صبحي دقوري
يُعَدّ كتاب فن الرواية للروائي والمفكر ميلان كونديرا واحداً من أكثر الكتب تأثيراً في النظرية الروائية المعاصرة، لكنه في الوقت نفسه من أكثرها إثارةً للجدل. فالكتاب لا يقدم نظرية عامة للرواية بقدر ما يقدم دفاعاً عن رواية كونديرا نفسه، وعن التصور الذي يراه هو جوهر الفن الروائي الأوروبي.
الرواية عند كونديرا: البحث لا الوعظ
ينطلق كونديرا من فكرة جميلة وعميقة مفادها أن الرواية ليست أداةً أخلاقية ولا منبراً سياسياً، بل وسيلة لاكتشاف الوجود الإنساني. فالرواية عنده لا تصدر أحكاماً، بل تطرح أسئلة. ولهذا يضع في مصاف أسلافه الكبار: ميغيل دي ثيربانتس وفرانسوا رابليه وهنري فيلدنغ وغوستاف فلوبير وفرانز كافكا.
هذه الفكرة تمنح الكتاب قوة فكرية حقيقية، لأنها ترفض تحويل الرواية إلى منشور أيديولوجي أو خطاب دعائي.
غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التصور إلى معيار وحيد للحكم على الرواية.
مركزية أوروبية ضيقة
على الرغم من أن كونديرا يتحدث باسم «الرواية» عموماً، فإن عالمه الروائي يكاد ينحصر في التجربة الأوروبية الوسطى.
فأين الرواية الروسية الكبرى عند ليو تولستوي؟ وأين عالم فيودور دوستويفسكي الروحي؟ وأين الروايات العربية أو اللاتينية أو الآسيوية؟
يبدو كونديرا وكأن تاريخ الرواية ينتهي تقريباً عند الحدود الثقافية التي يعرفها ويحبها. ولذلك فإن كتابه، رغم عمقه، لا يقدم تاريخاً عالمياً للرواية، بل يقدم تاريخاً انتقائياً للرواية الأوروبية كما يراها هو.
الرواية بلا مجتمع؟
يريد كونديرا تحرير الرواية من السياسة والتاريخ والأيديولوجيا، لكنه يذهب أحياناً بعيداً في هذا الاتجاه.
فالرواية ليست تأملاً وجودياً فقط، بل هي أيضاً مرآة للمجتمع وصراعاته. روايات أونوريه دي بلزاك وإميل زولا ونجيب محفوظ وغابرييل غارسيا ماركيز لم تكتفِ باستكشاف الذات، بل كشفت بنى السلطة والفقر والطبقات والذاكرة الجماعية.
وحين تُفصل الرواية عن هذه العناصر تصبح أقرب إلى مختبر فلسفي منها إلى فن يلامس الحياة في امتلائها وتعقيدها.
الدفاع عن الشكل على حساب الإنسان
ينشغل كونديرا كثيراً بالبنية الروائية والتقنيات السردية والمعمار الفني للنص. وهذا أمر مفهوم عند روائي يمتلك حساً تركيبياً عالياً.
لكن القارئ يشعر أحياناً بأن الشخصيات تتحول إلى أفكار متحركة أكثر مما هي كائنات من لحم ودم.
وهنا يبرز الفارق بين كونديرا ودوستويفسكي مثلاً؛ فالأخير لا يطرح الأفكار فحسب، بل يجعلها تنبض داخل شخصيات لا تُنسى. أما عند كونديرا فالفكرة كثيراً ما تتقدم على الشخصية.
نبرة الأستاذية
يكتب كونديرا أحياناً كما لو أنه يمتلك المفاتيح النهائية لفهم الرواية.
إنه يشرح ويصنف ويقرر ويستبعد، مما يمنح الكتاب طابعاً تعليمياً واضحاً. لكن الفن الروائي، بطبيعته، أوسع من أن يُحاط بنظرية واحدة أو رؤية واحدة.
فالرواية ليست طريقاً واحداً؛ إنها طرق متعددة تتجاور فيها رواية التأمل مع رواية المغامرة، ورواية الأفكار مع الرواية التاريخية، والرواية النفسية مع الرواية الاجتماعية.
القيمة الحقيقية للكتاب
مع ذلك يبقى «فن الرواية» كتاباً أساسياً لكل من يكتب الرواية أو يدرسها. قيمته لا تكمن في أنه يقدّم الحقيقة النهائية عن الرواية، بل في أنه يفتح نقاشاً عميقاً حول ماهيتها وحدودها ووظيفتها.
إنه كتاب ذكي، لامع، محفّز على التفكير، لكنه ليس كتاباً محايداً. إنه بيان جمالي يدافع فيه كونديرا عن مفهومه الخاص للرواية أكثر مما يقدم نظرية شاملة لها.
ولو أردنا تلخيص المأخذ الأساسي عليه لقلنا:
كونديرا يكتب عن «فن الرواية» كما لو أنه يتحدث عن الرواية كلها، بينما هو في الواقع يتحدث عن الرواية التي يحبها، وعن الفن الذي يمارسه هو نفسه.
ولهذا ينبغي قراءة الكتاب بإعجاب نقدي: الإعجاب بما يفتحه من آفاق فكرية، والنقد لما يغلقه من آفاق أخرى لا تقل أهمية في تاريخ الرواية الإنسانية.