نصر محمد / ألمانيا
رواية «الحب والحرب – سرى كانيه» رواية صدرت عن دار (AVA) للنشر والتوزيع، عام 2021، وتقع في 155 صفحة من القطع المتوسط.
سرى كانيه؛ هو الاسم الكردي لمدينة (رأس العين)، التي تقع في الشمال الشرقي لسوريا، والتي هُجّر سكّانها رغماً عنهم إلى كافة المناطق والدول، ليحلموا بالعودة يوماً ما، وتجديد اللقاء مرة أخرى تحت كنفها، لتكون تلك العودة لحن الفرح؛ بعد أن عزف الزمن فوق رؤوسهم لحناً جنائزياً، كان موسيقى الوداع الأخير المسكون بالضباب وألم الرحيل.
تحضرهم تلك الموسيقى القديمة، التي اعتادوا على أن يحملوها في قلوبهم، أنّى مضوا، لتشعل في أرواحهم شمعة العشق من جديد، على جميع الأماكن التي تقدّست بدماء الشهداء، وما زالت توزّع أرواحهم بين طياتها ونفحاتها، ولا يعرفون الهدوء في نقطة ما، فيدورون في فلك وجودهم كل لحظة، ويعودون إلى نقطة البداية.
هو الحلم إذا ما أمسك أنفاسهم بقوة، ليمضوا بالذاكرة إلى تلك المقبرة، التي ودعوا فيها كل من كان معهم ذات يوم، من دون أن يدروا على من يقع الاختيار في قادمات الأيام؟! في هذه الحرب الإجرامية؟!
الانتظار صعب، والدرب محفوف بالآلام، ولكن لا سبيل إلى الخلاص إلا بعبور العدو فوق الأجساد بدباباته وعرباته، لتتناثر أشلاؤهم فوق هذه البقعة من الأرض، تروي حكاية عشاق كانوا فيها، ودافعوا عنها بكل قوة وشجاعة، وواجهوا آلة الحرب القوية، وكل الأسلحة التي أدركوا أنه سيستعملها ضدهم، في سرى كانيه.
قبل أن أدخل عالم القراءة، لا بد أن أتقدم للقارئ بلمحة عن الكاتب
- عبد المجيد محمد خلف.
- تولد مدينة (قامشلي – محافظة الحسكة – سوريا عام 1978).
- حائز على شهادة معهد إعداد المدرسين، قسم (اللغة العربية – 1998).
- حاصل على إجازة في الحقوق – جامعة الفرات عام 2013.
- يكتب في مجال (الرواية – النقد الأدبي).
- حائز على جائزة الشارقة للإبداع العربي، الدورة 14، عام 2010، عن روايته «الصوت المخنوق».
كتبه المطبوعة والمنشورة
- رواية «الصوت المخنوق»، الطبعة الأولى في الإمارات العربية المتحدة عام 2011.
- رواية «الصوت المخنوق»، الطبعة الثانية في سوريا، دار الزمان، عام 2019.
- رواية «تمنيت»، الطبعة الأولى في مصر، دار نفرتيتي، عام 2021.
- رواية «تمنيت»، الطبعة الثانية في سوريا، دار شلير، عام 2023.
- كتاب «السرد والتأويل» في سوريا، دار ميزوبوتاميا، عام 2025.
- مجموعة قصصية بعنوان «استعاد أنفاسه» في سوريا، دار ميزوبوتاميا، عام 2025.
- أصدرت له دار أمارجي في العراق، بغداد، كتاباً عن سيرة حياته بعنوان «تداعيات الذاكرة» عام 2023.
- طبعت روايته «سرى كانيه – الحب والحرب» عن دار آفا في سوريا عام 2020.
- ينشر في الصحف والمواقع المحلية والدولية: موقع جيرون، مجلة نزوى العمانية، مجلة أفكار الأردنية، صحيفة القدس العربي، صحيفة النهار، بوابة الأهرام الثقافية، موقع ألترا صوت، موقع الناقد العراقي، موقع آفاق حرة، مجلة دشت الثقافية، المركز الكردي السويدي للدراسات، صحيفة الزمان اللندنية، موقع أضواء المدينة، موقع مدارات كرد، وغيرها.
الرواية
هذه ليست رواية عن الحرب. هذه رواية كُتبت تحت الحرب، بأنفاسها ودخانها وركامها. ولذلك لا يمكن قراءتها بمعايير الرواية الباردة المحايدة.
1. المكان هو البطل الحقيقي
أنت لم تكتب عن سرى كانيه، أنت كتبت سرى كانيه نفسها.
الرواية تبدأ بعبارة مفتاحية: «المسافة تمضي إلى حتفها الأبدي»، وهي ليست مسافة بين عاشقين فقط، بل بين شعب وأرضه، بين بيت وحجر، بين زمنين.
اختيارك الذكي بأن تجعل واشوكاني / سيكاني / رسعينا / رأس العين / سرى كانيه شخصية واحدة لها خمسة أسماء، هو أجمل ما في الرواية.
أنت تقول للقارئ: هذه المدينة أقدم من كل الغزاة.
فصل التوثيق التاريخي الطويل عن تل فخيرية والميتانيين والرومان، الذي قد يبدو للقارئ العادي مقحماً، هو في الحقيقة فعل مقاومة سردي: أنت تثبت ملكية الأرض بالحجر والتاريخ قبل أن تثبتها بالدم.
سرى كانيه عندك ليست جغرافيا، هي قدر. هي العروس، هي القبر، هي الطرحة البيضاء التي تتحول إلى كفن، ثم تعود طرحة مرة أخرى في مشهد النهاية المعجزة.
2. ثنائية العنوان: الحب والحرب
بنيت روايتك على جدلية كلاسيكية، لكنك قلبتها.
الحب هنا ليس خلفية للحرب، والحرب ليست خلفية للحب. كلاهما يلتهم الآخر.
فرهاد ليس مقاتلاً محترفاً، هو مصور – عين. وهذا اختيار سردي بالغ الذكاء. الكاميرا هي ذاكرة ثالثة بينه وبين روناهي. هي التي تحفظ الرفاق من الموت، وهي التي تخونه حين لا يجد صورة لروناهي فيها.
فقدانه لأصابع يده اليسرى مع خاتم الخطوبة، هو رمز مكثف: الحرب لا تقتل فقط، بل تبتر علامة الحب.
روناهي – ومعناها ضوء – ليست الأنثى المنتظرة في البيت. هي التي تقرر البقاء، تحمل السلاح، تفجر نفسها في الدبابة، ثم تعود للحياة في مشهد واقعي سحري مذهل في المقبرة.
عودتها للحياة ليست ضعفاً فنياً، بل هي حاجة نفسية وتوثيقية: الكاتب يرفض أن يمنح السلطان انتصار موت الجميلة.
قصة الحب تحت شجرة التوت، وكأس الشاي الذي يحرق الفم، هي اللحظات الأكثر صدقاً ودفئاً في النص. القارئ يتنفس فيها بين قصفين.
3. اللغة: بين شاعرية الوجع وخطابية الغضب
لغتك تنقسم إلى مستويين واضحين، وهذا هو نقطة قوة الرواية وضعفها معاً:
أ- لغة العاشق: شفافة، حسية، موجعة.
«وأشعر بأن الكون يختصرني»، «أحسست بأن شيئاً ما من قلبي قد سقط مني»، «بقايا صورها في مخيلتي».
هنا أنت شاعر حقيقي.
ب- لغة الشاهد الغاضب: خطابية، مباشرة، تقريرية، مليئة بأسماء السياسيين وتغريدات ترامب واقتباسات عن الأتراك.
هنا يخرج النص من الرواية إلى البيان والتوثيق الصحفي.
هذا الانقسام مفهوم إنسانياً – فمن عاش القصف لا يستطيع أن يكون محايداً – لكنه فنياً يثقل الرواية.
القارئ لا يحتاج أن تقول له إن الطاغية مجرم، هو يراه في مشهد الطفلة سارا التي تسأل عن رجلها المبتورة، وفي مشهد العجوز التي ترفض مغادرة بيتها تحت الشجرة.
أقوى فصولك هي التي لا تسمي فيها أحداً، بل تري. أضعف فصولك هي التي تسمي فيها الجميع.
4. البنية والزمن
الرواية لا تسير بخط زمني مستقيم، هي دائرية. تبدأ بالوداع، تعود للتعارف، تقفز إلى عفرين، تعود إلى المشفى، وتقفز إلى سرى كانيه.
هذا التشظي مقصود ويخدم حالة الصدمة النفسية للمقاتل العائد.
لكن التكرار يرهق النص. استشهاد ريزان يُروى ثلاث مرات، دخول المرتزقة من الجدار يُروى أربع مرات، ومقولة فيكتور هيغو: «من هنا مر الأتراك فأصبح كل شيء خراباً» تتكرر كاللازمة.
النهاية – عودة روناهي للحياة – هي قفلة أسطورية جميلة. أنت تقول: «رغم كل شيء، منحتني الأحلام قوة الوجود كله».
وهنا ينتصر الحب على الحرب سردياً، حتى لو انهزمت المدينة عسكرياً في الواقع.
الخلاصة الانطباعية
«الحب والحرب» ليست رواية للتسلية. هي مرثية مدينة، ومحضر ضبط، ورسالة حب أخيرة.
نقطة قوتها الكبرى أنها صادقة حد النزف. لا يشك القارئ للحظة أن كاتبها كان هناك، تحت القصف، يحمل كاميرا مكسورة وبندقية.
هذه الصدقية لا تُشترى.