محي الدين حاجي
لا يمكن قراءة تاريخ منطقة ديريك (المالكية) بعيداً عن صراع البقاء اليومي الذي خاضه الإنسان الكردي ضد ترسانة من الإجراءات التي استهدفت تجفيف منابع عيشه. فبينما كانت القوانين الكبرى تصادر الأرض، كانت “التفاصيل المعيشية” هي السلاح الأمضى الذي استُخدم لتهجير الأهالي بصمت.
شرطة قام چرچي
كانت شرطة الزراعة والثروة الحيوانية والتي سميت بلغة اهل المنطقة بتلك الفترة ربما هي مشتقة من اللغة التركية (القام چرچي) هكذا كنا نسميه تمثل الوجه اليومي للاستبداد في الستينيات والسبعينيات . لم تكن الإجراءات تنظيمية، بل كانت “حرب استنزاف” حقيقية ضد مربي الثروة الحيوانية مضافا الى قوانين الحزام العربي والاحصاء ومزارع الدولة لتعريب المنطقة وان هذه المسالة غائبة من أدبيات الحركة ومنسية. وكان القرار يقضي بنقل المواشي ( الاغنام ) إلى جبل عبد العزيز وكوكب بمدينة الحسكة ويمثل حكماً بالإعدام على مربي الماشية؛ فتلك المناطق الجافة لا تتوفر فيها البيئة الملائمة لتربية المواشي وان منطقة ديريك المعتادة على المراعي الخصبة والمياه الوفيرة. كان الهدف هو “تطفيش” المربي ودفعه لبيع رزقه بثمن بخس والتحول إلى عامل مياومة في المدن البعيدة. وفرضت شروطاً تعجيزية للحصول على تراخيص الرعي وتسجيل اعداد الماشية (الاغنام )، مما جعل 90% من المربين “مخالفين” بحكم قانونهم ، وبالتالي عرضة للمصادرة في أي لحظة.ولم تكن الغرامات تقتصر على المال، بل كانت الدوريات تختار “أفضل رؤوس الغنم” أو تصادرها كعقوبة فورية ورشوة للسكوت . كان هذا السلوك يهدف إلى ضرب اللقمة المعيشية للأسرة الكردية.وكانت دوريات “القام چرچي” تتعمد ملاحقة الرعاة في أوقات الظهيرة أو في ساعات الفجر الأولى وإشعارهم بأنهم تحت المراقبة الدائمة، مما خلق جوّاً من التوتر النفسي المستمر لدى العوائل في القرى لحرصهم على مواشيهم من المصادرة.إلى جانب شرطة القام جرجي وملاحقة الأرزاق في البراري والمشاريع العنصرية المذكورة ، اقتحمت الشرطة العادية خصوصية المنازل في القرى الكردية عبر منع البناء، وهو إجراء هدف إلى منع التوسع الطبيعي للعائلات في القرى.و كانت الشرطة تلاحق السكان وتمنعهم من بناء حتى غرفة طينية إضافية لمواجهة زيادة أفراد الأسرة بحجة انها املاك الدولة او ملاك القرية. كان الهدف هو جعل الحياة في القرية مستحيلة ووضع الشباب أمام خيار وحيد وهوالهجرة القسرية نحو المدن الكبرى وفعلا كان بداية هجرة الشباب الى حلب ودمشق للعمل كعمال يوميين .و لم يقتصر الأمر على المنع، بل تحول بناء “غرفة من اللبن” إلى ذريعة للابتزاز. فكانت دوريات الشرطة تداهم القرى وتفرض غرامات على كل من حاول ترميم سقف منزله أو إضافة غرفة، مما أجبر الأهالي على دفع “الرشاوى” مقابل الصمت عن بناء بسيط يستر عائلاتهم.و كان نقل أي محصول زراعي أو حتى كيس طحين بين قرية وأخرى تعتبر مخالفة ويتطلب أحياناً موافقات او رشوة لغض النظر،
التمسك بالأرض
رغم كل هذا الثقل الحرمان من الهوية، ومصادرة الأرض وتوزيعها على “الغمر”،ومزارع الدولة ومطاردات “القام چرچي” في البراري. استخدم الأهالي سلاح الصبر . حيث تقاسموا الرغيف، وابتكروا طرقاً للاخفاء مواشيهم وحمايتها، ورفضوا إخلاء قراهم رغم إغراءات المدن في نلك الفترة إن ما جرى في ديريك وما حولها لم يكن مجرد قرارات إدارية خاطئة، بل كان خطة اقتصادية واجتماعية ناعمة تهدف لتهجير سكانها و فشلت أمام صخرة الانتماء. يبقى “حب الكوردايتي” هو التفسير الوحيد لبقاء سكان ديريك ومنطقتها كردية الهوية، رغم كل المشاريع التي حاولت يوماً مسح أثرهم من الأرض.