ الصوت الذي لا ينساه أهل المدينة وقراها. وفي فاصل الاستراحة، نبهني زميلي وسألني: “هل تعرف الشخص الذي يدق على الجمبش؟“ فقلت له: “لا“. فأكد لي بأنه علي علانة الذي ظل فترة طويلة يحيي الحفلات في منطقة ديريك.والذي لفت انتباهنا في تلك اللحظة شاب آخر في عمره كان يدق على (الدربكة)؛ كان ذا شعر أجعد طويل، مغرماً بفنه، وكان يعلم بأنه سيكون يوماً من الأيام فناناً عظيماً بمدرسة خاصة له، وهو الفنان جمال سعدون صاحب الأغاني المشهورة (ديرك، كانيا غيدا، كانيا عسكرية)أمضينا دراستنا في مدينة ديريك ننتقل بين المدارس؛ كلما ذهبنا إلى مدرسة نقلنا إلى مدرسة أحدث وباسم آخر، بدءاً من إعدادية يوسف العظمة على طريق كاني كركه. وعلى ذكر هذه المدرسة، ذات يوم كنت مع الأخ والصديق المهندس حسين خليفة في الصف السابع نتوجه إلى المدرسة، وكالعادة كنا نخاف من الطريق بسبب وجود أولاد الحارات المجاورة للمدرسة (أحياء إخوتنا المسيحيين). ونحن نمشي في طريقنا، واجهنا صبي أصغر منا سناً وبدأ يضربنا شمالاً ويميناً، ولم نقاوم بسبب خوفنا من أهل الحي. وفجأة، ظهر شاب وسيم معتز بنفسه، أنيق المظهر، من إحدى الدخلات وتوجه إلينا وقال بلهجة باجارية بحتة:
“خولي لخه كرا ما هين نكارن في كوركي كورو” (بمعنى: وا خيبتكم! ألا تستطيعون ضرب هذا الولد؟)
ولم يكد ينتهي من كلامه حتى انهال الرفس واللكمات مني ومن حسين على ذلك الولد ففر فراراً ولم يلتفت خلفه. لم أكن أعرف من هو هذا الشاب لولا صديقي حسين الذي قال لي: “إنه الأستاذ عادل فقه“. حينها دُرج اسمه في ذاكرتي كأستاذ ثم كفنان غنى أغنية ( نارينكة هي نارين) المشهورة بصوته الباجاري.نعود للمدارس؛ انتقلنا بعدها إلى إعدادية يوسف العظمة بجانب المركز الثقافي، ثم إلى ثانوية يوسف العظمة بجانب السراي، وبعدها إلى الثانوية الصناعية. وإني أفتخر بهذه الثانوية كونها خرّجت الكثيرين من طلابنا الذين أكملوا حياتهم وتعليمهم، بل والأكثر فخراً هو تخرّج فنان عملاق منها، ذا صوت باجاري ونكهة باجارية بأغانيه الجميلة الفلكلورية، وهو الفنان ازاد فقه، الذي ينحدر من عائلة معروفة بحبها للفن وحب الحياة. وبالرغم من هوايته للفن، تابع تعليمه في المعهد الصناعي بالحسكة، وهناك قدم الكثير الكثير بين زملائه، وكأن معهد الصناعة تحول بالنسبة له إلى معهد للفنون.تبقى (ديركا حمكو) مدينة ومنطقة، أرضاً وسكاناً، غنية بفلكلورها الشعبي، ونوادر سكانها، وجمالها الطبيعي. وإذا زرت روج افا (محافظة الحسكة) ولم تزر ديركا حمكو، وبالأخص (قبا علي شير، برة بيتي، كوركه روال، بابى كال، عين ديوار، وسويديكية , قره جوخ) فاعتبر زيارتك غير مقبولة طبيعياً!
اعتذر لمن ذكرت اسمائهم وان النوايا صادقة للحفاظ على ذاكرة مدينة جميلة وغنية بفلكلورها وحبهم للأرض والكردايتي .