أنا الطِفلُ الذي ضاعَ التاريخُ في عيد ميلاده سألتُ أبي متى عيد ميلادي؟
فأجابَ والدمعُ في عينيهِ يومَ ميلادِك.. كتب القاضي وبخطُّ واضح ولغة لم افهمها رفض لجوئي في بلاد الغربة.. وفي تِلك اللحظة رنَّ الهاتِفُ ( واتس اب ) ليبَشر بأنّكَ جئتَ.. هديّةً في زَمنِ الضياع!
سألتُ أخي هل تتذكر عيد ميلادي؟
قال: وحقِّ الكعبةِ يا صغيري.. كان يوماً لعيناً كنتُ أُصارعُ الموتَ في امَواجِ بحر اليونان ونَجوتُ من الغرقِ بأعجوبةٍ .وفي تلك اللحظةِ التي نجوت منها حياً أتاني خبر قدومك .
سألتُ أختي لعلّى الذاكرةَ تُنصفُني ؟
قالت: “كنتُ في طابورِ الانتظار أرتقبُ اسماً.. خيمةً.. أو كِسرةَ خُبزٍ مِن دوائرِ الأمم المتحدة.. ومنظماتِ الغُبار( UN) حينها رنَّ “الواتسابُ”.. لِيُخبرني بقدومِكَ اللعينِ.. لِتُشاركنا الويلات!
لا أدري يوم ميلادي ذهبتُ الى امي لأسألَ ربما لديها الخَبَرِ اليقين :
قالت: يومها داهموا القريةَ كالذئاب فَتّشوا البيوتَ.. بحثوا عن الشبابِ أرادوا أخاكَ االذي هرب مع مهربي البشر.. وأختَك اللاجئة في المخيمات وأباكَ الذي سافر الى القارةُ العجوز.. أرادوا سَوقَ الجميعِ إلى ميادين القتال لكنهم لم يجدوا في منزلنا الكبير سوى امرأة وحيدة و داية ( بيرك )عجوزة.. وطفلاً ينتظر بزوغ فجرٍ لعين.
أنا ذاكَ الطفلُ
منذ أن استقرت نطفتي في رحم المعاناة، فرغ البيت من سكانه، ولم يبقَ لنا إلا الأشباح والجن. نحن الآن، أنا وأمي، نقف على حافة الوجود؛ ننتظرُ معجزة لمّ الشمل التي قد تأتي أو لا.. أو ننتظر جحيماً نعرفه جيداً وتعودنا عليه. كَبِرتُ الآن وفي حقيبتي بضعةُ صورٍ ومسافات لا زلتُ أسألُ المرايا عن ملامحي: هل أنا الهديةُ التي أبكتْ أبي؟ أم أنا “الناجي” الذي زادَ من غُربةِ أخي؟ أم أنا “الخيمةُ” التي لم تَسكنها أختي؟
أماه.. يا مَن انتظرتِني في البيتِ الخالي أنا لستُ لعيناً كما قالوا .
أنا صرخةُ بيتِنا الذي صارَ ممرّاً للريح
أنا الشملُ الذي لم يجتمع
.. والحلمُ في طوابيرِ اللجوءِ..
وُلدتُ ليكونَ تاريخُ ميلادي.. تاريخَ وجعِ وطنٍ.. ضاعَ منهُ المفتاح.