شعرية الجسد الراقص والتحولات الجمالية

سديم محمد الفاهوم

يعد الجسد في الأدب العربي المعاصر أحد أكثر الفضاءات اللغوية والدلالية إثارة للجدل، فهو لا يقف عند حدود كونه وعاءً فيزيائياً خالياً من المعنى، وإنما يتعدى ذلك ليكون مسرحاً لتجليات الهوية، والرغبة، والوجود بأسره، لقد تحول التعامل مع الجسد من التغني التقليدي بمفاتنه الخارجية إلى كونه لغة قائمة بذاتها، لغة قادرة على إنتاج المعرفة وتفكيك الأنساق الاجتماعية والأخلاقية السائدة، وضمن هذا السياق، يبرز الشاعر والناقد الفلسطيني فراس حج محمد كأحد الأصوات الشعرية التي أولت الجسد حضوراً استثنائياً وبوليفونياً متعدداً، متجاوزاً الحدود التقليدية للغزل المألوف نحو آفاق تتمازج فيها الحسية المفرطة بالعمق الفلسفي والصوفي.

تتناول هذه الدراسة البحثية المستفيضة قصيدتين تفصل بينهما مسافة زمنية تقارب أحد عشر عاماً؛ الأولى هي قصيدة “على أنفاسي الحرى” المكتوبة عام 2015 والمنشورة في ديوانه “وأنتِ وحدَكِ أغنيَة” (منشورات لبيرتي بوكس، القدس، 2015، ص 79- ص 82)، والثانية هي قصيدة “إلى راقصة فلامنكو إسبانية” المكتوبة عام 2026 والمعدة للنشر ضمن ديوان “هوامش وقصائد”، إن هذا الفارق الزمني الطويل لا يمثل تباعداً في التاريخ فحسب، وإنما يعكس تطوراً بنيوياً وأسلوبياً عميقاً في تجربة الشاعر؛ حيث ينتقل من شبقية حسية مباشرة، حميمية وذاتية، إلى فضاءات جمالية معولمة وأكثر تركيباً وفلسفة، حيث يتقاطع الرقص مع الفكر، والحركة مع الوجود، والجسد الأنثوي مع قضايا الفن الكوني.

ينبني المنهج النقدي في هذه الدراسة على الجمع بين مستويات التحليل البنيوي والألسني، وتطبيقات المنهج الحسي الإيروتيكي وشعرية اللذة، لتفكيك بنية النصين وإعادة تركيبهما للوقوف على دلالاتهما العميقة دون الخروج عن حدود النص نفسه، وتهدف الدراسة إلى رصد كيفية تحول حركة الجسد الراقص من فعل إثارة حسي مغلق في غرفة الحبيبة عام 2015، إلى حدث أنطولوجي وفلسفي يحاور الفضاء والكون والذاكرة التاريخية عام 2026.

تقتضي البنيوية تفكيك النص الأدبي إلى مستوياته اللغوية المتداخلة من صوت وصرف ومعجم وتركيب ودلالة لإعادة كشف شبكة العلاقات القائمة بين عناصره الداخلية، ومن خلال إقصاء المؤثرات الخارجية مؤقتاً والتركيز على النص بوصفه نظاماً ألسنياً مغلقاً، يمكن تلمس الفوارق والتحولات الجمالية والأسلوبية بين نصي 2015 و2026، وفي هذا الإطار، لا يحضر الجسد بوصفه مادة صلبة صامتة، بل يتبدى بوصفه دالاً متحركاً يساهم في بناء مدلولات متعددة الطبقات تتداخل فيها الرغبة الفردية بالرؤية الفلسفية الشاملة.

كما يتكامل هذا المدخل البنيوي مع المنهج الحسي الإيروتيكي وشعرية اللذة، الذي يتجاوز النظرة الضيقة للجنس بوصفه إثارة غريزية عابرة، ليعيد قراءته بوصفه تجربة وجودية ومعرفية معقدة، فالإيروتيكية، المستمدة تاريخياً وفلسفياً من مفهوم “إيروس” اليوناني، تمثل قوة دافعة نحو الجمال والمعرفة والاكتمال، وتكشف هذه المقاربة كيف يوظف الشاعر الوصف الحسي الدقيق ضمن سياق فني رفيع، متقاطعاً مع التراث العربي الصوفي الذي تعامل مع الجسد واللذة بوصفهما طريقاً للاتحاد والفناء والارتقاء الروحي.

تستمد القصيدة الأولى “على أنفاسي الحرى” بنيتها الإيقاعية من تفعيلات حرة تقترب من السيولة النثرية، وتعتمد بالكامل على الإيقاع الداخلي وتكرار الحروف المهموسة والرخوة لتجسيد الحالة الشبقية الحميمة، ويلاحظ الدارس حضوراً مكثفاً للأصوات اللغوية التي تعكس طبيعة اللهاث والحرارة الجسدية، مثل السين، والشين، والحاء، والراء، يظهر ذلك جلياً في استهلال القصيدة: “البسي أشهى لباسٍ وليكنْ أقصرَ مما يجبُ / من الأعلى يبين النهد، خط النهد مجرى اليدْ”.

إن تكرار السين والشين في “البسي” و”أشهى” و”لباس” يخلق جرساً صوتياً يحاكي حفيف الثياب وحركة التجريد من الملابس، في حين يعبر الصوت الطبقي الحلقي الرخو المهموس (الحاء) والصوت التكراري المجهور (الراء) في مفردة “الحرى” عن التوق البدني والتوتر الحسي، تتلاحق في النص الأصوات الساكنة التي تنهي المقاطع القصيرة المغلقة لتخلق إيقاعاً متسارعاً يماثل دقات القلب المتسارعة أثناء الرقص والاقتراب الحسي، هذا التدفق الفونيمي المتميز بالهمس والرخاوة يخدم تيمات القرب والذوبان الجسدي، حيث يرتفع منسوب الدفء الصوتي مع توالي الكلمات المحملة بأصوات المد الحرة التي تعبر عن التنهد والارتخاء البدني اللاحق لعملية الانتشاء، وتحقق نشوة الاتصال الجنسي بين الحبيبين.

أما قصيدة “إلى راقصة فلامنكو إسبانية”، فإن بنيتها الإيقاعية تكتسب طابعاً معمارياً وهندسياً صارماً يتوزع على أربعة عشر مقطعاً مرقمة تترابط فيما بينها بنظام بنائي محكم، ويعتمد الإيقاع الخارجي والداخلي فيها على تكرار نغمة المد الطويل بالياء والنون (ينْ/ينَ) في قوافي السطور الشعرية : “تتأنّقينْ”، “ترفلينَ”، “ترسمينْ”، “الجبينْ”، “الحنينْ”، “تتزيّنينْ”، إن هذا تكرار الصوتي لا يمثل زخرفة موسيقية خارجية تضاف للنص، بل يشكل المعادل السمعي لخطوات الراقصة الإسبانية ونقرات قدميها المتواترة على خشبة المسرح، وهو ما يُعرف في رقص الفلامنكو بضربات الإيقاع الصارمة الزاباتيادو (Zapateado) المؤداة بضربات الحذاء.

تتحرك الموسيقى في القصيدة الثانية بطريقة صعود وهبوط منتظمة، تتناوب فيها المقاطع الطويلة المفتوحة التي تمنح الحركة امتداداً في الفضاء، والمقاطع المغلقة التي تعكس حزم الرقص الإسباني وصرامته، تتبدى الأصوات المجهورة والشديدة مثل القاف والطاء والدال في قوله: “بألوانه وعطوره بروائه تتزينين” و”تتمازجين مع خمرة الكأس المعنب” لتخلق إيقاعاً نقرياً حاداً يقطع السيولة الصوتية، معبراً عن التوتر والصرامة اللذين يحكمان جسد راقصة الفلامنكو، إن الانتقال الصوتي بين القصيدتين يظهر تحولاً جلياً من إيقاع اللهاث الشخصي والحميمي المنغلق في النص الأول، إلى إيقاع الحركة الجمعية، والمسرحية، والطقوسية الصارمة التي تميز الفضاء الفني المفتوح في النص الثاني.

يكشف التحليل المعجمي للقصيدتين عن تباين بنيوي عميق في اختيار المفردات وصياغتها الصرفية وتوزيعها على الحقول الدلالية؛ ففي قصيدة “على أنفاسي الحرى”، يهيمن الحقل المعجمي للجسد العضوي المباشر وتفاصيله الحميمية الحاضرة في فضاء الغرفة المغلقة، لأن الرقص مقتصر عليهما، فالحبيبة هي الراقصة، والشاعر هو المشاهد الوحيد، وانعكس ذلك على طبيعة الألفاظ المستخدمة، ليزدحم النص بمفردات تنتمي لبيولوجيا الجسد وتشريحه الحسي: “النهد”، “خط النهد”، “الإبطان”، “شعر”، “عرق”، “الحشا”، “لباس داخلي”، “خاصرتي”، “أسفل البطن”، “شفتيك”، “أوصال”، “عضو”، تتخذ هذه الألفاظ طابعاً حسياً مادياً خالصاً يهدف إلى رسم جغرافيا جسدية واضحة المعالم ومحددة المواقع، لا تحتمل الإحالة إلى مجازات بعيدة، بل ترتكز على تلمس السطح الخارجي للأنثى واختباره بالبصر واللمس والشم المباشر.

على النقيض من ذلك، فإن قصيدة “إلى راقصة فلامنكو إسبانية” تستدعي حقلاً معجمياً يتداخل فيه الجسد بالطبيعة والفن والكون والفلسفة العميقة، يتقلص حضور الألفاظ التشريحية المباشرة للجسد لصالح مفردات جمالية وحركية ورمزية تحول الجسد إلى أيقونة كونية: “غصون قدك”، “الجسم المهفهف”، “زهرة الفل”، “زهرة اللوز المنور”، “بساتين الحنين”، “خمرة الكأس المعنب”، “الورد”، “الرياح”، “الضياء”، “الظلام”، “شمس العارفين”، “الأيك”، “الأفياء”، وحتى عندما يرد لفظ من قبيل “الردف” في المقطع الثالث عشر، فإنه لا يرد ضمن سياق الرغبة المادية المباشرة، بل يتم تحويله صرفياً ودلالياً إلى آلة موسيقية تصدر نغماً يعاد صياغته في الفضاء: “فالردفُ يعزفُ، واليدانِ مهارةٌ”.

إن هذا التباين المعجمي يشير إلى انتقال دلالي من حقل “الجسد المستهلك حسيّاً” في النص الأول، حيث الغاية هي الارتواء والالتصاق المادي والتذوق الحسي المباشر، إلى حقل “الجسد المنتج للمعلومة والجمال” في النص الثاني، حيث الجسد أداة سيميائية تعيد هندسة الكون وصياغة قوانين الطبيعة والوجود، ويظهر هذا جلياً في تحول دلالة “العرق”؛ فبينما كان في القصيدة الأولى سوائل أنوثة سمراء متسربة ترتبط بالرغبة المباشرة، تحول في القصيدة الثانية إلى ندى فني يرتكز عليه الجسد ليرتقي بالحرف.

كما ينعكس التباين في الأسلوب بين القصيدتين على مستوى هندسة الجمل وسبك التراكيب النحوية وتوزيع الضمائر وصيغ الأفعال، ففي نص 2015، تتأسس التراكيب على جمل فعلية قصيرة، متلاحقة، وتفتقر إلى الروابط التركيبية المعقدة، مما يعزز الإحساس بالسرعة واللهفة والاندفاع العاطفي والجسدي، ونلحظ غياب الجمل الشرطية المركبة أو أدوات الاستدراك المعقدة، حيث تحل محلها جمل إنشائية طلبية (أمر ونهي) تسير في اتجاه خطي مباشر: “لا تحلمي واقضميني قطعة من شهوة وجنون أنثى/ لا تغسليني إلا في ماء الحياة”.

وتتكئ البنية التركيبية هنا على ثنائية “أنا – أنتِ” المباشرة والمتواجهة وجهاً لوجه، حيث ينسج الشاعر فضاءً مغلقاً تتحرك فيه جمل العطف المتلاحقة لتكثيف الفعل الحسي وإلغاء المسافة الفاصلة بين الجسدين، وتطغى صيغة فعل الأمر المسند إلى ياء المخاطبة المؤنثة بشكل لافت ومكثف: “البسي”، “اتركي”، “ارقصي”، “طوقيني”، “اجعليني”، “قربيني”، “أسمعيني”، “مدي”، “أغمضي”، “قبليني”، “اركبي”، “أشبعي”، “ارتوي”، “أرويني”، “مارسي”، ويوضح هذا التدفق الهائل لأفعال الأمر بنية تسلطية ذكورية موجهة للأنثى، حيث الشاعر يمثل الذات الآمرة والمتحكمة التي تدير حركة طقس الرقص والوصال الحسي، وتحدد بدايته ونهايته ونوع اللباس وشكل الاقتراب البدني.

أما في نص 2026، فإن البنية التركيبية تزداد تعقيداً وعمقاً، وتنقلب الآية الصرفية لتسود صيغة الفعل المضارع المسند لياء المخاطبة المؤنثة التي تفيد الاستمرار والتجدد الذاتي: “تتأنقين”، “ترفلين”، “ترسمين”، “تمجدين”، “تتزينين”، “تتمازجين”، “تتشاطرين”، “تلعبين”، “ترقصين”، يعكس هذا التحول النحوي منح الأنثى استقلاليتها وحريتها الكاملة؛ فالراقصة هنا هي فاعل الحركة المستمرة والنشطة في المضارع، بينما تقتصر الذات الشاعرة على دور الرقيب الجمالي والمشاهد المنبهر المتأمل لهذا التدفق الإبداعي، دون التدخل بأوامر تحدد حركتها أو لباسها، لأن الراقصة في النص لا ترقص له على نحو خاص كما هو في النص الأول، إنما هو أحد المشاهدين لتلك الراقصة على المسرح، وهذا ربما ما يفسر سر هذا التحوّل بين الصيغتين.

تتوزع القصيدة الثانية على بنى توازٍ تركيبي وتناظر نحوي محكم يساهم في بناء المعنى الكوني، يظهر ذلك بوضوح في المقطع الرابع الذي يتأسس على جمل اسمية منسوخة بالفعل “كان” ومبنية على التقابل والطباق الجمالي والوجودي: “كنتِ الرياحَ، وكنتِ صمتاً مستكينْ/ كنتِ الضياءَ، وكنت وَهْمَ السالكينِ/ كنتِ الظلامَ، وكنتِ شمس العارفينْ/ كنتِ الجمالَ، وكان أجمله رهينْ”.

إن هذا التوازي التركيبي في البناء يتجاوز الوصف البسيط للجسد ليرقى بالحبيبة الراقصة إلى مصاف الكينونة الشاملة التي تجمع الأضداد والطباقات الوجودية، هذا الأسلوب التركيبي الهندسي يتوافق تماماً مع ما تصفه القصيدة في سياقها بأن الراقصة أصبحت “تهندس الشكل”، فالشاعر يطابق هندسة جسدها الراقص بهندسة لغوية وتراكيب متوازية تتلاقى فيها الأطراف النحوية بدقة بالغة تصنع التناغم الكوني الحركي واللغوي في آن معاً.

تحقق الصورة الشعرية في النصين قفزة نوعية في كيفية توظيف الرمز وسيميائية الجسد الراقص، في قصيدة “على أنفاسي الحرى”، ترتبط الصورة الشعرية بحدود المادية الجسدية المباشرة والمحلية، يمثل الرقص هنا فعلاً لاستدعاء الرجولة والشهوة في فضاء مغلق ومحدود بحدود جغرافية وثقافية ذاتية: “وافرحي يا غنوتي الجنوبية”، ويكتنز الجسد بدلالات المتعة الفردية والاتحاد العاطفي والبدني الخاص بين عاشق ومعشوقته، حيث ينحصر المعنى في تأمين ملاذ دافئ من العالم الخارجي عبر طقوس الاتصال البدني والروحي الحميم.

تعتمد الصور هنا على التشبيه والاستعارة القريبين من الحس البدني: “ارقصي في أرض روحك مثل غيم وحجل”، حيث يتم تشبيه حركة الحبيبة بالحجل والغيم لتأكيد خفتها ونعومتها، لكن هذه الخفة تظل موجهة لخدمة رغبة الشاعر وإثارة عاطفته الفردية.

بالمقابل، تنزاح الصورة الشعرية في “إلى راقصة فلامنكو إسبانية” إلى فضاء رمزي كوني وفلسفي متسع يتجاوز الأطر الضيقة للحس المباشر، ولم يقتصر الرقص على كونه طقساً حميماً لغرفة نوم مغلقة، بل غدا تعبيراً عن الكينونة والصيرورة والتحرر من قوانين الجاذبية والماضي، محاكياً في ذلك أطروحة الفيلسوف الفرنسي (آلان باديو) في مديحه للرقص بوصفه الفكر في حالة حركة، وتتشكل الصور الشعرية عبر تداخل فني معقد بين الجسد والكون: “وترسلين جيوش إغراء الفضاءِ لتُغرقَ الأوهامَ في بحرٍ هجينْ/ يتلاطم الموجُ الكسيرُ مقبّلاً أنثى تفيض بنهرها/ تروي محارات الغواية والشجونْ”.

إن الجسد الراقص هنا يتحول إلى نهر يفيض ليغذي محارات الغواية والشجون، والراقصة تصبح قوة طبيعية خارقة تقبل الأمواج الكسيرة أقدامها، وتنزاح الصور هنا نحو التجريد المطلق والرمزية العميقة؛ فالراقصة تتحول إلى رمز لـ “وطن الحكايات الجريئة” و”انبعاث الميتين” وسر الروح الكامن في صخب الوجود، بل وتتسامي الدلالات الإيروتيكية في هذا النص وتنفصل عن المباشرة الحسية لتتحد بدلالة فنية وتاريخية تحاكي مآسي الغجر وأشجانهم العميقة وصراعهم الأبدي مع الفناء والعدم، وهو ما يحيل دلالياً إلى فضاءات “الدويندي” الإسباني وصراع الفن مع الموت والخلود، ويشير هذا المفهوم إجمالاً إلى روح الفن والإلهام، وهو مفهوم روحاني يصف حالة فريدة من التملك العاطفي والإلهام الفني الخالص.

تنهض قصيدة “على أنفاسي الحرى” (2015) على جمالية اللذة الحسية المباشرة التي تبدأ من نزع الملابس والتجريد من القيود المجتمعية والأخلاقية الضاغطة، ويفتتح الشاعر قصيدته بنداء حار يأمر فيه الحبيبة بالتخلص من المحددات الخارجية للجسد: “البسي أشهى لباسٍ وليكنْ أقصرَ مما يجبُ/ واتركي الأعضاء في حريتها دون أي محدداتٍ من لباس داخليّ”.

إن هذا الاستهلال لا يمثل رغبة بصرية سطحية، بل يسعى لتأسيس طقس حسي بدئي يتطهر فيه الجسد من قيود الحضارة والمجتمع ويعود إلى حالته الطبيعية الأولى، حيث تنعدم المسافة الفاصلة بين الجلد والجلد، وتتحرك الأعضاء بحرية كاملة دون أي محددات تعيق انسياب الحركة ولذة الاحتكاك المادي.

وتتبدى جماليات اللذة في هذا النص عبر التوظيف الكثيف للحواس التي تتكامل لتصنع مشهداً إيروتيكياً متكاملاً، إذ يتحرك البصر بتتبع تفاصيل العري الناعم: “يبين النهد، خط النهد مجرى اليدْ”، حيث يتقاطع خط الرؤية البصرية مع حركة اليد الملامسة، وتنشط حاسة اللمس لترصد مجرى اليد واستقرارها في المناطق الأكثر إثارة وتوقاً: “ومدي يديك نحو خاصرتي أسفل البطن قليلا!”، وتأتي حاسة الذوق لتتوج اللقاء في لذة القبلة المعتقة الطويلة: “وقبليني قبلة أطول مني وأشهى من لذيذ الخمر من شفتيكِ”، في حين ترتبط حاسة الشم بشذا الأنثى وسمارها الطبيعي الفواح الذي يملأ الفضاء المغلق: “أشم بها ما تبدّى من سمارك فوق نهد ناعم تواقْ”.

يتجاوز الشاعر هذه الإيروتيكية الحسية المباشرة ليرقى بها إلى مرتبة الاتحاد الروحي والصوفي الطقسي، متقاطعاً مع فلسفة محيي الدين ابن عربي حول فناء الجسد في الآخر واغتساله باللذة، يقول الشاعر في المقطع الأخير: “لا تغسليني إلا في ماء الحياة واغتسلي بكل عضو يرتوي مني على مهل الأناهْ/ واستفيقي مع حنيني واستمديني شذاهْ!”.

يرى ابن عربي في كتابه “فصوص الحكم” أن أعظم الوصلات الجسدية وأكملها هي حالة الالتحام الحسي؛ لأن الشهوة تعم أجزاء الجسد كلها، ولذلك فُرض الاغتسال بعدها لتعم الطهارة البدن بأكمله مثلما عمه الفناء والذوبان في المحبوب، كما استحضر الشاعر في هامش آخر لقصيدة “في خفايا الأبجدية” تنتمي إلى الديوان نفسه “هوامش وقصائد”، ونشرت مؤخراً، وتتماثل هذه الرؤية الصوفية مع طرح الشاعر؛ حيث تتحول اللذة في قصيدة “على أنفاسي الحرى” إلى طقس تعميدي بامتياز، فالشاعر يدعو الحبيبة للاغتسال بأعضائه المرتوية بالشبق والتوق، جاعلاً من هذا الاغتسال الحسي عودة لمياه الحياة الأولى وتجدداً للروح والوجود بعد تجربة الفناء والذوبان الإيروتيكي الكامل، فالجسد هنا هو معبد اللذة الذي يقام فيه طقس الاتحاد المقدس، والشعر يصبح أداة لخلود هذه اللحظة العابرة وتدوينها في تاريخ الروح.

وفي قصيدة “إلى راقصة فلامنكو إسبانية” (2026)، ترتقي شعرية اللذة من المستوى العضوي المباشر واللمس المادي الفعلي إلى مستوى اللذة البصرية والجمالية الخالصة المعتمدة على المشاهدة والتلقي الفني والاشتراك الوجداني، إن الإيروتيكية هنا تتسامى بالكامل، حيث يتحول الجسد إلى نص مكتوب وشكل هندسي راقص يحاصر فضاء المشاهدين ويأسر ألبابهم ويخلق معهم لغة جديدة تتجاوز حدود الكلام العادي، وتبدأ اللذة من رهافة الجسم المهفهف الذي يرسم في الفضاء خطوطاً جمالية تشبه تفتح الأزهار ونضج بساتين الحنين: “برهافة الجسم المهفهف ترسمينْ/ كزهرة الفلّ المشعّ على الجبينْ/ كزهرة اللوز المنوّر في بساتين الحنينْ”.

إن جسد الراقصة لم يعد موضوعاً للمس الشخصي المغلق، بل يمثّل أداة لهندسة الشكل وإعادة كتابة أسفار الغواية بأسلوب رمزي عميق يجمع بين الإثارة الراقية والمعرفة الروحية: “فيك انجلت أوراق أسفار الغواية فاشتعلت تحاصرين”.

تظهر شعرية الإيروتيك هنا عبر تحويل السلوك الإغوائي إلى فعل معرفي وفلسفي مكثف، فالراقصة ترسل “جيوش إغراء الفضاء” لتغرق أوهام الساهرين وتوقظ فيهم أشجان السنين الغابرة، وتنبع اللذة في القصيدة من القوة والسلطة التي يمتلكها هذا الجسد الراقص وقدرته على السيطرة التامة على المشاهدين وتسميرهم في أماكنهم وجعلهم يعيشون تجربة شبقية بصرية غير ملموسة باليد، ولكنها محسوسة بالروح والوجدان: “يا ويل عشّاق الحكايةِ، إذ رأوْا وجهاً يصيد أكابراً ويهدُّ رأس الشامخينْ/ يتسمّرونْ/ يواقعون السحرَ في عزّ البها إذ ترقصينْ”.

إن توظيف فعل “يواقعون” في قوله “يواقعون السحر” يمثل ذروة التجلي الحسي الإيروتيكي في هذا النص؛ فالشاعر ينقل فعل “المواقعة” الذي يحمل دلالة حسية جنسية مباشرة في اللغة العربية، ليجعله متصلاً بالسحر والجمال البصري والبهائي الخالص الذي ينبعث من رقصة الفلامنكو، فالمشاهدون هنا يمارسون فعلاً شبقياً بامتياز، ولكنه فعل شبقي بصري وروحاني يتصل بجوهر الفن والجمال دون الحاجة إلى التلامس الجسدي العضوي الفعلي كما هو الحال في النص الأول.

وتصل اللذة الجسدية المشرعنة بالفن إلى ذروة تنظيمها وهندستها الموسيقية في المقطع الثالث عشر من القصيدة: “كلٌّ أعدّ فروضه؛ فالردفُ يعزفُ، واليدانِ مهارةٌ والرأس حاورَ، والقرون مراحل تهدي السبيلَ إلى الفضا/ ليحطّ رحل اللحن في دنّ الأصابعِ حيث يندى الجسمُ مرتكزاً فيرقى آخرُ الحرفِ الحرونْ”.

يتجلى الجسد في هذا التركيب النحوي والجمالي كجوقة موسيقية وأوركسترا متكاملة تعزف سيمفونية اللذة والوجود؛ الردف، الذي يمثل تاريخياً رمز الشهوانية المادية الساكنة في الشعر العربي، يتحول إلى فاعل نشط ومبدع يعزف اللحن الإيروتيكي ويحاور الفضاء، واليدان تمتلكان مهارة صياغة الحركة، والقرون (الرأس أو الشعر) يحاور القوانين والحدود، بينما يندى الجسم عرقاً طاهراً مرتكزاً على الأرض ليرتقي بالحرف واللغة إلى سموات المعرفة المطلقة.

إنها اللذة الفنية المتسامية التي تلغي الحدود الفاصلة بين المادة والروح، وتجعل من تندّي الجسد عرقاً أثناء رقص الفلامنكو طقساً إبداعياً يحرر الروح من ثقل الوجود وقوانين الجاذبية الأرضية.

وتكمن القوة الإبداعية لقصيدة “على أنفاسي الحرى” (2015) في قدرتها على نقل المتلقي إلى قلب التجربة الحسية عبر الصدق الفني المفرط، وكما هو معهود لدى الشاعر فإن الجرأة التعبيرية الفريدة تتجاوز النفاق الاجتماعي لتصوير الحقيقة الجسدية في أنقى حالاتها الطبيعية الأولى، ويتجلى الإبداع في هذا النص عبر عدة مفاصل أساسية:

يبرز التجلي الأول في إعادة الاعتبار للطبيعة الجسدية النقية وتجريدها من الزيف الاجتماعي؛ حيث ينجح الشاعر في تقديم صورة جمالية فائقة البهاء للجسد المعرى، مطهراً الإبطين والنهد من أي شوائب مصطنعة؛ ليجعل منهما نبعاً للأنوثة الطبيعية الخالصة: “والإبطان لا شعر ولا عرقٌ سوى ما تسرب من أنوثتك السمراءْ”، هذا التطهير الحسي يرفع الجسد البشري إلى مرتبة العمل الفني الجميل المستحق للتأمل والتقديس والاحتفاء الجمالي الخالي من العقد الأخلاقية.

ويتمثل التجلي الثاني في شعرية دمج الجسد باللغة والخطاب؛ حيث تبرز عبقرية الشاعر في جعل اللغة فضاءً بديلاً للرقص والاتصال الحسي الفعلي: “مارسي كل فنون الرقص في لغتي/ على شفتي/ بين يدي في وله وشوق”، فالرقص لا يحدث فوق البلاط أو الخشب فحسب، بل يتغلغل في بنية القصيدة وحروفها وأصواتها، ويتحول الحرف إلى شفة وعضو حسي يشارك في عملية الخلق والالتحام والوصال الجمالي.

أما التجلي الثالث فيتبدى في التحول الرمزي الفائق لفنجان القهوة الصباحي؛ حيث يفلح الشاعر في ربط اللذة الإيروتيكية الليلية بالطقوس الحياتية اليومية الأكثر هدوءاً وألفة، محولاً المحبوبة الراقصة إلى فنجان قهوة يعبق بضياء الصباح: “وأنت فنجاني وقهوتي الصباحية/ ليعبق في مداهْ/ صباح الرقص يا سمراء يسكب رشفة رشفةْ/ بعمق ضياهْ!”، إن هذا المزج بين صخب الليل وهدوء الصباح المشرق يمنح القصيدة بعداً رومانسياً وإنسانياً يعيد التوازن والهدوء للنفس البشرية بعد تجربة التوتر والاشتغال الحسي المفرط.

أما في قصيدة “إلى راقصة فلامنكو إسبانية” (2026) فتتحقق ذروة الإبداع والتجلي الفني من خلال البناء الجمالي المتماسك والتسامي الفريد بالجسد والحركة نحو آفاق المعرفة والفلسفة الكونية والوجودية، ويظهر التميز الفني في عدة مستويات:

يتمثل المستوى الأول في الصياغة الهندسية الصارمة للجسد والفضاء؛ حيث تظهر قدرة الشاعر الإبداعية الفائقة في تحويل الحركة الراقصة العابرة إلى أشكال هندسية وخطوط فنية تتناغم مع الكون وتواجه الفراغ والعدم وتتغلب عليهما: “والشكلَ صرتِ تُهندسينْ/ فتأنّقي، وتألّقي فالرحب ظمآن المَشاهِدْ”، إذ تصبح الراقصة مهندسة للشكل تعيد رسم الفضاء الخالي وترتيبه وتملأ الفراغ بالبهجة والمباهج والجمال المطلق الذي يستجيب لظمأ المشاهدين المتطلعين للفن الراقي.

ويتبدى المستوى الثاني في استدعاء التناص التركيبي والفني عبر دمج جملة غنائية شهيرة من التراث الموسيقي العربي، “عودتِ عيْني” إذ تراك بلحن أغنية الفؤادِ/ عن الفؤاد تحاربين”، هذا الدمج الذكي لأغنية أم كلثوم الخالدة يضفي بعداً عاطفياً وثقافياً مألوفاً على المشهد الراقص الإسباني، جاعلاً من عين الشاعر المشاهد شاهداً على معركة جمالية تخوضها الراقصة بفنها ضد أشجان السنين والوقت المخاتل.

أما المستوى الثالث فيكمن في الحوار الفلسفي العميق مع أطروحة (آلان باديو) ونظرية “الدويندي” للشاعر الإسباني لوركا، فينجح الشاعر في جعل الرقص حدثاً فلسفياً يتجاوز حدود اللغة العادية، حيث تتلاقى الصرامة القصوى بالحرية المطلقة على خشبة المسرح؛ يثور الجسد الراقص ضد وطأة الماضي وقوانين الجاذبية، ليكون فكراً متحركاً يشارك الروح صيرورتها ووجودها، معيداً صياغة العالم واللحون والجنون في نسق فني يعلو على الفناء والموت.

يكشف رصد التحولات الأسلوبية والفكرية بين قصيدة “على أنفاسي الحرى” (2015) وقصيدة “إلى راقصة فلامنكو إسبانية” (2026) عن مسار نضج وتطور استثنائي في تجربة الشاعر فراس حج محمد؛ حيث تفصل بين النصين إحدى عشرة سنة من الكتابة والقراءة والتأمل النقدي المستمر، ويمكن حصر هذه التحولات العميقة في ثلاثة أبعاد رئيسة:

  1. من الذاتية الحميمية إلى الموضوعية الفلسفية

تأسست قصيدة “على أنفاسي الحرى” على نبرة غنائية ذاتية شديدة التمركز حول الأنا العاشقة، والشاعر فيها يمثل الذات الفاعلة التي تدير طقس الحب والرقص في مساحة ضيقة ومنغلقة، حيث تسعى الرغبة لاحتواء المحبوبة وجعلها امتداداً لرجولة الشاعر وغنائه وتوقه الشخصي، وتتدفق اللغة بحرارة وعفوية عاطفية مباشرة ترتبط بتفاصيل الحياة اليومية والقهوة الصباحية المشتركة.

بالمقابل، تنزاح قصيدة “إلى راقصة فلامنكو إسبانية” نحو موضوعية جمالية وفلسفية رفيعة، ويتراجع الشاعر عن دور “الآمر المباشر” ليقف في موقع “المشاهد المتأمل والناقد الجمالي”، ولم تعد الراقصة موضوعاً للاستهلاك الحسي الفردي، بل غدت فاعلاً مستقلاً ينتج الفن والمعرفة ويخاطب الكون بأسره، هذا التحول من المركزية الذاتية الحميمة إلى الهامشية المتأملة يعكس تطوراً في رؤية الشاعر للكتابة؛ حيث يصبح الشعر أداة لاستقراء شؤون الوجود وصراعات الفن والجمال بدلاً من الانغلاق في حدود التعبير العاطفي الشخصي.

  1. تحول سيميائية الجسد والنوع الاجتماعي

تظهر الموازنة بين النصين تغيراً جوهرياً في كيفية تمثيل الجسد الأنثوي وعلاقته بالنوع الاجتماعي وسلطة الكتابة:

في قصيدة 2015، يحضر الجسد في سياق تلبية النداء الحسي للذكر؛ فالأنثى تُؤمر بالتعري، والرقص الطويل، والاغتسال بأعضاء الشاعر لتروي عطشه وتوقد رجولته، على الرغم من صدق التجربة وحميميتها، إلا إن البنية النحوية والتركيبية تضع الأنثى في مرتبة المنفذ للطقوس التي يهندسها الشاعر ويقودها بنفسه.

في قصيدة 2026، يتحرر الجسد الأنثوي تماماً من سلطة الذكر وتوجيهاته، فالراقصة الإسبانية تمتلك سيادتها وحريتها المطلقة على المسرح؛ فهي التي تهندس الشكل، وترسل جيوش الإغراء، وتخاتل، وترسم المباهج، ولا يملك الشاعر أي نوع من أنواع السلطة عليها، بل يقف مذهولاً ومتسمراً أمام بهائها وقوتها الراقصة التي تهد رأس الشامخين وتصيد الأكابر بفنها وسحرها الرفيع، فقد غدا الجسد فضاءً للتحرر والانعتاق التام من قوانين الماضي والجاذبية الاجتماعية والبيولوجية الضاغطة.

  1. الامتداد الجغرافي والثقافي من المحلية إلى الكونية

يعكس التباعد الجغرافي والثقافي بين فضاءات القصيدتين تحولاً أسلوبياً بارزاً في توظيف الهوية والأفق الجمالي:

ارتبط الفضاء الثقافي في “على أنفاسي الحرى” بالبيئة المحلية؛ تحديداً الجنوبية الأليفة للشاعر: “وافرحي يا غنوتي الجنوبية”، وهي غنوة دافئة تنتمي لبيئة الشاعر وعاداته اليومية المألوفة وقهوته الصباحية والتربة العاطفية المباشرة التي تشكل مرجعيته الإنسانية الأولى.

انفتح الفضاء في “إلى راقصة فلامنكو إسبانية” ليعبر القارات والحدود الجغرافية والثقافية، صانعاً تجربة تثاقف حضاري معقدة، فالشاعر الفلسطيني يكتب بلغة عربية رفيعة ليحاور فضاءً أندلسياً غجرياً يتمثل في رقصة الفلامنكو الإسبانية، ويتقاطع في النص البعد العربي المشرقي (بساتين الحنين، زهرة اللوز المنور، أغنية عودت عيني) بالبعد الأوروبي والفلسفي الكوني (راقصة الفلامنكو، فلسفة باديو، أطروحات لوركا)، إن هذا الحوار الثقافي العابر للأزمنة يعكس قدرة الشاعر على جعل الجسد الراقص مساحة إنسانية مشتركة تلتقي فيها الآلام والآمال وأشجان السنين المفقودة، متجاوزة الخصوصيات الضيقة نحو أفق إنساني أرحب.

لقد أظهرت هذه الدراسة التحليلية البنيوية والحسية للقصيدتين أن الجسد والرقص لا يمثلان موضوعاً ثانوياً عابراً في مدونة الشاعر الشعرية، بل يشكلان محوراً أساسياً لقراءة التحولات الجمالية والأسلوبية والفلسفية التي ميزت مسيرته الإبداعية عبر رحلة الأحد عشر عاماً.

لقد نجح الشاعر في النصين في تقديم رؤية شعرية بالغة البذخ والثراء، قادرة على تطويع اللغة وتراكيبها النحوية وصيغها الصرفية وأصواتها اللغوية لتكون صدى أميناً لحركة الجسد الراقص وتطلعات الروح التواقة للحرية والانعتاق، وتكاملت مستويات التحليل البنيوي لتكشف كيف انتقلت البنية الصوتية من أصوات الهمس والرخاوة التي تعبر عن اللهاث والوصال الحميم في غرفة الحبيبة عام 2015، إلى إيقاعات رنانة ونقرات متواترة تحاكي خطوات راقصة الفلامنكو الصارمة على المسرح عام 2026، وترافق هذا التطور الصوتي مع تحول معجمي وتركيب نحوي منح الأنثى استقلاليتها التامة وحريتها المطلقة في هندسة الحركة وصياغة الكون دون الخضوع لإملاءات الأنا الذكورية الشاعرة.

كما أثبتت المقاربة الحسية الإيروتيكية وشعرية اللذة أن الجسد في شعر فراس حج محمد يرتفع فوق تهم التهتك والابتذال المادي السطحي، ليرتقي في النص الأول إلى مرتبة الاتحاد الطقسي والحلول الصوفي المستمد من أطروحات محيي الدين ابن عربي حول فناء الجسد بالحب واغتساله بالوصال المقدس، ويتسامى في النص الثاني ليتحول إلى غواية بصرية وفلسفية وكونية تتمازج فيها صرامة الفن بانتشاءات الجنون الإبداعي وصراع الموت والعدم وطاقة الدويندي المتجددة، إن رصد هذه التحولات الجمالية يؤكد قدرة القصيدة المعاصرة على جعل الجسد الراقص نصاً حركياً مفتوحاً على التأويل والمعرفة، ويعيد ترتيب الوجود الإنساني ويهندس ملامح الحرية والجمال في مواجهة وطأة الماضي وقوانين الجاذبية الأرضية والزمن المخاتل.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

لم يكن الشعر النسوي في الشرق مجرد انفعال وجداني أو تعبير عن عاطفة شخصية، بل كان في كثير من محطاته التاريخية مشروعًا لمساءلة الواقع، وكشفًا للمشكلات الاجتماعية التي أحاطت بالمرأة.

ومن بين الأصوات التي استطاعت أن تُحوِّل القصيدةَ إلى مساحة للمواجهة الفكرية والوجودية، تبرز الشاعرة اللبنانية جمانة حداد…

تنكزار ماريني

2. النص بوصفه «نسيجًا من الاقتباسات»: التناص والذاكرة الثقافية
يرتكز المحور الثاني في نظرية رولان بارت على فكرة أن النص هو «نسيج من الاقتباسات». فالنص الأدبي، بحسب بارت، لا ينشأ بمعزل عن غيره، بل يكون دائمًا مرتبطًا بنصوص أخرى، وبالتقاليد الثقافية، وبالبنى الدلالية التي يشكلها المجتمع.

ويقول بارت:

«يتكوّن النص من نسيج متعدد من الكتابات المنبثقة من…

عبداللطيف الحسينيّ.

” مَنْ تبحثُ عنه يقطنُ قربَك”.

قبلَ خمسين عاماً دخلَ أحمد غرفةَ الفتى النائم هامساً:”أ مازلتَ نائماً اذهب أحضر لي الشاي” ما يزال صوتُه الخافتُ عالياً أسمعُه الآنَ بعدَ خمسين عاماً ..في كلِّ آنٍ ….في هذه اللحظة. مَرَضُ الرّجوع إلى الماضي يقيمُ بينَنا، فهو حاضرٌ مهما ثرْنا عليه ، مهما نسيناه أو تناسيناه.

هل كان أحمد…

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وببالغ الحزن والأسى، تتقدم هيئة تحرير موقع ولاتي مه بأحر التعازي وأصدق المواساة إلى الزميلين العزيزين الأستاذ حواس محمود والأستاذ فواز محمود بوفاة والدهما المغفور له، بإذن الله، سلمان حاج سليمان (أبو زيد)، الذي وافته المنية اليوم.

وإذ نشارك الزميلين وأفراد أسرتهما الكريمة هذا المصاب الأليم، نسأل الله تعالى…