نارين عمر
تكثر الدّراسات الأدبية والنّقدية للأعمال الأدبية بمختلف صنوفها وضروبها، لكنّ المكتبة الكردية تفتقر إلى الدّراسات التّربوية والاجتماعية والنّفسية وخاصة منها المتعلّقة بالعائلة وبالمجتمع بشكل خاص، لذلك نجد الدّكتور عبدالله محمد علي يقدّم لنا كتباً تتضمّن دراسات وقضايا تربوية، نفسية واجتماعية لتكون مصادر موثوقة من مختص في الدّراسات الفلسفية والاجتماعية، ومن هنا ندرك أهمية كتاب ” مرآة النّفس” وهو من الكتب التّربوية والنّفسية جدير بالمطالعة والقراءة.
من خلال العنوان ندرك أنّ الإنسان هو محور الأبحاث الفلسفية والنّفسية والاجتماعية في الكتاب وإن كان للكائنات الأخرى حصّة منها بشكل أو بآخر.
قسّم الباحث الدّكتور عبد الله محمد علي كتابه إلى خمس وحدات، لكلّ وحدة قضايا خاصة بها، تتعلّق بجوانب مختلف من النّفس الإنسانية والقضايا المتعلّقة بالمجتمع.
عنْوَن الوحدة الأولى ب ” تربية الطّفل ومشاكله النّفسية والتّربوية”، ليبدأ بالطّفل الذي يعدّ مفتاح تكوين الإنسان، يتحدّث فيها عن الأمور التي تخص الطّفل والطّفولة والمشاكل المتعلّقة بهما وسبل معالجتها في بدءاً من البيت والمدرسة والشّارع والأماكن الأخرى. كما تطرّق إلى سبل تعامل معه وخاصة الأطفال المحتاجين إلى رعاية خاصة ومنهم المصاب بمرض التّوحد؛ لينتقل فيما بعد إلى الوحدة الثّانية وفيها يتحدّث عن الأسرة ومشاكلها ودور الوالدين فيها. يتطرّق في الوحدة الثّالثة إلى النّفس الإنسانية ومشاكلها، وفيها يبحث عمّا يتعلّق بها من اضطراب، اكتئاب، تفاؤل وتشاؤم، تأثير الشّائعات وكيفية مواجهتها، الأفكار السّلبية والإيجابية وتكوين شخصية الإنسان بين الوراثة والبيئة. يخصّص الباحث الدّكتور عبد الله الوحدة الرّابعة لعلم النّفس وبعض العلوم الأخرى، يعرّف علم النّفس مع ميادينه وفروعه وأهميته في الحياة، منهج البحث العلمي، النّقد البّناء والنّقد الهدّام والسّياسة بين العلم والفنّ، لينهي كتابه بالوحدة الخامسة وفيها مقتطفات نفسية وأدبية عن الطّفل، السّعادة، المرأة ومواقفها، الموسيقا، الكون والعلم، كما تضمّنت قصيدتين نثريتين، سنختار إحداها لتكون النّموذج الذي سنعتمد عليه في هذه القراءة.
قصيدة ” صدى الذّاكرة”، يلجأ فيها الباحث الدّكتور إلى ذاكرته، يحاورها، يبوح لها بمكنونات روحه وخلجات نفسه ونبضات قلبه لتكون مرآة شفافة لذاته. لا يخفي عنها شيئاً. يبدأ بمخاطبة الذّاكرة في وصف رمادي:
((يا أيّتها الذّاكرة المنقرضة بكوابيس الأحلام الموحشة في دياجير الظّلام!)).
ثمّ يطلب إليها أن تتحرّر من فوضى الزّمن، وتمنحه جناحين يطير بهما إلى الفضاء الرّحب لعلّه يجد مبتغاه او مرامه:
((يا ذاكرة! لملمي أشتاتك
من فوضى الزّمن وبحر الضّياع
تأهبي وتسربلي بلون شفق المغيب اللازوردي في الفضاء الأرحب)).
يداوم حواره مع ذاكرته لتكون بلسم نفسه التّائهة في غياهب الضّياع، فهي القادرة على إخماد لظى الاغتراب:
((يا ذاكرة!
جمرات تهوي على صدري
المشرئب صوب الاغتراب
إعصار يفجّر ثناياك
كوني رماداً يطفئ اللظى
من خفايا نفسي التّائهة
نسمة تداعب ثنايا هواجسي)).
استخدامه لمفردتي ” الرّماد، النّسمة” تكشف لنا فوضى الذّات واغترابها في زمن تتوه في دوّامته الأفكار والمشاعر معاً، لتبدأ رحلة البحث عن هذه الذّات بشتّى السّبل والوسائل، وهنا لجأ إلى الذّاكرة لعلّها تهديه إليها.
يحرص الدّكتور عبد الله على مخاطبة ذاكرته ب ” حبيبتي”، ليؤكّد على أنّ ذاكرة الإنسان هي التّوأم الحقيقي للفترات الزّمنية التي تقسّم عمره، وهي المرآة التي تظّل تريه ما قدّمه فيما مضى من العمر وما هو عليها في اللحظة الآنية، وهو بهذه المخاطبة يحاول أن يظهر براءته ممّا اختزنته ذاكرته، ويحمّلها- أي الذّاكرة- مسؤولية بعضها مناصفة بينهما:
((حبيبتي.. ذاكرتي!
من أعماق الهوّة أهتف باسمك
يا زهرة الليل!
علّميني كيف أحرث الحرف
لتنبت في سمائه شمس وغيمة
لتنبت الجورية والأقحوان
ووعد بربيع جديد
يورق البراري الغائرة في ذاتي)).
لقد ذكر هنا زهرة الأقحوان ووردة الجوري لأنهما ترمزان معاً إلى الصّفاء والنّقاء، الفرح، الحبّ الحقيقي، الصّدق والصّداقة، التّفاؤل والعمر الزّاهر بها كلّها، ما يعني أنّه يطالب الذّاكرة بمحو كلّ ما يدعو إلى التّشاؤم والكره والغضب والهمّ من ذاته، لتعود كما كانت في طفولته نقية، صافية، بريئة، محبة للحياة والكائنات وهادئة؛ ويختتم قصيدته ببوح ممزوج بالقوّة والانكسار، بالوعي واللامبالاة لما سيأتي في قادم الأيّام، لأنّه قرّر أن يطوي المسافات والزّمن بترقّب:
((ذاكرتي!
رحلة الصّمت ابتدأت
من فجوات عيوني المتعبة
من أعماق نفسي أهتف باسمك!
الهتاف متعب كالأنين
وكلّ ليل فيه ألف رعشة حنين
أنادي بعينين تعبران عباب البحر
لا لن أبالي باضطرابات العواصف في نفسي
تهزّني في صحوتي وغفوتي
سأطوي المسافات والزّمن
لنترقّب معاً
كلّ شمس تشرق من جديد)).
وكأنّه أراد ان يرسل رسالة إلى الذّاكرة:
إن لم تتناغم أصداء بوحه مع ذبذبات حسّها فإنّه قوي بما فيه الكفاية لاستقبال كلّ يوم تكون شمسه أكثر إشراقاً.
…………….
* مرآة النّفس: كتاب تربوي، نفسي واجتماعي، صدر عام 2024 عن دار ألوان
Elvan Matbaacilk
المراجعة والتّدقيق اللغوي الأديب محمود بريمجة.
* عبد الله عبد الكريم محمد علي: ولد في بلدة تل معروف التّابعة للقامشلي. أتمّ مراحل تعليمه في القامشلي، وتخرّج من جامعة دمشق، كلية الآداب، قسم الدّراسات الفلسفية والاجتماعية عام 1981
عمل في مجال التّدريس في مدارس ومعاهد القامشلي ودولة قطر، وفي إقليم كردستان حصل في جامعة المايستري في مدينة السّليمانية على شهادة الدّكتوراه.
يقيم مع عائلته في مملكة السّويد.
من إصدارته:
هذا الكتاب “مرآة النّفس” 2024 ومشكلات الأسرة وسيكولوجيا التّربية المعاصرة 2025 ورواية قيد الإنجاز.






التعليقات (0)