الصداقة بين الحرية والوفاء

 صبحي دقوري

 الصداقة كلمة صغيرة في حروفها، كبيرة في معناها، وقد يظنها الناس علاقة من علاقات الأنس والمجاملة، وهي في حقيقتها مقياس من مقاييس النفس، وميزان من موازين الخلق، ودليل على مبلغ الإنسان من القدرة على العدل والوفاء والحرية.

فالإنسان لا يُعرف كله في خصومته، ولا يُعرف كله في محبته، ولكنه يُعرف كثيراً في صداقته؛ لأن الخصومة قد تثير فيه الحمية، والمحبة قد تغريه بالامتلاك، أما الصداقة فإنها تقوم على اختيار واعٍ، لا تسنده رابطة الدم، ولا تفرضه ضرورة العائلة، ولا تمليه منفعة عارضة. هي رابطة بين نفسين تلتقيان، لا لأن إحداهما صورة من الأخرى، بل لأن كلاً منهما يقدر في الأخرى حقها في الوجود والاختلاف.

وليست الصداقة، كما يتوهم السذج، موافقة دائمة، ولا مدحاً متبادلاً، ولا سكوتاً على الخطأ باسم الوفاء. إنما الصديق الحق هو الذي يصدقك لا الذي يصدقك دائماً، والذي ينصحك لا الذي يصفق لك، والذي يحفظ لك كرامتك في غيابك كما يحفظ لك مودته في حضورك. وقد يكون من أعداء الإنسان من يواجهونه بخصومتهم، ولكن أشد منهم خطراً أولئك الذين يفسدونه بالمجاملة، ويزينون له الخطأ، ثم يسمون ذلك صداقة.

الصديق ليس مرآة مسطحة ترد إلينا صورتنا كما نحب أن نراها، ولكنه مرآة عاقلة تكشف لنا ما نخاف أن نراه. ومن هنا كانت الصداقة شجاعة، لا ليناً فقط؛ ومسؤولية، لا عاطفة فقط؛ وامتحاناً للضمير، لا متعة من متع الفراغ. فالذي لا يقدر أن يسمع من صديقه كلمة الحق لا يريد صديقاً، بل يريد تابعاً. والذي لا يقدر أن يقول لصديقه كلمة الحق لا يحب صديقه، بل يحب راحته وسلامته.

والفرق بعيد بين الصداقة والتبعية. فالصديق لا يطلب منك أن تفنى فيه، ولا أن تكون نسخة من رأيه ومزاجه وطريقته في النظر إلى الأشياء. إنه يحب فيك إنساناً لا ظلاً، ويصاحب فيك روحاً لا صدى. فإذا تحولت الصداقة إلى إلغاء لشخصية أحد الطرفين، فقد خرجت من باب الصداقة ودخلت في باب السلطان. ورب سلطانٍ خفيّ يلبس ثوب الحنان، ورب استبدادٍ ناعم يتكلم بلغة الخوف على الصديق.

ولهذا كانت الصداقة الصحيحة قائمة على الحرية. فالحرية ليست نقيض المودة، بل شرط من شروطها. من أحب صديقه حقاً ترك له حقه في الرأي، وحقه في الصمت، وحقه في الغياب، وحقه في أن تكون له منطقة من نفسه لا تُفتش ولا تُحاصر. أما الذي يريد صديقه حاضراً كل ساعة، موافقاً في كل قول، مطيعاً في كل شأن، فليس طالب صداقة، ولكنه طالب ملكية.

والصداقة لا تعرف الحسد؛ فإذا دخل الحسد قلب صديق خرجت الصداقة منه، ولو بقيت ألفاظها على اللسان. ذلك أن الحسد لا يحتمل أن يرى الآخر نامياً، ولا يطيق أن يكون نجاح الصديق فرحاً مشتركاً. والصديق الحق يفرح لك كما يفرح لنفسه، ويحزن عليك كما يحزن على بعضه. وليس أندر في الناس من رجل لا يتألم من رفعة صديقه، ولا ينتشي بسقوطه، ولا يحسب نجاح غيره نقصاناً من قدره.

ومن علامات الصداقة أيضاً أنها تصبر. فالعلاقات الرخيصة تقتلها أول زلة، أما الصداقة العميقة فتعرف أن الإنسان خطاء، وأن المزاج يتغير، وأن الأيام تضغط، وأن الكلمة قد تخرج في غير موضعها. لكنها، مع هذا الصبر، لا تلغي الكرامة ولا تقبل الإهانة عادة مستمرة. فالصداقة صفح، ولكنها ليست ذلاً؛ واحتمال، ولكنها ليست امتهاناً؛ ورحمة، ولكنها ليست إلغاءً للحق.

وقد قيل إن الصديق وقت الضيق، وهذه كلمة صحيحة، ولكنها ناقصة. فالصديق يعرف في الضيق، ويعرف كذلك في الفرح. في الضيق يظهر وفاؤه، وفي الفرح يظهر نقاؤه. قد تجد من يعطف عليك وأنت منكسر، لأن الانكسار لا يهدد كبرياءه، ولكنك لا تجد كثيرين يفرحون لك وأنت صاعد، لأن الصعود يمتحن النفوس امتحاناً عسيراً. من هنا كان الفرح بنجاح الصديق دليلاً من أدلة النبل، كما أن الوقوف معه في محنته دليل من أدلة الوفاء.

وليست الصداقة كثرة لقاء ولا طول معرفة. فقد تعاشر رجلاً عشرين سنة ولا تعرف منه إلا قشرة رقيقة، وقد تلقى آخر فتجد بينك وبينه قرابة من الفهم لا تصنعها السنون وحدها. إن الزمن شرط نافع، ولكنه لا يغني عن الصدق. فالزمن يطيل العلاقة، أما الصدق فيعمقها. وكم من علاقة طويلة خاوية، وكم من لقاء قصير ترك في النفس أثراً لا تمحوه الأيام.

وفي هذا العصر كثرت المعارف وقلت الصداقات. لقد قربت الوسائل بين الأجساد والوجوه، ولكنها لم تقرب دائماً بين الأرواح. صار الإنسان يملك مئات الأسماء في هاتفه، ولا يجد أحياناً قلباً واحداً يطمئن إليه. وصار الناس يتبادلون الإشارات السريعة، والتهاني الجاهزة، والقلوب المرسومة، حتى ظنوا أن ذلك يغني عن الإصغاء والحضور والوفاء. وما أبعد الفرق بين من يراك على شاشة، ومن يراك في حزنك؛ بين من يضغط إعجاباً، ومن يضع كتفه بجانب كتفك حين تضيق الطريق.

الصداقة تحتاج إلى زمن، ولكنها تحتاج قبل الزمن إلى خلق. تحتاج إلى أمانة في الغياب، وإلى ستر عند الزلة، وإلى حفظ للسر، وإلى صدق في النصيحة، وإلى عدل عند الخصام. وأصعب ما في الصداقة ليس بدايتها، بل استمرارها؛ لأن البداية قد يصنعها الإعجاب، أما الاستمرار فلا يصنعه إلا الخلق. وكل صداقة لا يحرسها الخلق تهبط مع الأيام إلى عادة، ثم إلى عبء، ثم إلى ذكرى باردة.

والصداقة الصحيحة لا تناقض العدالة. فمن أحب صديقه لا يبرر ظلمه، ولا يزخرف خطأه، ولا يجعل الوفاء ستاراً للباطل. الوفاء الأعمى عصبية، لا صداقة. والصديق الذي يعينك على الظلم إنما يعينك على السقوط، وإن ظن أنه ينصرك. أما الصديق الحق فيقف معك إن كنت مظلوماً، ويقف أمامك إن كنت ظالماً. تلك هي الصداقة التي ترفع الإنسان، لا التي تطيعه.

وللصداقة معنى يتجاوز العلاقة الخاصة بين شخصين؛ فهي تدريب على قبول الآخر. فمن لا يستطيع أن يصادق إنساناً مختلفاً عنه في رأيه وطبعه ومزاجه، لا يستطيع أن يفهم معنى العيش المشترك. الصداقة الصغيرة تعلمنا سياسة كبرى: أن الاختلاف لا يساوي العداوة، وأن القرب لا يعني الذوبان، وأن الاعتراف بالآخر لا ينقص من الذات بل يوسعها.

لذلك كانت الصداقة ضرباً من ضروب الحضارة. فالمتوحش لا يعرف إلا التابع والعدو، أما الإنسان المهذب فيعرف الصديق: ذلك الذي لا يملكه ولا يخافه، لا يعبده ولا يحتقره، لا يبتلعه ولا يطرده. الصداقة منزلة وسطى بين الاستبداد والعزلة؛ فيها قرب بغير عبودية، ومسافة بغير جفاء.

وإذا أردت أن تعرف قيمة الصديق فانظر ماذا يبقى في نفسك بعد لقائه. هناك من يتركون فيك تعباً، وهناك من يتركون فيك ضيقاً، وهناك من يخرجون أسوأ ما فيك، وهناك قلة نادرة تخرج من مجلسهم وكأنك صرت أوضح، وأهدأ، وأقرب إلى نفسك. أولئك هم الأصدقاء الذين لا يضيفون إلى أيامنا ساعات، بل يضيفون إلى أرواحنا حياة.

الصديق وطن صغير، ولكنه وطن لا يفرض عليك جنسية، ولا يطالبك بأن تتنازل عن نفسك لتسكن فيه. هو بيت مفتوح للصدق، لا سوق للمجاملة، ولا محكمة للتفتيش، ولا سجن باسم المحبة. فإذا وجدت في حياتك من تستطيع أن تقول له ضعفك بلا خوف، وفرحك بلا حذر، وخطأك بلا مهانة، فاعلم أنك وجدت نعمة من نعم الدنيا القليلة.

وفي الختام، الصداقة ليست أن نجد من يشبهنا، بل أن نجد من يجعلنا أوسع من أنفسنا. وليست أن نملك الآخر، بل أن نأتمنه ونؤتمن عنده. وليست أن نلغيه باسم القرب، بل أن نصون حريته باسم الوفاء.

الصداقة الحقّة عهد غير مكتوب بين روحين: أن أكون معك من غير أن أكون عليك، وأن تكون قريباً مني من غير أن تكون ظلي، وأن نحفظ بيننا تلك المسافة النبيلة التي تجعل المودة حرية، والوفاء كرامة، والحياة أقل وحشة.

 

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

تستعدّ العاصمة التشيكية براغ لتنظيم دورة من معرض الكتاب العربي والكردي يومي 15 و16 أغسطس، في فعالية ثقافية تنظمها الجالية الكردية السورية في جمهورية التشيك بالتعاون والتنسيق مع نادي القلم التشيكي، بمشاركة دور نشر كردية وكتّاب من عدة بلدان، في تظاهرة تسعى إلى تعزيز حضور الكتاب الكردي والعربي في التشيك، وتوسيع دائرة الحوار بين الثقافة…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

لا تُقَاس الرواية الحديثة بقدرتها على سرد الوقائع فحسب، بل بقدرتها على تحويل الجِراح الإنسانية إلى لغة، والذاكرة إلى جماليات، والألم إلى سؤال فلسفي يتجاوز حدود الزمان والمكان.

والصدمات _ سواءٌ كانت شخصية أمْ جماعية _ لم تعد مجرد أحداث عابرة في البناء السردي، وإنما أصبحت جوهرًا معرفيًّا…

سائدة عائد البشيتي

تتبوأ التجربة النقدية لدى الباحث والأكاديمي الفلسطيني فراس حج محمد موقعاً متميزاً ضمن المشهد الأدبي الفلسطيني والعربي المعاصر؛ إذ تنطلق قراءاته من بنية معرفية متخصصة نال عبرها درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني الحديث من جامعة النجاح الوطنية عام 1999، واستمرت بالنمو عبر منجز كتابي غزير يتجاوز الأربعين مؤلفاً تتوزع بين الشعر والنقد والسرد…

أصالةً عن نفسي، ونيابةً عن إخوتي وأخواتي، وجميع آل السعيد في الوطن والمهجر،

أتقدم بأسمى آيات الشكر والتقدير، وأصدق مشاعر العرفان والامتنان، إلى كل من وقف إلى جانبنا، وساندنا في محنتنا خلال فترة مرض والدنا المرحوم عبدي محمد السعيد (بافي محمد) في مشافي إقليم كوردستان، من أهل وأصدقاء وأحبّة، وكان لمواقفهم الإنسانية النبيلة بالغ الأثر في…