صدر عن دار تاسك للنشر والتوزيع في الجزائر- أمريكا- إصدار جديد بعنوان “جكرخوين… رسول السهل والجبل” للكاتب إبراهيم اليوسف، يقع الكتاب في نحو مئتي صفحة من القطع المتوسط، ويشكّل إضافة نوعية إلى المكتبة الكردية والعربية، من خلال مقاربة توثيقية تعتمد الشهادات والحوارات والقراءة الثقافية لشخصية الشاعر الكردي الكبير جكرخوين، أحد أبرز رموز الشعر والهوية الكردية في القرن العشرين.
ويأتي الكتاب في إطار مشروع م معرفي ضمن مناسبة مرور مائة عام على تأسيس قامشلي- مدينة الشاعر جكرخوين، وهو يتجاوز حدود السيرة التقليدية، إذ لا يكتفي المؤلف بإعادة سرد محطات حياة جكرخوين، وإنما يسعى إلى إعادة بناء صورته الإنسانية والثقافية والنضالية عبر أصوات من عرفوه وعاشوا معه، مستنداً إلى شهادات أفراد أسرته عدد من أصدقائه ومقربين منه، بما يمنح القارئ فرصة للاطلاع على صورة أكثر قرباً من عالم جكرخوين، تجلي جوانب غير متداولة من حياته الشخصية والفكرية والإبداعية.
ويتوزع الكتاب على مجموعة من البوابات التي تتناول عالم جكرخوين من زوايا متعددة، بدءاً من المقاربات الفكرية، مروراً بشهادات أفراد أسرته وأصدقائه، ووصولاً إلى توثيق جائزة جكرخوين للإبداع الشعري. كما يضم ألبوماً مصوراً يوثق محطات من حياته، إلى جانب خط زمني لأبرز محطات سيرته، وملحقاً يضم وثائق نادرة تعزز القيمة التوثيقية لهذا الإصدار.
ويؤكد المؤلف في مقدمة الكتاب أن هدفه لم يكن كتابة سيرة مألوفة أو دراسة أكاديمية تقليدية، ولا مشروع قراءة نقدية أدبية، وإنما بناء وثيقة إنسانية مفتوحة، تعتمد الشهادة كوسيلة للاقتراب من شخصية وعالم جكرخوين، والكشف عن ملامحها من الداخل، من خلال ذاكرة الأسرة والأصدقاء، بعيداً عن الأحكام الجاهزة أو الصور النمطية. ويرى أن تعدد الأصوات يمنح الشخصية أبعاداً أكثر عمقاً، ويتيح للقارئ التعرف إلى الشاعر إنساناً ومناضلاً وأباً ومثقفاً، إلى جانب حقيقته كأحد أبرز شعراء الكرد.
ولا يقتصر الكتاب على استعادة السيرة الشخصية، بل يسلط الضوء على الدور الذي أداه جكرخوين في الدفاع عن شعبه. قوميته، وعن اللغة الكردية، وإسهامه في ترسيخ حضورها الأدبي، إضافة إلى حضوره السياسي والاجتماعي والثقافي، وتأثيره في تشكيل الوعي القومي لدى أجيال متعاقبة، من خلال شعره ومواقفه ومشاركته في الحياة العامة، وهو ما يجعل الكتاب وثيقة تتقاطع فيها الثقافة بالتاريخ والذاكرة الجماعية.
كما يولي المؤلف اهتماماً خاصاً ببيت جكرخوين وضريحه في مدينة قامشلي، كفضاء للذاكرة الثقافية، ورمز يتجاوز المكان المادي ليغدو شاهداً على مسيرة شاعر ارتبط اسمه بقضايا الحرية والهوية، ويستعرض في هذا السياق الزيارات والأنشطة الثقافية التي احتضنها المكان، وكيف تحول إلى محطة يقصدها الأدباء والباحثون ومحبو الشاعر من مختلف المناطق.
ويتميز الإصدار أيضاً بطابعه التوثيقي، إذ يعتمد على مادة شفاهية جُمعت عبر سنوات من اللقاءات والحوارات، الأمر الذي يمنحه قيمة إضافية بالنسبة للباحثين والمهتمين بتاريخ الأدب الكردي، ولا سيما أن كثيراً من التفاصيل الواردة فيه تُنشر للمرة الأولى من خلال روايات أفراد الأسرة والمقربين من الشاعر، بما يرفد الدراسات المستقبلية بمادة أصيلة ومباشرة.
ولا ينشغل الكتاب بتتبع قصيدة جكرخوين من داخل بنيتها الفنية أو موضوعاتها المباشرة، فذلك ما تناولته دراسات وقراءات كثيرة، بل يتجه إلى ما هو أبعد، إلى أثر القصيدة في عالم مبدعها، وفي سيرته ووعيه ومحيطه الإنساني والثقافي. إنه يقرأ الشعر من خلال ظلاله في الحياة، لا من خلال النص وحده، فيقترب من جكرخوين الإنسان، والأب، والمناضل، وصاحب التجربة، ليكشف كيف تحولت القصيدة عنده إلى طريقة عيش، ووسيلة موقف، وذاكرة جماعية تتجاوز حدود الورق.
ويعد الكتاب الذي قدم له الناقد د. ولات محمد وكتب كلمة غلافه الشاعر محمد نور حسيني، امتداداً لاهتمام إبراهيم اليوسف بالمشهد الثقافي الكردي وتوثيق سير أعلامه، إذ يجمع بين الحس البحثي واللغة السردية، في محاولة لإعادة تقديم جكرخوين للأجيال الجديدة، ليس باعتباره شاعراً فحسب، وإنما بوصفه ظاهرة ثقافية أسهمت في تشكيل الوعي الأدبي والوطني، وتركت إرثاً ما يزال حاضراً في الذاكرة الكردية.
ويُنتظر أن يحظى هذا الإصدار باهتمام القراء والباحثين والنقاد، لما يتضمنه من شهادات ووثائق ورؤى تسهم في قراءة أكثر شمولاً لحياة جكرخوين وإرثه، وتفتح آفاقاً جديدة لدراسة تجربته الشعرية والإنسانية، في عمل يجمع بين التوثيق والسرد والتحليل، ويقدم صورة متعددة الأبعاد لإحدى أبرز الشخصيات الثقافية في التاريخ الكردي الحديث.