نصر محمد
جوان سلو إنسان محب كالنهر، كزهرة، كقبلة، يجد لذته بعد كتابة النص بلحظات لا توصف لجماليتها، يحس بسعادة السلام الداخلي كحجلة ترعى أفراخها أعالي الروح. تهيمن على روحه الطبيعة في كل الفصول، وفي أودية قلبه براكين معاناة سريالية تجعله يكتب ولا يشبع.
قبل أن أدخل عالم القراءة، يجب إعطاء لمحة للقارئ عن الكاتب.
جوان زكي سلو
ولد في القامشلي عام 1982، وتأثر ببيئتها الاجتماعية والثقافية والفنية.
عمل مدرسًا للغة العربية في مدارس المدينة وريفها، ويكتب المقالة في المواقع الإلكترونية المحلية والعربية.
جوان زكي سلو هو أديب وقاص وروائي كردي سوري، يُعرف بأسلوبه الأدبي الواقعي الذي ينقل من خلاله قضايا مجتمعه ووطنه، وله حضور متميز في المشهد الثقافي المعاصر من خلال كتابة القصة القصيرة والرواية والمقالات النقدية.
ينتمي أدب جوان زكي سلو إلى المدرسة الأدبية الواقعية؛ حيث يستوحي أفكاره وشخصيات قصصه من الأحداث اليومية والمعاناة الإنسانية التي عاشتها المنطقة، مثل قضايا اللجوء والنزوح والحروب، معتبرًا أن الروايات والقصص هي التاريخ الحقيقي والذاكرة الحية للشعوب. يكتب مؤلفاته باللغة العربية، وينشر مقالات نقدية وقراءات أدبية في مجلات وصحف عربية متنوعة.
صدرت له عدة مجموعات قصصية وروايات، من أبرزها:
- «سحابة عطر» (2019م): مجموعة قصصية تضم 66 قصة قصيرة جدًا.
- «حفنة من تراب شنكال» (2019م): مجموعة قصصية تسلط الضوء على المعاناة الإنسانية.
- «صباح بلون الذكريات» (2019م): مجموعة قصصية قصيرة.
- «الفراشات المحترقة»: مجموعة قصصية صادرة عن دار ميزوبوتاميا في سوريا.
- رواية «تكوشين» (2019م): أولى تجاربه الروائية المطبوعة.
- رواية «سيرة طريق» (2021م): صدرت عن دار ببلومانيا في مصر.
- رواية «تذكرة عودة إلى كوباني» (2024م): صدرت عن دار إسكرايب للنشر والتوزيع في مصر، وتدور أحداثها بين أزقة قامشلي وصمود مدينة كوباني.
الإهداء
«إلى من يسكنون رواق هذه القصص بذكرياتهم، بأرواحهم، بجراحهم، وبكلماتهم التي تعبق بالوجع، رغم ذلك.. ما يزالون يتمسكون بالأمل.. إلى كل من استشهد ليحيا وطنه أهديكم ملحمة الألم هذه».
إنه ليس إهداءً عاديًا، بل هو ميثاق شرف بين الكاتب وشخصياته. يخبرنا أن هذه ليست قصصًا متخيلة تمامًا، بل هي أرواح حقيقية.
المقدمة
تأتي قصص «استغاثة فجر قتيل» لتكتب الحرب من داخلها، لا كخبر في نشرة، بل كحياة يومية تُعاش. جوان زكي سلو لا يكتب عن الحرب كحدث كبير، بل يكتب عن تفاصيلها الصغيرة القاتلة: حر الظهيرة، طنين الذباب، عرق يتراكم على الحاجبين، بندقية ثقيلة، صمت يسبق العاصفة. لغته مكثفة، حسية، مشحونة بالتوتر، تقف في المنطقة الرمادية بين الواقعية التسجيلية والشعرية الداخلية.
النصوص الثلاثة التي بين يدينا، «حارس الليل» و«صمت التلال» و«استغاثات فجر قتيل»، تشكل ثلاثية متكاملة لفكرة واحدة: الانتظار تحت ظل الموت.
أولًا: قراءة في قصة «حارس الليل»
هذه القصة هي تحفة في أدب الترقب. كل شيء فيها حار: الظهيرة، جلد البطل المكشوف، لزوجة العرق الممزوج بالملح والطين.
البطل «هفال» ليس في معركة، بل في ما بعد المعركة أو ما قبلها. هو فوق أنقاض بناية متهالكة، في ثغرة صغيرة في السور الوطني، يحاول أن يفسح مجالًا أكبر لجسده. الزمن هنا هو العدو الحقيقي. الساعة السوداء الصغيرة تحت ثقل عقاربها الفضية تئن: «تك .. تك .. تك»، مصدرة نغمة متوترة رتيبة. حركته معها، يهش الذباب الحائم حول رأسه. هذا المشهد العبثي، محاولة احتساب الثواني وهش الذباب، هو ذروة القهر الإنساني حين يصبح الوقت أشد وطأة من الملل ذاته.
الخطر لا يأتي فجأة. الكاتب يبنيه ببطء: سمع أمرًا من رفاقه بأن يستطلع الشارع من الأعلى، تحسبًا لأي طارئ. فقد يكون أحد عناصر داعش مختبئًا. الشارع انقسم لنصفين، يوجس شرًا. رفيقه يوعز إلى رفيق له بذراع واحدة أن يطلق صوب الستارة.
اللحظة الفارقة هي لحظة وصول صاروخ الـ«آر بي جي». الوصف سينمائي ومكثف: «لمح في وهج النيران رأس قذيفة مستعدة لتنتجه صوبه، وفي اللحظة ذاتها أطلق رصاصته صوب مطلق الصاروخ الداعشي، بينما تلك القذيفة الصاروخية سارت نحوه، بذيل ناري وأزيز يدوي في السماء، وتصفر في الهواء بصفير الموت القاتم».
القصة تنتهي بقدمين بلا جسد: «وكان هفال بلا قدمين، حين انتشلوا جسده المبتور. بقيت قدماه تحت الحطام، تنتظر متأملة أن تعود له».
هذه الصورة الشعرية الموجعة تلخص كل عبثية الحرب: قدمان تنتظران صاحبهما، وأشلاء تريد أن تعود لأصحابها. الحر هنا ليس حرارة الجو، بل حرارة الفقد والانتظار والقلق الذي يلازم كثيرًا في الآونة الأخيرة.
ثانيًا: قراءة في قصة «صمت التلال»
إذا كانت «حارس الليل» قصة ضجيج داخلي، فإن «صمت التلال» هي قصة الصمت الثقيل الذي يسبق الموت.
المكان محدد بدقة جغرافية وشاعرية: محرس في أعلى تلة تنبسط على يمينها سهول بلدة «تل حميس» الزراعية، وعلى يسارها ترتفع صوامع قرية «تل علو» في أقصى الشمال الشرقي لسوريا. تلة تشهق كل صباح بعبق القرى التي جُبلت كوانينها بالطين والروث. هذا التحديد ليس عبثًا، فالكاتب يريد أن يوثق للأرض، أن يقول: هنا حدث كل شيء.
البطلان هنا هما «زردشت» ورشاشه الـBKS. العلاقة بينهما ليست علاقة جندي وسلاح، بل علاقة جسدين متعانقين في ظلام ليلة صيفية جافة، «كأنهما حجارة ذلك المكان المقفر، حانيًا أحدهما على الآخر، كتوأمين منذ الأزل، ينبض جسديهما بقلب واحد». السلاح هو الرفيق، الأخ، التوأم.
الحوار الداخلي لزردشت يكشف فلسفة المقاتل البسيط. يخاطب رشاشه الملقّم، الغافي بأمان على مسنديه القصيرين: «ألا أحملك أمانة؟». ثم يهمس له وصيته العجيبة: «كن رحيمًا مع من يأتي من بعدي، ويقف خلف أخمصك الخشبي هذا، وامنحه العزم والقوة والأمان».
هو لا يوصي إنسانًا، بل يوصي سلاحه أن يكون رحيمًا بمن سيأتي بعده. قمة الإنسانية في قلب آلة الموت.
القصة تذوب في لحظة تأمل وجودي تحت النجوم، قبل أن يقطعها صوت عيار ناري يخترق عالمه، ويحوله من عالم أكثر عتمة إلى عالم أكثر يقظة، لينتهي المشهد بطفل صغير يطبع قبلة فوق صورة والده «زردشت» ويهمس في أذن القبر: «لن أخبر أمي أنني شاهدتك قبل أن تستشهد».
دائرة الموت والحياة تكتمل ببراءة طفل.
ثالثًا: قراءة في قصة «استغاثات فجر قتيل»
هذه هي القصة العنوان، وهي الأكثر قسوة وتوثيقًا.
تبدأ ببطل مستلقٍ على فراش إسفنجي رقيق فوق سطح أجرد، لا شيء سوى الفراغ وبعض ضجيج الريح في بلدة تعيسة. لا يستطيع خلع حذائه رغم حرارة الجو لأنه لا يشعر بالأمان.
الكاتب هنا شاهد عيان. يصف بلدة «معدسا» في ريف منبج، بمنبرها المنهار، وخزان الماء الكبير، والرايات السوداء لداعش. مشهده الداخلي الأكثر إيلامًا هو تساؤله الفلسفي: «كيف للمرء أن يذبح إنسانًا مثله باسم الله؟ إنسان مخلوق له ذكريات وأم محبة وزوجة وأبناء ينتظرون عودته إلى البيت؟!».
ثم ينتقل لوصف شوارع البلدة المبعدة: بقايا عجلات محترقة، سياج المدرسة، البيوت الطينية والحجرية بأبوابها المخلعة ونوافذها ذات المشابك الحديدية، ظلال الأشجار العارية تسبح في وهج سماء حمراء اللون. لوحة سريالية من الخيبة.
ذروة القصة
تأتي ذروة القصة في وصف المعركة الليلية: رشقات الرصاص تشق نور الحرائق، رمادية الأدخنة المتصاعدة، طقطقة المدافع الرشاشة المخنوقة مع صليات بنادق الكلاشنكوف.
البطل ورفاقه الأربعة في مبنى جنوب البلدة. وفي لحظة إصابة رفيقه بشظية زجاج صغيرة في وجهه، يسيل الدم القرمزي أحمر دافئًا، فيحاول الضغط على عينه اليسرى خشية تدهور حالتها.
وينتهي المشهد بتحول الغضب المتقد في قلبه إلى نار تنتشر في قلوب رفاقه، ورغبة في إطفاء نار الغضب في أجساد من اختبأوا خلف الأشجار والصخور، أولئك الذين جعلوا من أحلام أطفال وطنه كوابيس تورقهم.
لحظة الهاون والأنقاض
يصف الكاتب قذائف الهاون بدوي عظيم، ترسم خطًا منحنيًا مائلًا من الدخان والنار، وصفيرها يشبه صفير قطار قد اقترب من محطته. تسقط إحداها على سطحهم لتنفجر لحظة اصطدامها، فأصابت الغرفة الصغيرة، فانهار سقفها وتهاوى، وتناثرت حجارته كإعصار في عاصفة من الغبار والضوضاء.
هنا يتحول السرد من سرد عسكري إلى سرد وجودي تحت الأنقاض:
«فتحت عيني بعد لحظات من التفجير، لم أر شيئًا، صدى التفجير ما يزال يطنّ في أذني، مصدرًا ذبذبات مضطربة من الضجيج، ثوانٍ عدة حتى توضحت الرؤية، لتعود حواسي للعمل من جديد».
هذه هي لحظة «الفجر القتيل» الحقيقية. البطل يجد نفسه تحت الركام، يسمع تأوهات وأنات مكتومة، تكاد تختنق رويدًا رويدًا، كركام أرواحنا المضطربة أسفل الحطام. ومع انقشاع الغبار، كان شعاع الشمس الأصفر هو الوحيد القادر على المرور وسط زحمة ذرات الغبار.
المشهد الأكثر وجعًا هو حين يحاول إنقاذ رفاقه العالقين تحت الحجارة. يذكر اسم رفيقه صراحة: «هفال شرفان». ومن سحب رفيقينا العالقين تحت الحجارة، كانا كسيحين تمامًا، قدماهما قد أصابهما العطب الشديد، حتى عجزا عن الوقوف.
هنا تظهر استغاثة العنوان. الكاتب يصرخ في جهاز اللاسلكي:
«كانت نداءات استغاثاتي الصارخة ما تزال تتعلق بذبذبات جهاز اللاسلكي المرتجفة، رغمًا عنها، تحاول بث رسالتي الأخيرة إلى الضفة الأخرى، أملًا بالنجاة».
لكن الجهاز يهوي من يده ويسقط فجأة، مع رصاصة غريبة تفتت عظم كوعه، وتلوّن عالمه بدمه. مشهد يختصر عبث الحرب كلها: رجل يحاول الاستغاثة بجهاز محطّم وذراع مهشّمة، وجسده يرتعش كعشة مزلزلة، وصوته يختنق في حلقه.
الموجة الثانية
ثم تأتي الموجة الثانية: العدو يستغل لحظة سقوط الهاون، «ساعة صفر جهنمية»، كي يدخلوا البناء، مستغلين الفوضى والضباب.
يجد البطل نفسه وحيدًا، «أنني الوحيد القادر على حمل السلاح». يصرخ بأعلى صوته، يرمي كل ما معه، وتزلزل الكون كله في تلك الأثناء، وهاج الجميع في موجة من النار والدخان.
النهاية ليست انتصارًا. هي مجرد نجاة مؤقتة: عربات رفاقنا جاءت لنجدتنا من هؤلاء المسلحين بعد أن لاذوا بالفرار، تاركين جثث قتلاهم خلفهم.
وفي تلك اللحظة، لأول مرة، يغمض عينيه:
«حينها تحسست منبت الألم في ذراعي، وقد استشرى في كل جسدي».
الخاتمة
«استغاثة فجر قتيل» ليست كتابًا عن بطولات خارقة. هو كتاب عن هشاشتنا المطلقة أمام قذيفة هاون، وعن عظمتنا المطلقة حين نقرر رغم ذلك أن نسند جسد رفيقنا إلى جدار، وأن نجعل من أكياس الرمال متاريس تحمينا من شر الطلقات، وأن نصرخ في جهاز لاسلكي مهشم.
ما يجمع النصوص الثلاثة هو أنها لا تمجد الحرب ولا تدنسها بخطاب مباشر. هي تكتب الإنسان المحاصر بين واجبين: واجب الحراسة وواجب البقاء حيًا.
لغة جوان زكي سلو لغة مقاومة بحد ذاتها. يستخدم جملًا طويلة، لاهثة، متعاقبة، كأنها أنفاس المقاتل تحت القصف. يكثر من الأفعال المضارعة: يتحين، يئن، يمد، يزحف، ليعطينا إحساسًا أن الحدث يحدث الآن، أمامنا.
«استغاثة فجر قتيل» ليست كتابًا عن بطولات خارقة. هو كتاب عن هشاشتنا المطلقة أمام قذيفة هاون، وعن عظمتنا المطلقة حين نقرر رغم ذلك أن نسند جسد رفيقنا إلى جدار، وأن نجعل من أكياس الرمال متاريس تحمينا من شر الطلقات، وأن نصرخ في جهاز لاسلكي مهشم.
جوان زكي سلو نجح في أن لا يجعلنا نتعاطف مع فكرة، بل مع رائحة: رائحة البارود والأشياء المحترقة التي تثير الغثيان، مع صوت: صفير قذيفة، مع ملمس: خرقة بالية من أثر التفجير، وقطعة خشبية يابسة. هذه هي الكتابة التي لا تُنسى، لأنها لا تُقرأ بالعقل فقط، بل بالجسد كله.
إنها استغاثة فجر قُتل قبل أن يكتمل، لكن شعاع شمسه الأصفر، كما في آخر المشهد، بقي هو الوحيد القادر على المرور وسط زحمة الغبار.