شيرين خليل خطيب
“حرمة الجسد في زمن اللايك.. حين تتحول الهشاشة إلى خيانة ناعمة”. هو موضوع استقيته من خلال مراقبتي لكل ما يدور حولي، ومِن تجارب مَن حولي مع مواقع التواصل الاجتماعي وما ينجم عنها، وما سينجم عنها مستقبلاً. ففي ثقافتنا، اعتدنا أن نربط مفهوم (حرمة الجسد) بالمرأة فحسب، وكأن الجسد الذكوري خارج معادلة القداسة والانتهاك. لكن الحقيقة التي لا بد أن تُقال بوضوح: “حرمة الجسد لا جنس لها”. كما أن للمرأة حدوداً مصونة، فللرجل أيضاً حدوده وكرامته، ومساحته التي لا يجوز اختراقها، لا باللمس، ولا بالكلمة، ولا بالإيحاء، ولا حتى بالاستدراج العاطفي الخفي من قبل بعض النساء.
حرمة الجسد لا تبدأ عند الاعتداء الجسدي الصريح، بل تبدأ عند أول تجاوز للخصوصية، عند أول تواطؤ مع هشاشتنا، عند أول لحظة نسمح فيها لغريب أن يقترب من مساحتنا الحميمة بحجة “الاهتمام”. فالخيانة لا تبدأ في السرير، بل في الفراغ.
للتوضيح أكثر… بعد الاضطرابات النفسية العميقة، يُعدّ الملل العاطفي من أبرز أسباب الخيانة في العلاقات الطويلة. الملل ليس مجرد شعور عابر، هو تراكم صامت. حين يعيش رجل وامرأة لسنوات معاً، تتحول الدهشة إلى اعتياد، والاختلافات الصغيرة إلى معارك يومية. يبدأ الشجار من تفاصيل تافهة، لكنه ينتهي عند جوهر العلاقة، يتحول الحوار إلى استجواب، والصمت إلى عقوبة، والعتاب إلى سجل اتهامات مفتوح.
يبدأ كل طرف بالشعور أنه غير مرئي، غير مسموع، غير مقدّر. الرصيد العاطفي يقّل، وطاقة الاحتمال تنفد، والامتنان يختفي. بعد أن كانا فريقاً واحداً، يصبحان خصمين، أحياناً في حرب معلنة، وأحياناً في حرب باردة أشد فتكاً. وفي هذه اللحظة الحرجة، لحظة الإنهاك، يصبح الإنسان هشّاً، يتحول (اللايك) إلى وهمِ خلاص.
في زمن المنصات الرقمية، لا تبدأ القصص برسائل طويلة، بل تبدأ بـ”لايك”، إعجاب عابر، تعليق لطيف، متابعة متبادلة على الفيسبوك أو أي موقع تواصل آخر.
في هذه المساحة الهشة تحديداً يدخل “الآخر”. قد يكون شخصاً من الماضي عاد برسالة عابرة، أو وجهاً جديداً يحمل ابتسامة خفيفة وإعجاباً سريعاً، أو مجرد تفاعل إلكتروني يبدأ بلا نية واضحة. في البداية يبدو الأمر بريئاً: “لايك هنا، تعليق هناك. متابعة هنا، مشاهدة قصةٍ فيسبوكية هناك ووضع قلب على القصة الفيسبوكية، لأن لا أحد بإمكانه مشاهدة تعليقات القصة غير صاحب القصة نفسه، بينما قد يمتنع الشخص المعروف اجتماعياً أو ثقافياً عن وضع لايك أو تعليق على المنشور الفيسبوكي العادي، لأن الجميع سيشاهده لا سيما شريكه الآخر. واللايك أو التعليق عندما يكون خلفهما نية مبيتة فإن الشريك الآخر يلاحظه ويحس به لحظتها حتى وإن كان التعليق عادياً وطبيعياً من حيث الظاهر”. نعم، في البداية قد يبدو الأمر بريئاً، لكن حين يكون القلب خاوياً، يتحول أي اهتمام صغير إلى جرعة إنعاش. يبدأ الخيال بالعمل، يقارن أحد الزوجين شريكه بذاك القادم الجديد، لا من واقع حقيقي، بل من صورة مثالية صاغها الذهن الهارب من واقعه. يُخيّل إليه أن هذا الآخر يفهمه أكثر، يقدّره أكثر، يسمعه أكثر، بينما الحقيقة أن الآخر لم يدفع معه الفواتير الباهظة للحياة، ولا تعب الأيام، ولا خلافات التفاصيل. المقارنة هنا ظالمة، لأنها مقارنة بين واقع مُنهك ووهم مُنمّق.
هنا، هل يعني هذا “اللايك” دعوة لعلاقة؟ بالطبع لا. لكن المشكلة ليست في الفعل ذاته، بل في المعنى الذي نحمله داخلنا حين نكون متعطشين للاهتمام. الشخص المُرهق عاطفياً يرى في أبسط إشارات الاهتمام جرعة إنعاش، فيبدأ الخيال بصناعة سيناريو كامل من لا شيء. يقارن شريكه الذي عاش معه ضغوط الحياة وتفاصيلها الثقيلة بشخص جديد لم يختبر معه سوى الصورة المنمقة. هنا تقع الخيانة الناعمة: ليست خيانة جسد بعد، لكنها خيانة مقارنة، خيانة خيال، خيانة مساحة داخلية بدأت تتسع لغير صاحبها. والأخطر أن الطرف الذي ينجرف يبرر لنفسه: “أنا لم أفعل شيئاً”. نعم، لم يحدث شيء جسدي، لكن حدث الكثير داخلياً.
حين يفتح أحد الطرفين نافذة عاطفية صغيرة لغريب، لا يكون “يتسلى” فحسب، بل يخاطر بتقويض أساس أمان حياته، وعلاقته العاطفية الطويلة، وأخلاقياته أيضاً. حرمة الجسد تعني ألا نسمح لأحد بالاقتراب من مساحتنا الخاصة دون وعي، ألا نستخدم الآخرين بوصفهم مسكنات مؤقتة لمللنا، ألا نحوّل هشاشتنا إلى بوابة للانتهاك المتبادل، لأن الخيانة لا تبدأ بقرار فجائي، بل بسلسلة تنازلات صغيرة: “رسالة أطول من اللازم، حديث ليلي غير ضروري، شكوى مستمرة من الشريك لشخص غريب”. مقارنة صامتة لكنها قاتلة.
في هذه الحالة، لماذا يبدو الآخر الجديد الذي نزل إلى الساحة هو الأفضل والأبهى؟ لأنه لم يشاركك الخلافات اليومية، لم يرك متعباً، ولم تره في أسوأ حالاته، لم تختبر معه الضغوط المالية، ولا مسؤوليات الحياة الحقيقية، ولا صدام الطباع. أنت تقارن واقعاً مرهقاً بصورة مثالية… تقارن إنساناً حقيقياً بوهم.
في العلاقات الطويلة، الحب لا يموت فجأة، بل يختنق بالإهمال. لكن علاجه لا يكون ببديل، بل بإحياء ما خمد، بالصراحة المؤلمة أحياناً، بالاعتراف بأننا تعبنا، لا أننا توقفنا عن الحب.
الوعي الحقيقي… الجرأة الحقيقية، ليست في خوض علاقة سرية، ولا في اختبار إعجاب جديد. الوعي الحقيقي يكمن في أن تقول لشريكك: “نحن بحاجة إلى إنقاذ”. أن تعترفا أنكما صرتما غريبين قليلاً، أن تعيدا بناء المساحات المشتركة، أن تتعلما الشجار الصحي بدل الحرب المفتوحة، أن تطلبا مساعدة إن لزم الأمر. لأن كل “لايك” لا يعني قدراً واحتراماً، وكل إعجاب لا يعني انسجاماً، وكل اهتمام عابر ليس خلاصاً.
في النهاية، حرمة الجسد، للمرأة والرجل معاً، ليست فقط حماية للبدن، بل حماية للروح من أن تتحول إلى ساحة تجارب، وللعلاقة من أن تتحول إلى أنقاض بسبب لحظة ضعف. وإذا كان الملل باباً للخيانة، فإن الوعي هو القفل. وإذا كان الشجار دعوة للانجراف، فإن الصراحة هي النجاة.