مقالات

إينان أَروغلو: لماذا يجب على نصف الكتّاب الكرد التوقف عن الكتابة باللغة الكردية؟

الترجمة عن الكردية: إبراهيم محمود

كتبتُ قبل فترة وجيزة ما يلي على منصة “إكس” (X): “لو استطعنا إقناع نصف الكتّاب الأكراد بالتوقف عن الكتابة باللغة الكردية والتحول بدلاً من ذلك إلى قرّاء نشطين للنصف الآخر، لتحسّن سوق الكتابة الكردية وآفاقها المستقبلية وازدهرت. وإذا رغبت أي من مؤسساتنا أو منظماتنا في ذلك، فسيسرّني تقديم مقالي -المعنون بـ ‘لماذا ينبغي لنصف الكتّاب الأكراد التوقف عن الكتابة باللغة الكردية؟’- في جلسة نقاشية مخصصة لقرّائنا وكتّابنا الموقرين”.

أثارت هذه التغريدة ردود فعل واسعة، وجذبت تعليقات من المؤيدين والمعارضين للفكرة على حد سواء. لقد توقعتُ جدلاً محتدماً ودعوةً لعرض ذلك المقال -الذي كان، في الواقع، مجرد فرضية خيالية غير موجودة فعلياً- أمام الجمهور؛ بل كنت سأقوم بذلك بكل سرور. غير أن مجتمعنا -على ما يبدو- قد فقد حيويته منذ زمن بعيد، ولم تعد المواضيع غير التقليدية تثير اهتماماً كبيراً.
في الحقيقة، كانت تلك مزحة، ولكن -وهذا هو الأمر الأكثر إثارة للدهشة- أنا أؤمن فعلاً بصحة تلك المزحة. اسمحوا لي أن أقول بضع كلمات حول هذا الموضوع. ثمة شكوى شائعة حالياً بين 99.5% من الكتّاب الأكراد مفادها: “الكتّاب الأكراد لا يقرأون لبعضهم البعض”. وبعبارة أخرى، فإن من يطلقون هذا الادعاء يقرّون بأنهم هم أنفسهم لا يقرأون أعمال الكتّاب الآخرين. بالطبع، هم ليسوا ملزمين بذلك؛ فربما لا تنجح تلك الأعمال ببساطة في جذب اهتمامهم. وسأناقش أدناه احتمالين: في الأول، سأحمّلهم المسؤولية (ألومهم)، وفي الثاني، سأدافع عنهم.

1-الكاتب هو المذنب Nivîskar sûcdar e . *أنت* المذنب Tu sûcdar î . لا تحاول التملص من الأمر. أنت تكتب ولكنك لا تقرأ، وفوق ذلك، تتوقع من الكتّاب الآخرين أن يقرأوا *لك*. أنت تنسى أن عليك مسئولية تنمية قاعدة قرّائك وتشكيلها. أنت لا تُبدي أي اهتمام بالارتقاء بمستوى مجتمعك بالتوازي مع نموك الشخصي؛ بل تظل منعزلاً، دون أن تقدم أي تحليل أو تعليق حول فضائلنا ورذائلنا. لا يخطر ببالك أنه في غياب القراء، يصبح الكاتبُ هو القارئ؛ وفي غياب النقاد، يصبح الكاتبُ هو الناقد؛ فمهما كان ما يفتقر إليه ذلك المجتمع، يتحتم على الكاتب أن يتقمص ذلك الدور. أنت لا تكتب لنفسك ولا لكائنات فضائية؛ بل تكتب لنا نحن البشر. هل تدرك ذلك حقاً؟ متى ستفصح علناً عن سبب توقفك عن قراءة الكتب الكردية؟ ومتى ستسمّي تلك الكتب الرديئة التي حالت دون استمرارك في القراءة؟ لا تتجاهل الأمر وتصمّ أذنيك عنه؛ فإذا كان أدبنا فقيراً، وإذا كانت كتبنا متواضعة المستوى، فلك مطلق الحرية في إخضاعها لأدق التفاصيل النقدية، وفي الكشف علناً عن عيوبها ونقائصها، بل وفي أن ترينا كيف يُكتب الكتاب الجيد. وإذا كانت غالبية الكتب في مجتمع ما رديئة، فأنت ملزم بقراءتها -حتى وإن اضطررت لإلقائها أرضاً من فرط الإحباط- شريطة أن توضح لنا أسبابك. أنت تقول: “لقد كتبتُ العمل ومضيتُ في طريقي”. نعم، لقد مضيتَ في طريقك، لكنك أنت أيضاً سترحل في نهاية المطاف. هل تدرك ذلك؟

2- لدى الكاتب وجهة نظر وجيهة. أنت محق. أنا أتفهم وضعك، وصدقني، أنا مدرك تماماً للموقف الذي تجد نفسك فيه. لا حصر للكتب التي تركتها دون إتمام قراءتها -لأسباب شتى-؛ فهي تفوق العدّ والحصر. بعضها نُشر بتحرير سيء للغاية؛ إذ افتقرت إلى القواعد الإملائية السليمة وكانت تعج بالأخطاء اللغوية. لم يفكّر المؤلف في تحسين لغته الكردية المكتوبة قبل إرسال العمل للطباعة، ولم تراعِ دار النشر أن طباعة العمل بتلك الحالة لا تخدم اللغة؛ حتى المحرر المسكين لم يكلف نفسه عناء إعداد النص بشكل لائق -أو ربما لم يبذل الجهد الكافي لتنقيحه نظراً للأجر الزهيد الذي يتقاضاه. ومع ذلك، ماذا كان بوسعه أن يفعل؟ كان يكرس أسبوعاً كاملاً لمهمة قد ينجزها الآخرون في يوم واحد؛ لقد كان وضعاً معقداً حقاً. كما افتقرت بعض الأعمال إلى أي عمق؛ فكان رسم الشخصيات ضعيفاً وأسلوب السرد ركيكاً. لم يُضف بعضها شيئاً إلى ذائقتك الأدبية، بل تركك تتساءل: لماذا تقرأ أعمالاً رديئة كهذه وسط وفرة من الأعمال الممتازة؟ بدا بعضها وكأنه أُنجز قسراً في غضون أيام معدودة، حتى أنك تعجبت لعدم منح جائزة ما لمثل هذه “العبقرية”. ونتيجة لذلك، أدرت ظهرك لتلك الأعمال وفقدت الثقة في دور النشر؛ فلم تكن لتلتفت إلى أي كتاب كردي ما لم يوصِك به عشرون شخصاً تثق بهم. لكن، ما الجدوى؟ فقد كان أولئك الأشخاص العشرون يشاركونك المصير ذاته، إذ كانوا قد ودّعوا هذا العالم الرائع منذ زمن بعيد. لم يتبقَّ أحدٌ حولك، فلجأت مضطراً إلى كتبٍ بلغة الظالم؛ تلك الروائع العالمية التي خضعت لعملية غربلة دقيقة قبل أن تصل إليك أخيراً. ومع ذلك، كنت تدرك تماماً العقبات والحواجز التي كان على تلك الأعمال القليلة المتميزة اجتيازها لتصل إليك وسط بحرٍ هائل من الأدب المتواضع الذي تنتجه أمتك؛ فقد كان المشهد الأدبي أشبه بكومة ضخمة من النفايات، لا تبرز فوقها سوى قلة قليلة من الكتب العظيمة.
لقد تشبثنا بكل حلٍ يمكن تصوره: المناشدات والحملات، التعليم والدورات، البلديات والجامعات، السياسة والدين (وقد قرنتُ بينهما طلباً للانسجام)، الدموع والتوسلات، في السراء والضراء… جربنا كل شيء، لكننا لم نكسب قارئاً جديداً واحداً ولم نفقد كاتباً واحداً؛ بل إننا عجزنا عن منع القراء من التحول إلى كتّاب، كما عجز الكتّاب عن تنشئة قراءٍ خاصين بهم.
حسناً، بما أن الأمر كذلك ولا يوجد حل آخر، فإنني أوجه نداءً إلى الكتاب الأكراد: دعونا نحل هذه المسألة معاً – فيما بيننا ودون أن ندين بأي فضل لأطراف خارجية. فليتوقف نصفنا -نحن الكتاب الأكراد- عن الكتابة باللغة الكردية وليتحولوا إلى قراء نشطين للنصف الآخر. أرجو ألا يكون هناك أي ضغينة أو انزعاج أو تذمر أو اتهامات أو شكوك أو إهانات أو نميمة أو ما شابه ذلك. ومن يقع عليه الاختيار لا ينبغي أن يحمل أي نوايا سيئة، بل عليه أن يؤمن من كل قلبه بأنه يقدم خدمة عظيمة لسوق لغتنا وأدبنا. وبالطبع، يظل حق من يتوقف عن الكتابة محفوظاً؛ إذ يمكنهم تقديم أي تعليق أو تقييم بحرية للأعمال التي يقرؤونها -سواء أشادوا بها أيما إشادة أو انتقدوا بشدة، واحتفوا بها أو رثوها- شريطة ألا يعودوا للكتابة مرة أخرى.
ولكن من سيكون هؤلاء الكتاب الذين سيتنحون؟ ومن سيتخلى عن كتاباته؟ ولهذا الغرض، أقترح تشكيل لجنة تضم أفراداً من مختلف شرائح مجتمعنا، لضمان تمثيل جميع الأوساط. ومع ذلك، وقبل تأسيس هذه اللجنة، لا بد من وضع “خط أحمر” وبند إلزامي يثبت تمسكنا بمبادئنا. وينص البند الأول على ما يلي:

“يُستبعد من ميدان الكتابة الكردية -دون استثناء أو نقاش أو استئناف- أولئك الكتاب متواضعو المستوى الذين يرفضون الاعتراف بزميل لهم في الكتابة، قائلين: ‘لن أقرأ لفلان ما لم يقرأ لي’. فمثل هؤلاء الكتاب لا يمكنهم توقع أن يقرأ الكتاب المتميزون أعمالهم”.
وعقب هذا البند، يمكن للجنة صياغة المزيد من المبادئ التوجيهية ضمن فئات متعددة وتحديد هوية الكتاب الذين يندرجون تحت هذه المجموعة بدقة. ومن ثم -وبعيداً عن الاتهامات أو الإجراءات العقابية، وباستخدام نبرة مهذبة ودبلوماسية- ينبغي عليهم إقناع هؤلاء الأفراد بحجج مفصلة حول سبب وجوب تخليهم عن الكتابة باللغة الكردية، وشرح الأثر الإيجابي الذي ستحدثه خطوة كهذه على سوق لغتنا وأدبنا. إن الإقناع أمر بالغ الأهمية؛ إذ لا ينبغي إخضاع كتابنا للإكراه أو القوة. لإقناعهم، يمكن للجنة الموقرة تقديم “إينان إيروغلو” كـ “كبش فداء” (استجابةً لأولئك الأصدقاء الذين دأبوا على القول: “يجب أن تكون أنت أول من يتنحى”)، ثم تعلن قائلة: “انظروا، هذا الرجل يتنحى ورأسه مرفوع عالياً؛ ولهذا السبب نمنحه درعاً تكريمياً” (رجاءً، ليت الدرع لا يكون من تلك المعروضة في سلال التخفيضات بـ “سوق العجائب” – *Harikalar Pazarı*؛ وشكراً لكم).
واقتراحاً آخر للجنة الموقرة: يمكننا توجيه أنظارنا أولاً نحو بعض دور النشر التي تعتمد مبدأ “النشر المدفوع” وتفتقر إلى أي رؤية حقيقية ti vîzyoneke wan nîne ( يُلاحَظ أن الكاتب استخدم مفردة فرنسية vîzyon، وتعني رؤية ، لماذا ليست nêrînek أو awirek؟ المترجم) .لا شك أنها ستحاول استمالتكم وخداعكم -يا أعضاء اللجنة الموقرة- بالكلام المعسول؛ فلا تنخدعوا بذلك. بل عليكم تمحيصها بدقة، وفحص كل كتاب وكل مؤلف فيها. وفي هذا المسار الشاق والمعقد والمليء بالتحديات، أبعثُ -أنا الذي لا أملك ثروة دنيوية- بخالص احترامي وتحياتي، مقرونةً بأمنياتي لكم بالنجاح الباهر والقوة العظيمة، يا حماة لغتنا المتوارثة عن الأجداد وجديرين بهذه الأمانة.

أخوكم المخلص،
إينان إيروغلو
înan eroglu : Çima nîvê nivîskarên kurdî divê dev ji nivîsîna kurdî berdin?
Kasım 17, 2025

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى

مفارقات وطن

عبدالجابر حبيب "حين يفقد الإنسان ثقته بوطنه، تتكسّر ملامحه في مراياه، ويغدو الانتماءُ شظايا ذاكرةٍ تبحث عن وطنٍ آخر." ***** هذا الصباح...…