في مثل هذا اليوم؛ بدأت حكايتي.. سيرتي؛ كما عشتُها، وكما أتذكرها.

لوند حسين*

في مثل هذا اليوم 8 آب 1964، كان يوم قدومي إلى هذه الدنيا.

ووفق ما روته لي والدتي، فإن ولادتي لم تكن ولادةً عادية؛ فقد كانت حالتي الصحية صعبة إلى درجة أن من حول عائلتي لم يكونوا يصدقون أنني سأبقى على قيد الحياة؛ وفي ذلك الزمن، لم تكن الخدمات الطبية متوفرة كما هي اليوم، ولم يكن في منطقتنا أطباء بالمعنى المعروف، لذلك اضطرت عائلتي إلى اللجوء إلى ما كان متاحاً آنذاك من أطباء شعبيين، كما كانوا يأخذونني إلى المشايخ ورجال الدين ليقرؤوا عليّ، أملاً في أن أتجاوز تلك الحالة الصعبة.

كانت والدتي تروي لي كل ذلك، وتحدثني عن المعاناة والخوف اللذين عاشتهما العائلة في تلك الأيام، وعن تمسّكهم بالأمل رغم كل الظروف.

كبرت، ودخلت المدرسة، وكنت من الطلاب المتفوقين؛ كانت لدي رغبة حقيقية في الدراسة والتعلم، وكنت أحلم بأن أواصل تعليمي وأن أصل إلى مرحلة جامعية، لكن ظروف عائلتنا الاقتصادية، باعتبارنا أسرة فقيرة، فرضت عليّ واقعاً مُختلفاً.

بعد المرحلة الإعدادية، اضطررت إلى العمل إلى جانب دراستي، سواء في أعمال خاصة وشاقة أو مع والدي المرحوم ملا عليي چومەري ومن خلال العمل معه تعلمت مهنة البناء، وأتقنتها مع مرور السنوات، حتى أصبحت بنّاءً محترفاً. وبفضل هذه المهنة، بنيتُ الكثير من البيوت والمحلات التجارية في مدينتي تربەسپي، ولا تزال بعض الأبنية التي شاركت في تشييدها شاهدة على مرحلة من حياتي قضيتها في العمل والكفاح.

كان العمل ضرورياً لمساعدة عائلتي وتأمين لقمة العيش، لكنه في الوقت نفسه أثّر بشكل واضح على مسيرتي الدراسية، وأجبرني على أن أوازن بين العمل والتعليم. ومع ذلك، لم أتخلَّ عن حلمي، وتمكنت في نهاية المطاف من الحصول على الشهادة الثانوية، ثم التحقت بمعهد المراقبين الفنيين.

 

حلمي الحقيقي كان شيئاً آخر.

كانت الصحافة تشغل جزءاً كبيراً من تفكيري، وكنتُ أشعر بأنني أنتمي إلى هذا المجال، وأن الكتابة والعمل الصحفي هما الطريق الذي أبحث عنهُ؛ ظل هذا الحلم يرافقني لسنوات، ولم أتمكن من تحقيقه إلا بعد الزواج، عندما سُنحت لي الفرصة للالتحاق بكلية الصحافة في دمشق عام 2003/2004.

كان ذلك بالنسبة لي تحقيقاً لحُلمٍ قديم ظل يعيش في داخلي سنوات طويلة، وتمكنتُ من التخرج من كلية الصحافة عام 2009، بعد رحلة طويلة لم تكن سهلة، بدأت من ظروف الفقر والعمل، مروراً بالدراسة والمعاناة، وصولاً إلى الجامعة.

 

البدايات السياسية

منذ شبابي، انخرطت في صفوف حزب الاتحاد الشعبي الكُردي، وكنت مؤمناً بالقضية الكُردية وبضرورة الدفاع عن حقوق شعبنا. لكنني لم أكن من الأشخاص الذين يستطيعون الصمت أمام الأخطاء، أو تمرير المواقف التي أراها غير صحيحة.

كنتُ أبدي ملاحظاتي وانتقاداتي لقيادة الحزب ولعدد من المواقف والسياسات، وكنتُ أقول ما أعتقدهُ بصراحة عارية، حتى عندما كان ذلك يُسبب لي المشكلات؛ ونتيجة لمواقفي وآرائي، تعرضت في مراحل مختلفة لعقوبات حزبية، لكن ذلك لم يدفعني إلى التراجع أو التخلي عن قناعاتي.

كنتُ أؤمن دائماً بأن الانتماء السياسي الحقيقي لا يعني أن يتحول الإنسان إلى مجرد مؤيد لكل ما يصدر عن قيادة حزبِهِ، وإنما أن يحتفظ بحقهِ في النقد والملاحظة والاختلاف، لأن الصمت عن الخطأ لا يصنع حركة سياسية سليمة، فادرة على تحقيق  مطالب شعبنا الكُردي في كُردستان (سوريا/ ڕؤژآڤا).

 

الصحافة… الحلم الذي أصبح واقعاً

قبل التحاقي بكلية الصحافة، بدأت عملي الصحفي بشكل فعلي عام 2002، حيث عملت مراسلاً لعدد من المواقع الإلكترونية الكُردية، وكان «سيپان الملا» هو الاسم الذي كتبت ونشرت به جميع تقاريري الصحفية في بداياتي، وذلك خشية ملاحقة ومضايقة مخابرات نظام الأسد، التي كانت تراقب النشاط الكُردي والصحفي عن كثب، ولا سيما في تلك المرحلة التي كان فيها العمل الصحفي المستقل والنشاط السياسي الكُردي محفوفاً بالمخاطر.

كان استخدام الاسم المستعار بالنسبة لي وسيلة لحماية نفسي وعائلتي، دون أن يعني ذلك تراجعاً عن قناعاتي أو ابتعادي عن العمل الصحفي؛ بل على العكس، واصلت الكتابة وتغطية النشاطات والفعاليات الكُردية، وكانت تقاريري تُنشر في عدد من المواقع الإلكترونية الكُردية، وفي مقدمتها موقع قامشلو، إلى جانب مواقع أخرى.

ومنذ عام 2003 بدأت كتابة المقالات السياسية باللغتين الكُردية والعربية، ونُشرت كتاباتي في العديد من المواقع الإلكترونية الكُردية وفي الصحف الحزبية، ولا سيما جريدة DENG الكُردية.

وكانت علاقتي بجريدة DENG أكثر من مجرد علاقة كاتب بصحيفة؛ فقد كنت عضواً في الهيئة الإدارية ـ دائرة الجزيرة ـ إلى جانب الشهيد مشعل تمو، والمرحوم موسى زاخوراني، والسيد عبدالقادر بدرالدين، وكان الشهيد مشعل تمو مسؤول التحرير.

كنتُ أكتب في الجريدة بصورة منتظمة، وغالباً ما كنت أنشر في كل شهر مقالتين؛ إحداهما باسم لوند رمي، والأخرى باسم هيلين رمي.

كانت تلك المرحلة من أهم مراحل حياتي؛ ففيها التقت قناعتي السياسية مع شغفي بالصحافة والكتابة، وأصبح القلم بالنسبة لي وسيلة للتعبير عن أفكاري ومواقفي، وعن هموم شعبنا وقضيته.

 

سنوات من الصعوبات والمخاطر

لم تكن حياتي، بكل مراحلها، سهلة أو خالية من المخاطر.

تعرضت خلال مسيرتي للكثير من المواقف الصعبة، ومن بينها محاولات اغتيال تعرضت لها أكثر من أربع مرات، ولا تزال تفاصيلها عالقة في ذاكرتي.

كما تعرضت لحوادث خطيرة في أكثر من مناسبة، وكان بعضها قريباً جداً من أن ينهي حياتي؛ وأتذكر أنني مررت بأكثر من سبع حوادث كان من الممكن أن تكون نهايتي فيها.

وعندما أعود بذاكرتي اليوم إلى كل تلك المحطات، من ولادتي التي لم يكن يُعتقد أنني سأبقى بعدها على قيد الحياة، إلى سنوات الفقر والعمل، ثم الدراسة، فالعمل السياسي والصحفي، وصولاً إلى محاولات الاغتيال والحوادث التي نجوت منها، أشعر أن حياتي كانت سلسلة طويلة من الاختبارات.

وربما لهذا السبب تحديداً، أصبحت أقدّر الحياة أكثر، وأتمسك بما أؤمن به أكثر، وأدرك أن الإنسان لا يُقاس فقط بما يصل إليه، وإنما أيضاً بما يتجاوزه من صعوبات، وبقدرته على الاستمرار رغم كل ما يعترض طريقه.

 

هذه ليست مجرد حكاية يوم ميلاد.

إنها حكاية إنسان بدأ حياتهُ من نقطة كان فيها البقاء نفسهُ موضع شك، ثم شق طريقهُ بين الفقر والعمل والدراسة، وبين السياسة والصحافة، وعاش الكثير من المحطات الصعبة، لكنه بقي متمسكاً بأحلامهِ وقناعاتهِ، رغم كل ما مرّ به من ظروف ومخاطر.

واليوم، في ذكرى ميلادي، لا أحتفل فقط بعامٍ جديد يُضاف إلى عمري، بل أتوقف قليلاً أمام كل تلك السنوات؛ أمام الأشخاص الذين رافقوني في محطات حياتي، والذين رحلوا وتركوا في الذاكرة أثراً لا يُمحى، والأصدقاء الذين تركوا بصماتهم في مسيرتي وبعض من خذلني، والأماكن التي عشتُ فيها، والأفكار التي آمنتُ بها، والأخطاء التي تعلمتُ منها، والانتصارات الصغيرة التي صنعت، في مجموعها، ما أنا عليه اليوم.

وأتوقف أيضاً أمام الطريق الذي قادني إلى بلاد الغربة؛ فلم يكن خروجي من الوطن بحثاً عن حياة أفضل، ولم يكن قراراً سهلاً اتخذتهُ بإرادتي وحدها، بل كانت والدتي، رحمها الله، هي التي دفعتني إلى اتخاذ ذلك القرار خوفاً على حياتي.

ما زلتُ أتذكر كلماتها جيداً، وكأنها قيلت لي بالأمس، عندما قالت لي بحزمٍ وألم الأم التي تخشى على ابنها:

«لوندو، إما أن تذهب إلى ألمانيا، أو أنني لن أتحدث معك مطلقاً».

كانت تعرف حجم الخطر الذي يحيط بي، وكانت تخشى أن يأتي يوم تفقد فيه ابنها؛ لذلك وضعتني أمام خيار لم يكن سهلاً، لكنها كانت تراه الخيار الوحيد الذي يمكن أن ينقذ حياتي.

وهكذا، جئتُ إلى بلاد الغربة، حاملاً معي سنوات عمري، وذاكرتي، وأحلامي، وأوجاعاً كثيرة، تاركاً خلفي الوطن والأهل والأصدقاء وكل الأماكن التي صنعت جزءاً من حكايتي.

واليوم، عندما أستعيد تلك اللحظة، أدرك أن قرار الرحيل لم يكن مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل كان فاصلاً بين مرحلتين من حياتي؛ مرحلة عشت فيها بين أهلي وناسي، ومرحلة بدأت فيها حياة جديدة في الغربة، بعيداً عن الوطن، ولكن ليس بعيداً عن الذاكرة ولا عن القضية ولا عن القناعات التي رافقتني طوال حياتي.

وربما كانت أمي، رحمها الله، أكثر من أدرك أن الإنسان قد يضطر أحياناً إلى الابتعاد عن وطنهِ كي يحافظ على حياته، وأن الغربة، مهما كانت قاسية، تبقى أهون من أن تفقد الأم ابنها.

لذلك، كلما تذكرت ألمانيا، لا أتذكر فقط لحظة وصولي إليها، بل أتذكر صوت أمي، ووصيتها الأخيرة التي كانت تحمل في ظاهرها أمراً، وفي داخلها خوف أمٍّ على ابنها وحباً لا يمكن للكلمات أن تصفهُ.

 

ألمانيا: 8 آب2026

* صحفي وكاتب كُردي

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

دوسلدورف- خاص: أقام تجمع المعرفيين الأحرار أمسية شعرية في مدينة دوسلدورف، يوم السبت 08.08.2026، استضاف خلالها الشاعر حفيظ عبد الرحمن، في لقاء ثقافي احتفى بالكلمة والشعر ودور الأدب في تنمية الوعي الإنساني.
أدار الجلسة مدير مبادرة تجمع المعرفيين الأحرار، الكاتب ريبر هبون، الذي استهل الأمسية بالتأكيد على ضرورة الالتفاف حول المتنورين والمثقفين والمبدعين، والمضي قدماً نحو…

تستعدّ العاصمة التشيكية براغ لتنظيم دورة من معرض الكتاب العربي والكردي يومي 15 و16 أغسطس، في فعالية ثقافية تنظمها الجالية الكردية السورية في جمهورية التشيك بالتعاون والتنسيق مع نادي القلم التشيكي، بمشاركة دور نشر كردية وكتّاب من عدة بلدان، في تظاهرة تسعى إلى تعزيز حضور الكتاب الكردي والعربي في التشيك، وتوسيع دائرة الحوار بين الثقافة…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

لا تُقَاس الرواية الحديثة بقدرتها على سرد الوقائع فحسب، بل بقدرتها على تحويل الجِراح الإنسانية إلى لغة، والذاكرة إلى جماليات، والألم إلى سؤال فلسفي يتجاوز حدود الزمان والمكان.

والصدمات _ سواءٌ كانت شخصية أمْ جماعية _ لم تعد مجرد أحداث عابرة في البناء السردي، وإنما أصبحت جوهرًا معرفيًّا…

سائدة عائد البشيتي

تتبوأ التجربة النقدية لدى الباحث والأكاديمي الفلسطيني فراس حج محمد موقعاً متميزاً ضمن المشهد الأدبي الفلسطيني والعربي المعاصر؛ إذ تنطلق قراءاته من بنية معرفية متخصصة نال عبرها درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني الحديث من جامعة النجاح الوطنية عام 1999، واستمرت بالنمو عبر منجز كتابي غزير يتجاوز الأربعين مؤلفاً تتوزع بين الشعر والنقد والسرد…