نصوص أدبية

حين ينام المطر في عيني

أفين بوزان

أُمي ..

يا حروفَ حنيني وبكائي
يا قصيدتي المنفيةَ في دمي
يا صلاةَ انتظاري
يا آخرَ نافذةٍ
ما زالَ قلبي يفتحها
حين يغلقُ العالمُ أبوابه…

أُمي ..

يا اسمي حين أخاف
ويا يدي حين تضيعُ يداي
يا حضناً تركتهُ خلفي
فصارَ الوطنَ كله…

لا تسألي لماذا أعودُ كلَّ مساءٍ
بوجهٍ لا أعرفه
وبقلبٍ كأنَّ أحداً
تركه طويلاً تحت المطر.

أنا لا أبكي ..
ولكنَّ عينيَّ تحفظانِ
كلَّ الذين رحلوا
وحين يشتدُّ الليل
تفتحانِ دفاترهما
وينهضُ منهما الغياب.

أُمي…

كان المطرُ يعدُّ أناملهُ
في تلك الليلة ..
ويُودِّعُ ما تبقى من أملي
قطرةً قطرة…

حتى خُيِّلَ إليَّ
أنَّ السماءَ تغسلُ يديها
من دمائنا
وأنَّ الليلَ
كان يطوي عباءتهُ
فوقَ آخرِ صرخةٍ لنا.

مشيتُ حافيةً
فكان الطينُ يعرفُ اسمي
يمسكُ قدميَّ
كأنَّ الأرضَ تريدُ أن تمنعني
من الرحيل.

لكنني رحلتُ…

تركتُ خلفي نافذةً
ما زالت تنتظرُ وجهي
وكرسياً فارغاً
تجلسُ عليه وحدها
رائحةُ أبي
ووسادةً
نام عليها خوفي
ولم يستيقظ.

يا أُمي ..

منذ تلك الليلة
وأنا أحملُ البيتَ في صدري.
كلّما أغمضتُ عينيَّ
سمعتُ البابَ يفتح
ثم لا يدخلُ أحد.

أعرفُ أنَّ الغائبين لا يعودون ..
لكنني ..
كلَّ فجرٍ أرتِّبُ شعري
وخيبتي ..
وأفتحُ النافذة
وأنتظر…

فربما
يعودُ الغيابُ ذاتَ يومٍ
مُحمَّلاً
بوجهٍ أحبُّه.

ربما يخطئُ الموتُ الطريقَ
مرَّةً واحدة
ويعيدُ إليَّ
من أحببت.

أُمي ..

إن رأيتِني أضحكُ غداً
فلا تصدِّقي ابتسامتي؛
فبعضُ النساء
يتعلَّمنَ كيف يخبِّئنَ
قبورهنَّ تحتَ الفساتين.

وإن سمعتِني أقولُ:
«أنا بخير»
فضعي يدكِ على قلبي

فقط…

ستجدينَ طفلةً صغيرةً
ترتجفُ هناك ..
وتناديكِ ..
من آخرِ المنفى.

أُمي…

لقد طالَ الليل
وأنا تعبتُ من النجاة.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى

اليوم الأخير في دمشق

سيروان حاج بركو في مثل هذا اليوم قبل ٣٦ عاماً وصلت المانيا. كتبت عن رحلتي إلى المانيا في كتابي "خارج السباق -…