الترجمة عن الكردية: إبراهيم محمود
” على مدى أربعين عاماً، في كل عام، كان يصدر لي كتاب ”
-مجلة “چاندنامه” (Çandname): سيد فرات جَوَري، شهد عام 2020 الذكرى الأربعين لمسيرتك في الكتابة؛ نبارك لك هذا الإنجاز! وبهذه المناسبة، نود منك أن تسترجع السنوات الماضية وتحدثنا عن رحلتك…
فرات جَوَري: شكرًا جزيلاً! لقلت مراراً -وأكرر القول- إنني دخلتُ معترك السياسة في سن مبكرة جدًا، وفارقته بالسرعة ذاتها. في أواخر السبعينيات، انخرطنا في العمل السياسي، بشقيه العملي والنظري؛ فكنا نوزع المنشورات، ونكتب الشعارات على الجدران، ونقوم بالدعاية السياسية في القرى والبلدات. علاوة على ذلك، كنا نقرأ كثيرًا؛ فإلى جانب الكتب السياسية التي كان يقرؤها كل منا على حدة، كنا نقرأ كتبًا أخرى بشكل جماعي، بالتناوب فيما بيننا، ونعقد حولها نقاشات وحوارات مشتركة.
كنا شبابًا -أو “طلابًا”، حسب مصطلحات ذلك الزمن- وكان هدفنا توعية الناس وإحداث ثورة بقيادة الطبقة العاملة. وفي غضون عامين أو ثلاثة أعوام فقط، قرأنا من الكتب ما يعادل حصيلة قراءة تمتد لعشر أو خمس عشرة سنة. لم تكتفِ هذه القراءات بتعزيز قناعاتنا فحسب، بل دفعتنا أيضًا إلى التواصل -والدخول في نقاشات معمقة- مع منظمات أخرى. تعمقنا في الفلسفة والجدلية (الديالكتيك)، وشرعنا في تحليل الأيديولوجيات بصرامة الباحثين. كنا مفعمين بالثقة بالنفس، نطلق تصريحات جريئة، ونتحدث بنضج يفوق أعمارنا بكثير. وفي تلك السنوات، أسسنا رابطة في مدينتنا، وانتُخبتُ أنا رئيسًا لها؛ فأصبحت الكلمة الفصل لي. غير أنني كنتُ قد وقعتُ أيضًا في “داء nexweşiya ” الكتابة.
إلى جانب الكتب السياسية، عكفتُ أيضاً على قراءة الأعمال الأدبية. كنت أقرأ بالتركية وأكتب بالكردية. اقتنيتُ دفتراً ملأته بكلماتٍ محظورة، وكنت أخبئه بين طيات ملابس أمي المسكينة. فكلما داهم الجنود منزلنا -أو الحي بأكمله- فجأةً، كنت أسارع بتسليم الدفتر لأمي، التي كانت تأخذه على الفور وتخفيه في ثيابها…
وحين كان يُسمع وقعُ أحذية الجنود الثقيل -وذلك قبل أن نطلق شرارة الثورة حتى- بدأت تساورني الشكوك. كنت في الثامنة عشرة من عمري، لكنني شعرت وكأنني في الثمانين.
في أحد الأيام، دخلت في نقاش حول “ديكتاتورية البروليتاريا ” مع بعض أصدقائي؛ وهم أصدقاء يكبرونني ببضع سنوات، وكانوا أكثر اطلاعاً وقراءةً مني. عبّرتُ عن معارضتي لفكرة ديكتاتورية البروليتاريا، وجاهرتُ برفض حكم الحزب الواحد. في ذلك الوقت، كانت فكرة كهذه تُعدّ أمراً غير مقبول؛ فقد كان النظام السوفيتي قائماً، وكان أنصاره يرون أن الاتحاد السوفيتي يسلك الطريق من الاشتراكية نحو المجتمع الشيوعي. كنا جميعاً، بمعنى ما، أشبه بأتباعٍ مخلصين.
كان هناك من يتبع النهج السوفيتي، ومن يتبع النهج الصيني، ومن يتبع النهج الألباني؛ أي كان هناك ستالينيون، وماويون، وأنصار لأنور خوجا. أما أنا، فقد استعدتُ وعيي الخاص.
دخلتُ عالم الأدب وأدركتُ أهمية اللغة الكردية، فعملتُ ليلَ نهارَ، وواصلتُ الكتابة بلا انقطاع. وحين شعرتُ بسحب سوداء قاتمة تتلبّد في سماء البلاد، بدأتُ أبحث عن سبلٍ للمغادرة. غادرتُ الوطن في أيار 1980، وفي أيلول من العام ذاته، استولى مجلسٌ عسكريٌّ على السلطة بقبضةٍ حديديةٍ قاسية. كنتُ حينها شاباً يافعاً؛ فإذا نظرتُ اليوم إلى تلك الأيام وتلك المرحلة من عمري، أستطيع القول بكل ثقة إنني كنتُ في مقتبل العمر، إذ لم تكن لحيتي وشاربي قد اكتمل نموهما بعد. ومع ذلك، كان قلبي ينبض بحماسٍ شديدٍ من أجل تطوير لغتنا وأدبنا وازدهارهما. ومنذ ذلك الحين -أي منذ عام 1980 فصاعداً- لم أنضم قط إلى أي حزبٍ أو تنظيمٍ سياسي. ورغم أنني لم أنخرط في العمل الحزبي، إلا أنني في الوقت ذاته لم أكتب يوماً ما يسيء إلى أي حزبٍ أو تنظيمٍ كردي. لطالما كنتُ منفتحاً على الحوار؛ فلم أضع فوارق أيديولوجية بين الأحزاب والتنظيمات الكردية المختلفة، بل أبقيتُ أبوابي مشرعةً أمام الجميع في المجالات الثقافية والأدبية. لقد شاركتُ في صحفٍ ومجلاتٍ وبرامج تلفزيونية وإذاعية ترتبط بمختلف أجزاء الوطن -وبمختلف الأحزاب والتنظيمات الكردية- لكنني كنتُ دائماً أعبر عن آرائي الخاصة، لا عن آرائهم. لم ألجأ يوماً إلى التملق لترويج أفكاري، ولم أسعَ قط إلى زرع بذور العداء بين الأحزاب الكردية؛ بل على العكس من ذلك، كنتُ دائماً أدعو إلى الصداقة والتعاون. علاوةً على ذلك، ظهرتُ كضيفٍ في وسائل الإعلام التركية وعبر قنواتهم التلفزيونية، حيث كنتُ أعبر دائماً عن آرائي الشخصية، مخاطباً سلطاتهم مباشرةً من خلال منصاتهم الإعلامية، ومُعلناً بوضوحٍ عن موقفي المناهض لظلمهم.
أنا متمسك بكل ما كتبته حتى الآن، وبكل ما قلته عبر شاشات التلفزيون. لدي ثقة كاملة في عملي ومساعيَّ؛ فإذا كان لي اسمٌ، فقد اكتسبته بجهدي الشخصي. أما أولئك الذين يصلون إلى مواقعهم عن طريق التملق، فبالسهولة ذاتها يمكن طردهم منها. وإذا أراد المرء أن يضع ثقته في شخص ما، فيجب أن يكون ذلك الشخص راسخاً كالصخر.
أولئك الذين يحطّون من قدر أنفسهم — بإتيان حركاتٍ تعبيريةٍ ساخرة، أو المبالغة في فتح أفواههم، أو مهاجمة الآخرين بعشوائية — ينتهي بهم المطاف إلى الندم. أما أنا، فلا أهتم بالسجالات؛ إذ لا أخوض فيها مطلقاً، كما أنني لا أرد على الانتقادات أو الهجمات. وفي كل عام — كجزءٍ من قراراتي للعام الجديد — أعفو عمن أظهروا تجاهي العداء أو تسببوا لي بالألم…
فمن خلال التسامح، يُزاح ثقلٌ كبيرٌ عن كاهل المرء، فتغمره راحةٍ أكبر. وبدلاً من أن يهدم بعضنا بعضاً، لو سرنا معاً، لبلغنا أهدافنا بوتيرةٍ أسرع بكثير. لقد سلكتُ هذا الدرب على مدى أربعين عاماً سعياً نحو غايتنا المشتركة. وخلال هذه العقود الأربعة، ألّفتُ وترجمتُ ما مجموعه أربعون كتاباً؛ أي بمعدل كتابٍ واحدٍ يُنشر لي في كل عام. واليوم، بعد مرور أربعين عاماً، أواصل مسيرتي على هذا الدرب بالزخم والحماس ذاتهما اللذين شعرتُ بهما قبل أربعين عاماً. أن يظل دربكم دائماً مفتوحاً أمامكم، هو ما أتمناه !…
FİRAT CEWERÎ: EZ HÊ JÎ BI KELECANA ÇIL SAL BERÊ DI VÊ RIYÊ DE DIMEŞIM

التعليقات (0)