مقالات

قراءة في نص ” ياعشقا ” للشاعرة نهروان جرجس

نصر محمد / ألمانيا

النص :

يا عشقاً……نبتَ في فؤادي وفي الوجدانِ
………..لا تزال
دعنا ننسَ كلَ شيءٍ ونبني الحياةَ ونبتعدَ
عن القيلِ والقال
سنواتٌ مرتْ، وتمرُ………. سنواتٌ ومازلنا
نعيشُ ..الأعتدال
أقترب مني فالطريقُ.. الذي بدأناهُ ما زال
لا يقبلُ…….استبدال
فلنترك الأحزانَ والمآسي…. ودعنا ننجو
دونَ………..أستعجال
ولنزرع الوردَ في الجنانِ والحلمْ الجميلُ
يتحقق عند الأستكمال
لاأريدُ منكَ……….حباً………مزيفاً ولا شيئاً
من الوهمِ والأحتيال
فتركتُ كلّ شيءٍ…..خلفي بَوْحي وهمسي
وعزمتُ على الترحال
ويعتصرُ القلبُ……… حزناً وبقايا ذكرياتً
في فؤادي لا تزال
سنونَ أنقضت…. ومضت…. دونَ سؤالٍ
وأنا في هذا الحال
هل في الأرضِ لي متسعٌ ….لأن طريقَ
الحقِ ليسَ من المحال
حاولتُ الرفقَ بالحبيب …لكنه جافاني
وبدأ في….. التعالي
الألمُ يعتصرُ القلبَ…… والندمُ والحزنُ
فاق كل احتمال
فأنا لا أرضى بكأسَ …..الذلِ ولا ارضى
للقلبِ بأن يغتال

القراءة :

هذا ليس مجرد بوح عابر ، هذا اعتراف امرأة عاشت الحب والغربة معاً. شاعرة كردية من الحسكة ، حملت دفء الشرق وزرعته في برودة بليفيلد لأكثر من اثني عشر عاماً . لذا فالقصيدة لا تُقرأ كرسالة حب فقط ، بل كسيرة ذاتية لامرأة تحاول أن تبني بيتاً من الكلمات بعد أن ضاقت بها الأماكن . هي تكتب من مسافة الزمن والنفي ، وهذا ما يمنح الحروف ثقلها .

القصيدة مبنية على صراع بين زمنين :

زمن الحب الباقي : ” يا عشقاً نبت في فؤادي وفي الوجدان لا تزال ”

وزمن الخذلان الممتد: ” سنواتٌ مرتْ، وتمرُ سنواتٌ ومازلنا ”

الشاعرة تبدأ بنداء العشق ، ثم تنتقل بسرعة إلى رغبة الخلاص ” دعنا ننسَ كل شيء ونبني الحياة “، ثم إلى خيبة الأمل ” حاولت الرفق بالحبيب لكنه جافاني وبدأ في التعالي “، وتنتهي بموقف كرامة حاسم ” فأنا لا أرضى بكأس الذل ولا أرضى للقلب بأن يغتال “. هذا التدرج من المناشدة إلى القرار هو ما يجعلها قصيدة مكتملة الأركان .

لغة الشاعرة نهروان جرجس لغة صافية ، مباشرة ، بلا تكلف. اعتمدت على :

* التكرار الوجداني : كلمة ” لا تزال ” تظهر مرتين ، كأنها تريد أن تؤكد أن الجرح حي رغم كل محاولات النسيان .

* الثنائيات الضدية : وهي جميلة جداً : (ننسى / نبني) ، (الأحزان / الورد) ، (الوهم / الحق) ، (الذل / الكرامة) .

هذه الثنائيات تعطي القصيدة توازناً فلسفياً ، وهي ما سمته هي نفسها “نعيش الاعتدال “.

* النفس الطويل الهادئ : استخدامها للنقاط “………” ليس ضعفاً ، بل هو وقفة تنفس ، كأنها تكتب وهي تتنهد . وهذا إيقاع يتناسب مع حياة المهجر ، البطيئة المتأملة .

لا يوجد قافية موحدة ، لكن هناك موسيقى داخلية ناتجة عن تكرار حرف اللام والألف : ” لا تزال ، اعتدال ، استبدال ، استعجال ، استكمال ، احتيال ، ترحال “. هذا التصريع غير المقصود خلق جرساً حزيناً ومتماسكاً .

أما الصور فهي صور بسيطة لكنها راسخة في المخيلة الكردية والشامية :

” نزرع الورد في الجنان ” – صورة الأمل رغم المنفى.
” يعتصر القلب حزناً ” – صورة حسية للألم.
” طريق الحق ليس من المحال ” – تتحول القصيدة هنا من غزلية إلى وجودية .

في النهاية ، هذه القصيدة هي وثيقة كرامة . هي لا تطلب حباً مزيفاً ولا تقبل احتيالاً. الشاعرة التي تركت “كل شيء خلفها بوحي وهمسي وعزمت على الترحال” ليست امرأة هاربة ، بل امرأة اختارت نفسها .

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى

مفارقات وطن

عبدالجابر حبيب "حين يفقد الإنسان ثقته بوطنه، تتكسّر ملامحه في مراياه، ويغدو الانتماءُ شظايا ذاكرةٍ تبحث عن وطنٍ آخر." ***** هذا الصباح...…