مقالات

الكتّاب السوريون وجائزة نوبل

الكتّاب السوريون وجائزة نوبل

خطيب بدلة
الحديث عن احتمال حصول كاتب سوري على جائزة نوبل للآداب غريب جداً، وجه الغرابة فيه أن الكتّاب السوريين، أنفسهم، لا يفكرون في هذا الأمر، إما من باب التواضع، أو من خلال قصة الثعلب الذي حاول قطف العنب من العريشة العالية، ولما أخفق في الوصول إليه، قال: هذا حصرم.
قلت، وأنا أنا أخوكم في حوار صحفي، إنني خرجت من بيئة غير منتجة للأدب، لا بل إنها معادية للأدب، والصحافة، والفكر، والثقافة، والمعرفة، والغالبية العظمى من أبناء منطقتنا، ينظرون إلى المتأدبين باستهجان، أو استخفاف، وإلى أن تتصوروا محافظة طويلة، عريضة، مكتظة بالسكان، إدلب، كان فيها مكتبة صغيرة واحدة، تصلها صحف ومجلات، أحياناً، وأما المكتبات العامة فقليلة هي الأخرى، تغلب عليها الكتب الدينية. وإذا خرجنا من نطاق محافظتنا، إلى النطاق الأوسع، سوريا، يجدر بنا الاعتراف بأننا نعيش في دولة تغيب فيها الحريات السياسية، والحريات الاجتماعية، غياباً موجعاً، فكيف سيبرز من بيننا كاتب، ترتفع كتاباته إلى مستوى استحقاق جائزة رفيعة المستوى، مثل نوبل؟
بالمقارنة مع مصر، تبدو سوريا مثل ضاحية صغيرة، أو منطقة ريفية بعيدة عن العاصمة، ففي حين عجز السوريون، خلال أكثر من ثلاثة أرباع القرن بعد الاستقلال، عن إقامة دولة بالمعنى الجامع، فإن الدولة المصرية موجودة منذ أكثر من مئتي سنة، وقد عاشت، بين 1919 و1952، تجربة ديمقراطية حقيقية، دستور وانتخابات نزيهة، وصحافة، وكتّاب كبار، ومفكرون شجعان، ونساء شجاعات، وعلى الرغم من محاولات جمال عبد الناصر تجيير الدولة لمصلحة فريقه الحاكم، بقيت الدولة المصرية العميقة تؤدي وظيفتها، فكان الكاتب المصري، أو المبدع المصري عموماً، يعيش في جو من الحرية، والمنافسة الإبداعية، ما يجعله يكبر، ويتألق، حتى إن جائزة أحسن مؤلف موسيقي، على مستوى العالم، التي حصل عليها رياض السنباطي سنة 1977، كان يستحقها خمسة مؤلفين موسيقيين مصريين، على الأقل، وجائزة نوبل التي حصل عليها نجيب محفوظ، كان يستحقها عدد غير قليل من الكتّاب المصريين.
الكاتب السوري، إذا كنت تريد الصدق، مكبل، إذا لم نقل إنه محبط، ومعلوم أن الكاتب الذي كان يبدع نصاً، أو يبدي رأياً مخالفاً لتوجهات النظام الحاكم، يصبح مشبوهاً، ودريئة لكتّاب التقارير، ويذهب لمراجعة فروع الأمن، ويؤوب، أكثر من رافيس المعرة.. ومن تجربتي الشخصية، راجعت فرع الأمن السياسي، ثلاث مرات، لأجل قصة عنوانها «فعيب»، واستُدعيت إلى فرع الأمن العسكري لأجل قصة «وقائع ما جرى تحت البطانية»، وثمة صحفيون أمر حافظ الأسد بزجّهم في السجن، سنة 1998، بسبب مقالة نُشرت بالغلط، في صحيفة «البعث»، وكان هذا ناتجاً عن غياب الحرية الاجتماعية، فالمقالة التي سجنوا من أجلها، كانت قد أغضبت بعض رجال الدين، الذين كان حافظ الأسد يتوسل رضاهم عليه.
الرقابة الاجتماعية، للأسف، أخطر من السياسية، ففي مصر أثيرت ضجة حول رواية نجيب محفوظ «أولاد حارتنا»، وطعن، لأجلها، بسكين في رقبته، وخرج فودة قتيل. ومع ذلك، وكمحصلة نهائية، نستطيع القول، إن سوريا لم تنتج كاتباً نوبلياً واحداً، وهذا رأيي وعلى مسؤوليتي.

=======

عنب بلدي

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى

مفارقات وطن

عبدالجابر حبيب "حين يفقد الإنسان ثقته بوطنه، تتكسّر ملامحه في مراياه، ويغدو الانتماءُ شظايا ذاكرةٍ تبحث عن وطنٍ آخر." ***** هذا الصباح...…